المؤهل أم الخبرة.. مطلب سوق العمل؟

أكدت مؤشرات سوق العمل أن الوصول إلى الوظيفة لم يعد مرتبطاً بالحصول على شهادة جامعية ثم انتظار الفرصة، كما لم تعد الدورات المهنية وحدها قادرة على اختصار الطريق إلى العمل، إذ ترسم التحولات المتسارعة في الوظائف والتكنولوجيا معادلة جديدة قوامها مؤهل أكاديمي، ومهارة عملية، وخبرة ميدانية، وقدرة مستمرة على التعلم والتكيف مع أدوات الذكاء الاصطناعي.

وبين طلبة يرون في الجامعة أساساً لا غنى عنه، وخريجين اكتشفوا بعد التخرج أن الشهادة تمثل بداية الطريق وليست نهايته، ومختصين يؤكدون أن أصحاب العمل يبحثون بصورة متزايدة عن الشخص القادر على تحويل المعرفة إلى إنجاز، ينتقل النقاش من المفاضلة بين «الشهادة والدورات المهنية» إلى كيفية الجمع بين المؤهل والمهارة والخبرة بما يتناسب مع متطلبات سوق العمل.

وأكد الدكتور عبد الفتاح سعيد عرمان، نائب عميد كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة، أن متطلبات سوق العمل لم تعد تقوم على الشهادة الأكاديمية وحدها، وإنما أصبحت تعتمد على معادلة متكاملة تجمع بين المؤهل العلمي والخبرة العملية والتطوير المستمر للمهارات، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن الشهادة لا تزال تمثل عنصراً أساسياً في بناء المسار المهني، إلا أن مفهوم التأهيل نفسه شهد تغيراً خلال السنوات الأخيرة، فلم يعد البرنامج الجامعي الممتد لعدة سنوات هو المسار الوحيد لتطوير القدرات.

وأشار إلى تنامي أهمية الشهادات المهنية والبرامج التعليمية القصيرة، التي يمكن أن تمتد لفترات أقصر وتغطي تخصصات عملية مثل الموارد البشرية والمحاسبة وغيرها من المجالات المرتبطة مباشرة باحتياجات سوق العمل.

وأكد أن وجود شهادة متخصصة أو مؤهل مهني يضيف قيمة حقيقية للباحث عن عمل عندما يكون مرتبطاً باحتياجات الوظيفة، وليس مجرد شهادة تضاف إلى السيرة الذاتية.

وكشف الدكتور عرمان أن 84% من خريجي كلية إدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية في رأس الخيمة التحقوا بسوق العمل وفق إحصائيات العام الماضي، موضحاً أن هذه النسبة تخص خريجي كلية إدارة الأعمال تحديداً، وهي موثقة ضمن بيانات الكلية.

ويرى أن هذه النسبة تعكس استمرار دور التعليم الجامعي في دعم فرص التوظيف، إلا أن الدخول إلى سوق العمل لا يعتمد على المؤهل وحده، وإنما يتأثر كذلك بطبيعة التخصص، وحجم الطلب على الوظائف، والفرص المتاحة، ومدى استعداد الخريج.

وأشار إلى أن خريجي إدارة الأعمال يمكنهم الالتحاق بمجموعة واسعة من المجالات، مثل الموارد البشرية والتخطيط والإدارة والتخصصات المالية، لكن تعزيز القدرة التنافسية يتطلب مواصلة تطوير المهارات بعد التخرج.

الذكاء الاصطناعي

وأوضح الدكتور عرمان أن الذكاء الاصطناعي أصبح من أبرز المتغيرات التي تعيد رسم متطلبات الوظائف، مؤكداً أن الخريج والموظف وحتى عضو هيئة التدريس أصبحوا مطالبين بالتعلم المستمر لمواكبة التطورات المتسارعة.

وأشار إلى أن أدوات مثل «ChatGPT» و«Copilot» أصبحت جزءاً من بيئة الدراسة والعمل، الأمر الذي يفرض على الطلبة والموظفين التعرف إلى كيفية استخدامها والاستفادة منها، بدلاً من الاكتفاء بالمعارف التي حصلوا عليها في مرحلة دراسية سابقة.

