بتوجيهات القيادة الرشيدة.. حققت الإمارات الريادة في جودة الحياة وإسعاد المجتمع
يستحضر «يوم عهد الاتحاد»، لحظة وطنية مفصلية توحدت فيها الإرادة والرؤية والغاية، ووضع الآباء المؤسسون الأساس الدستوري لدولة استطاعت، خلال عقود قليلة، أن تقدم إلى العالم نموذجاً راسخاً في الوحدة والتنمية وبناء الإنسان، في حين تواصل القيادة الرشيدة، اليوم، السير بالاتحاد نحو آفاق أرحب من التألق والإنجاز، مستندة إلى نهج يجمع بين الوفاء لإرث المؤسسين، واستشراف المستقبل، وصناعة الفرص، وتحويل الطموحات الوطنية إلى نتائج يلمسها الإنسان في حياته ومستقبل أبنائه.
وجاء اعتماد الثامن عشر من يوليو «يوم عهد الاتحاد» بتوجيه من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، احتفاءً بالاجتماع التاريخي الذي عُقد في اليوم ذاته من عام 1971، ووقّع فيه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وإخوانه الحكام وثيقة الاتحاد ودستور الإمارات، وأُعلن خلاله بيان الاتحاد والاسم الرسمي لدولة الإمارات العربية المتحدة.
ولا تمثل المناسبة مجرد استعادة لصفحة مجيدة من التاريخ، بل تشكل تجديداً للعهد بالحفاظ على الاتحاد وصون مكتسباته ومواصلة البناء تحت قيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات.
فالقيادة تنظر إلى الاتحاد باعتباره مسيرة متواصلة تتطلب عملاً يومياً وتكاملاً بين المؤسسات الاتحادية والمحلية، واستثماراً في الإنسان، ووعياً بالمتغيرات المحيطة، وقدرة دائمة على تطوير أدوات الدولة وسياساتها بما يحافظ على قوتها وتنافسيتها.
قوة الوطن
تتجسد فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان في النظر إلى الاتحاد بوصفه قوة الوطن وروحه، والركيزة التي تستند إليها مسيرته التنموية ومكانته الإقليمية والدولية وفي كلمته بمناسبة عيد الاتحاد 54، جدد صاحب السمو رئيس الدولة العهد على مواصلة العمل حتى تظل الإمارات، كما أرادها الشيخ زايد، رائدة ومتقدمة وملهمة في مسيرتها وطموحها وقصة نهضتها.
ويحتل الإنسان المكانة المركزية في فكر صاحب السمو رئيس الدولة، إذ لا تُقاس التنمية فقط بعدد المشروعات أو حجم الاقتصاد، بل بقدرتها على بناء إنسان واثق بهويته، متمسك بقيمه، يمتلك المعرفة والمهارات، وقادر على المشاركة الفاعلة في صناعة مستقبل وطنه، فقد أكد سموه أن تعزيز مشاركة المواطن في دفع مسيرة الوطن نحو المستقبل يمثل أولوية أساسية، انطلاقاً من رؤية تضع الإنسان والأسرة والمجتمع في قلب الحكاية الإماراتية، ومحوراً للتنمية وغاية لها.
ويختصر قول سموه: «نريد جيل المستقبل أن يكون في قلب حركة التطور التكنولوجي والعلمي في العالم» جانباً رئيساً من رؤيته التي تربط التقدم العلمي بالتمسك بالأخلاق والقيم والهوية الوطنية، وتعد الهوية مصدراً للقوة والثقة والاعتزاز، لا حاجزاً أمام الانفتاح على العالم.
فالحداثة في الفكر الإماراتي لا تعني الابتعاد عن الجذور والقيم الراسخة في الوجدان، كما أن الانفتاح لا يتعارض مع الاعتزاز بالهوية، بل إن الثقة بالتاريخ والقيم واللغة والثقافة هي التي تمنح الإنسان القدرة على التفاعل الإيجابي مع المتغيرات، والاستفادة من العلوم والتكنولوجيا من دون فقدان بوصلته الوطنية.
أرشيفية
التعليم كان ولا يزال على رأس اهتمامات القيادة
ومن هذا المنطلق، تحظى الأسرة والتعليم والشباب والقيم المجتمعية باهتمام متقدم في السياسات الوطنية، بالتوازي مع الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والفضاء والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة.
وتريد القيادة جيلاً يعرف كيف نشأت دولته، ويدرك أن ما تحقق لم يكن وليد المصادفة، بل ثمرة رؤية وشجاعة وتضحيات وعمل متواصل، وفي الوقت نفسه يمتلك المهارات العلمية والتقنية التي تؤهله للمنافسة والمشاركة في صنع اقتصاد المستقبل.
حكمة واستباقية
وترتكز فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على العمل الاستراتيجي بعيد المدى، وبناء عناصر القوة الشاملة للدولة سياسياً واقتصادياً وعلمياً واجتماعياً وأمنياً، مع تعزيز قدرتها على التعامل مع المتغيرات والأزمات.
وقد رسخت الإمارات في ظل هذه الرؤية حضورها دولة مسؤولة تتبنى الحوار والتعاون، وتقيم شراكات متوازنة مع مختلف دول العالم، وتدعم جهود تحقيق السلام والاستقرار والتنمية.
وأكد سموه أن الدولة ستظل داعمة لكل ما يحقق السلام والاستقرار والتعاون في العالم، ولتسوية النزاعات عبر الحوار والطرق الدبلوماسية، انطلاقاً من إيمانها بأن هذا هو الطريق إلى تحقيق تطلعات الشعوب في التنمية والازدهار.
وتعكس هذه الرؤية ترابط الداخل والخارج في الفكر الإماراتي؛ فالتنمية تحتاج إلى بيئة مستقرة، والقوة الاقتصادية تعزز قدرة الدولة على أداء دورها الإنساني والدبلوماسي، في حين تسهم العلاقات المتوازنة والمصداقية الدولية في فتح مسارات جديدة أمام التجارة والاستثمار والمعرفة.
كما تتجلى استباقية هذا الفكر في الاهتمام المبكر بقطاعات المستقبل، وعدم انتظار التحولات العالمية حتى تفرض نفسها.
ولهذا استثمرت الدولة في التكنولوجيا والفضاء والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والأمن الغذائي والمائي، وأصبحت صناعة المستقبل جزءاً من منظومة العمل الحكومي والاقتصادي.
وإلى جانب فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، تمثل فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، رعاه الله، مدرسة قيادية تقوم على الحركة وسرعة الإنجاز ورفع سقف الطموح، وعدم قبول الجمود أو الاكتفاء بما تحقق.
ويرى سموه أن الاتحاد لا يقوم فقط على المصالح والإمكانات المادية، بل يحتاج إلى روح تجمع أبناء الوطن، ومشاعر مشتركة تدفعهم إلى الإخلاص للدولة والعمل بروح الفريق الواحد.
وفي كتابه «ومضات من فكر»، يؤكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن أهم ما يمكن تعلمه من التجربة الإماراتية أن الاتحاد له روح، لأن توحيد البشر يحتاج إلى مشاعر وطنية تجمعهم تحت راية واحدة، وإلى إخلاص لمستقبل مشترك يتقدم فيه نجاح الوطن على المصالح الفردية أو المحلية.
وتمنح هذه الفكرة الاتحاد بعداً إنسانياً عميقاً، فنجاح الإمارات لم يتحقق فقط من خلال جمع الموارد والإمكانات، بل من خلال جمع القلوب والعقول والطاقات حول مشروع وطني واحد، وترسيخ قناعة بأن نجاح أي إمارة أو مؤسسة هو إضافة إلى رصيد الدولة كلها.
وتقوم فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على أن الرؤية لا تكفي من دون تنفيذ، وأن الخطط لا تكتسب قيمتها الحقيقية إلا بالنتائج والأثر الذي تحدثه في حياة الإنسان.
ولهذا رسخ سموه في العمل الحكومي ثقافة التخطيط الاستراتيجي وقياس الأداء والتميز والابتكار، وربط المسؤولية بالنتائج، وجعل استشراف المستقبل جزءاً أساسياً من عمل المؤسسات.