وأكد أن التطوير لم يعد مسؤولية الخريج وحده، بل يشمل الأكاديمي والموظف وصاحب الخبرة أيضاً، لأن الأدوات والتقنيات الجديدة تغير طبيعة كثير من الوظائف وطرق إنجاز المهام.

رقية الطنيجي
رقية الطنيجي

من جانبها، أكدت الدكتورة رقية الطنيجي، أستاذ مساعد علم الاجتماع في جامعة الذيد، أن الشهادة الجامعية تبقى أساساً علمياً مهماً في بناء المستقبل المهني، لأنها تمنح الفرد المعرفة الأكاديمية والتخصصية التي ينطلق منها إلى سوق العمل، بيد أنها شددت على أن صاحب العمل اليوم لا يبحث عن الشهادة وحدها، وإنما عن شخص يستطيع استخدام المعرفة وتحويلها إلى أداء عملي ونتائج ملموسة.

وأوضحت أن الدورات المهنية يمكن أن تسهم في صقل الشخصية وتعزيز مهارات التواصل والتحليل والتفكير النقدي والإبداعي، إضافة إلى منح المتدرب فهماً أكثر قرباً من بيئة العمل ومتطلبات المهنة.

وأكدت أن العلاقة بين الشهادة والمهارة ليست علاقة تنافس، بل تكامل؛ فالشهادة تؤسس للمعرفة، والمهارة تحولها إلى ممارسة، والخبرة تعزز القدرة على الإنجاز.

وقالت سلمى أحمد حسن، خريجة تخصص تجارة وإدارة أعمال، إن تجربتها بعد التخرج جعلتها تعيد النظر في مفهوم الاستعداد لسوق العمل.

وأوضحت أنها كانت ترى أثناء الدراسة أن الحصول على الشهادة يمثل المحطة الأساسية، لكنها أدركت عند البحث عن وظيفة أن التخرج يمثل بداية مرحلة جديدة تتطلب اكتساب مهارات إضافية وتطوير القدرات بصورة مستمرة.

وترى أن فترة البحث عن وظيفة يمكن استثمارها في التدريب وتعلم مهارات جديدة، بدلاً من التعامل معها كمرحلة انتظار، خصوصاً أن بعض الوظائف تتطلب قدرات عملية لا تستطيع الشهادة وحدها إظهارها.

بناء الجاهزية

سارة أحمد
سارة أحمد

وترى سارة أحمد، طالبة في السنة الثالثة، أن بناء الجاهزية المهنية يجب أن يبدأ قبل التخرج بوقت طويل.

وقالت إن الطالب يستطيع خلال سنوات الجامعة تطوير مهارات التواصل والثقة بالنفس والعمل الجماعي وعرض الأفكار وحل المشكلات، إلى جانب المشاركة في البرامج التدريبية والأنشطة التي تقربه من الواقع المهني.

وأوضحت أن المؤهل يمكن أن يفتح الطريق إلى مقابلة العمل، لكن شخصية المتقدم وطريقة تواصله وثقته بقدراته قد تحسم المنافسة بين أكثر من مرشح يحملون المؤهل ذاته. وفي التخصصات الرقمية والتقنية، تبدو الحاجة إلى الموازنة بين التعليم الأكاديمي والتطبيق أكثر وضوحاً.

محمد أمين
محمد أمين

وأكد محمد أشرف أمين، تخصص نظم ومعلومات، أن الشهادة توفر الأساس النظري لفهم الأنظمة والتقنيات، بينما يمنح التدريب العملي الطالب فرصة لاختبار معرفته وتحويلها إلى مهارة قابلة للاستخدام في الوظيفة.

وأشار إلى أن الدورات المتخصصة والمشروعات التطبيقية تقلل الفجوة بين الدراسة وسوق العمل، خصوصاً في مجالات تتغير فيها الأدوات والتقنيات بصورة متسارعة.

يوسف أحمد
يوسف أحمد

بدوره، قال يوسف محمد أحمد، تخصص نظم ومعلومات، إن التطور التكنولوجي يجعل التعلم المستمر شرطاً رئيسياً للاستمرار في المجال، إذ قد تتغير الأدوات المطلوبة في سوق العمل خلال فترات زمنية قصيرة.

وأوضح أن من يجمع بين المؤهل الجامعي والمهارات الرقمية الحديثة يصبح أكثر قدرة على المنافسة من شخص يكتفي بما تعلمه داخل قاعة الدراسة.

عبدالرحمن وليد
عبدالرحمن وليد

وفي قطاع مختلف، أكد عبدالرحمن وليد علي، خريج تخصص طيران، أن الدراسة الأكاديمية توفر قاعدة علمية مهمة، لكن طبيعة العمل في قطاع الطيران تحتاج إلى جانبها الانضباط وتحمل المسؤولية وإدارة الوقت والتعامل مع الضغوط واتخاذ القرارات.

وأوضح أن كثيراً من هذه الجوانب تنمو بصورة أكبر من خلال التدريب والممارسة، معتبراً أن قيمة الشهادة تتضاعف عندما يستطيع الخريج تطبيق ما تعلمه فعلياً داخل بيئة العمل.

سما أحمد
سما أحمد

أما سما أحمد حسن، طالبة في السنة الثالثة تخصص علم الاجتماع، فترى أن كثرة الدورات ليست معياراً بحد ذاتها على جاهزية الشخص للتوظيف. وقالت إن بعض الطلبة يركزون على الحصول على أكبر عدد من شهادات التدريب دون النظر إلى مدى ارتباطها بالتخصص أو بالوظيفة المستقبلية.

وأكدت أن الدورة الجيدة هي التي تضيف مهارة يستطيع الطالب تطبيقها، وليس التي تضيف سطراً جديداً فقط إلى سيرته الذاتية، مشيرة إلى أهمية تحديد المسار المهني مبكراً حتى تصبح عملية اختيار البرامج التدريبية أكثر دقة.

وتعكس بيانات التوظيف والتأهيل في إمارة الشارقة خلال عام 2026 هذا التحول، إذ يتصدر الجامعيون التعيينات الحكومية، بالتوازي مع توسع برامج التدريب الميداني وتأهيل الباحثين عن عمل، بما يؤكد أن الجاهزية المهنية أصبحت مكوناً أساسياً إلى جانب المؤهل العلمي.

وأظهرت بيانات دائرة الموارد البشرية بالشارقة، خلال الفترة من 5 يناير حتى 27 أغسطس 2026، تعيين 1583 مواطناً ومواطنة في الجهات الحكومية، بينهم 868 من الذكور و715 من الإناث، ضمن خطة تستهدف توفير 3000 فرصة عمل للمواطنين والمواطنات حتى نهاية العام.

وتصدر حملة البكالوريوس قائمة المعينين بإجمالي 915 موظفاً وموظفة، يمثلون نحو 58% من إجمالي التعيينات، فيما بلغ عدد المعينين من حملة الثانوية العامة 614، بنسبة تقارب 39%، إضافة إلى 34 من حملة الماجستير و16 من حملة الدبلوم و4 من حملة الدكتوراه.

وتؤكد هذه الأرقام استمرار أهمية المؤهل الأكاديمي في الوصول إلى الوظيفة، إلا أنها تتزامن في الوقت نفسه مع توجه متزايد نحو بناء الخبرة العملية والمهارات المهنية قبل التعيين.

وفي هذا السياق، استهدفت الدفعة الثالثة من برنامج الشارقة لتدريب وتأهيل الباحثين عن عمل 410 مواطنين ومواطنات خلال الفترة من يوليو إلى ديسمبر 2026، من خلال تدريب ميداني يمتد ستة أشهر داخل الجهات الحكومية، يحصل خلاله المنتسب على مكافأة شهرية، ولا يقتصر البرنامج على التدريب العملي، بل يتضمن دورات تخصصية وبرامج للجاهزية المهنية، من بينها مهارات المقابلات الوظيفية، وفهم سوق العمل، والسلوك المهني.