وفي هذا الفكر لا توجد محطة نهائية للتميز؛ فكل نجاح يمثل بداية لتحدٍّ جديد، وكل مركز متقدم يفرض مسؤولية كبرى للحفاظ عليه، وكل إنجاز يرفع توقعات المجتمع ويستدعي تطويراً جديداً.
وقد أكد سموه في كلمته بمناسبة عيد الاتحاد الثالث والخمسين أن المناسبة تشحذ الهمم للمضي قدماً في تعزيز مناعة الوطن والارتقاء بحياة الشعب، وتأكيد جدارة الإمارات بتبوؤ المكانة اللائقة بين دول العالم الأكثر تقدماً.
فالتقدم في فلسفة سموه ليس ترفاً، بل ضرورة لحماية الدولة وتعزيز مناعتها، ولذلك ترتبط الحكومة المرنة بالخدمات السريعة، ويرتبط الاقتصاد القوي بجودة الحياة، وترتبط التنافسية بالقدرة على الاستمرار في تطوير التشريعات والمؤسسات والمهارات.
تكامل القيادة
يمثل التكامل بين رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان وفلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم أحد أهم عناصر القوة في التجربة الإماراتية؛ إذ تلتقي الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى مع ثقافة التنفيذ السريع، والحكمة مع الجرأة، والاستقرار مع الابتكار، والتمسك بالهوية مع الانفتاح على المستقبل، وفي ظل هذا التكامل تعمل الفرق الاتحادية والمحلية ضمن أولويات وطنية مشتركة، وتتبادل المؤسسات الخبرات والتجارب، في حين تتحول الخطط إلى برامج ومشروعات ومؤشرات قابلة للقياس.
وتتميز التجربة الإماراتية بقدرتها على الجمع بين قوة الاتحاد وحيوية الإدارة المحلية، فلكل إمارة خصوصيتها وإمكاناتها وأولوياتها، لكن هذه الخصوصية لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل تثري المشروع الوطني وتدعم تنوعه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ويؤدي أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات دوراً محورياً في ترسيخ هذا النموذج، من خلال قيادة التنمية في إماراتهم، والمشاركة في صياغة السياسات والقرارات الكبرى، والحفاظ على نهج التشاور والتوافق الذي أرساه المؤسسون.
وتعكس كلمات أصحاب السمو الحكام وحدة الفكر والغاية، وإيمانهم بأن الاتحاد ليس إرثاً محفوظاً فقط، بل مسؤولية تحتاج إلى العمل والحماية والتطوير، وأن الولاء له يتجسد في خدمة المجتمع، وصون الأمن والاستقرار، وإعداد الأجيال، وإتقان العمل.
شواهد اقتصادية
واستناداً إلى ما سبق، لم تبقَ فلسفة الاتحاد والعمل بروح الفريق الواحد مبادئ نظرية، بل انعكست في مؤشرات رسمية تكشف قدرة الدولة على تحويل رؤيتها إلى نتائج ملموسة.
فقد أعلن المركز الاتحادي للتنافسية والإحصاء أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدولة الإمارات نما بنسبة 6.2% خلال عام 2025، ليصل إلى 1.9 تريليون درهم، في حين نما الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 6.8%، وبلغت قيمته 1.5 تريليون درهم.
وتعكس هذه النتائج نجاح سياسات التنويع الاقتصادي، وتوسع مساهمة قطاعات التجارة والصناعة والخدمات والسياحة والتكنولوجيا والاقتصاد الجديد، بما يعزز قدرة الدولة على المحافظة على زخم النمو وتقليل الاعتماد على قطاع واحد.
كما استقطبت الإمارات خلال عام 2025 تدفقات قياسية من الاستثمار الأجنبي المباشر بلغت 177.3 مليار درهم، بما يعادل 48.3 مليار دولار، بنمو سنوي قدره 6%، لتحتل المرتبة التاسعة عالمياً من بين كبريات الوجهات المستقبلة للاستثمار الأجنبي المباشر.
وحافظت الدولة، للعام الثالث على التوالي، على المرتبة الثانية عالمياً في عدد مشروعات الاستثمار الأجنبي الجديدة، بعد تسجيل 1562 مشروعاً خلال عام 2025، في حين ارتفع الرصيد التراكمي للاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى 1.17 تريليون درهم.
وتكشف هذه المؤشرات عن ثقة عالمية في الاستقرار السياسي والاقتصادي والتشريعي للدولة، وفي بنيتها التحتية وقدرتها على استقطاب رؤوس الأموال والمواهب والشركات، وتوفير بيئة تتيح للمشروعات الانطلاق والنمو والوصول إلى الأسواق.
وسجلت التجارة الخارجية الإجمالية للإمارات ستة تريليونات درهم خلال عام 2025، بنمو 15% مقارنة بعام 2024، في حين بلغت تجارة السلع غير النفطية 3.8 تريليونات درهم، ووصلت تجارة الخدمات إلى 1.14 تريليون درهم.
شباب الوطن يديرون بكفاءة مختلف القطاعات الحيوية
وفي القطاع الصناعي، بلغت الصادرات الصناعية 262 مليار درهم خلال عام 2025، بنمو 25% مقارنة بعام 2024، بما يعكس توسع قاعدة الإنتاج الوطني وتعزيز حضور المنتجات الإماراتية في الأسواق الخارجية.
ولا تمثل هذه الأرقام غاية منفصلة عن الإنسان، بل أدوات لتوفير فرص العمل، ودعم الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، وتمكين المواطنين ورواد الأعمال، وتعزيز قدرة الدولة على الاستثمار في المستقبل.
وتمضي الإمارات وفق رؤية «نحن الإمارات 2031»، التي تستهدف رفع الناتج المحلي الإجمالي إلى ثلاثة تريليونات درهم، وزيادة الصادرات غير النفطية إلى 800 مليار درهم، وتعزيز مكانة الدولة شريكاً اقتصادياً عالمياً ومركزاً للاقتصاد الجديد.
وتؤكد هذه المستهدفات أن القيادة لا تنظر إلى الإنجازات المحققة بوصفها نهاية الطريق، بل قاعدة لانطلاقة جديدة.
فالدولة التي نجحت في بناء نموذج وحدوي تنموي خلال أكثر من نصف قرن، تستعد اليوم لمرحلة مختلفة تقوم على المعرفة والتكنولوجيا والاستدامة والقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
عهد يتجدد بالعمل
وتأتي المناسبة الغالية على النفوس لتذكر الأجيال بأن الوطن الذي يعيشون ازدهاره اليوم بدأ بفكرة آمن بها قادة امتلكوا الشجاعة وبعد النظر، وأن مسؤولية الأجيال الحالية لا تقل أهمية عن مسؤولية جيل التأسيس، وإن اختلفت التحديات والأدوات.
فالمؤسسون بنوا الاتحاد ووضعوا أسساً متينة للدولة، والأجيال الحالية مطالبة بصون البناء وتعزيز تنافسيته وحمله إلى مراحل أكثر تقدماً، متسلحة بالعلم والهوية والقيم وروح الفريق الواحد.
فالوفاء لعهد الاتحاد لا يقتصر على الاحتفاء بالمناسبة، بل يتجسد في الإخلاص في العمل، وحماية المكتسبات، وخدمة المجتمع، والمشاركة في التنمية، وتقديم مصلحة الوطن.
وتمضي سفينة الاتحاد واثقة بوجهتها، تحرسها وحدة القيادة والشعب، وتدفعها إرادة لا تعترف بالمستحيل، ليبقى الاتحاد حياً في القلوب والمؤسسات، وتبقى الإمارات منيعة بوحدتها، متألقة بإنجازاتها، وقادرة على بناء مستقبل أكثر ازدهاراً لأبنائها والأجيال المقبلة، كيف لا، وهي قيادة تحفظ العهد، وتؤمن بالإنسان، وتعمل بروح الفريق، وتقرأ المستقبل قبل وصوله، وتحول التحديات إلى فرص، والأفكار إلى إنجازات، والطموحات إلى واقع معيش.