صانعات التأثير.. إماراتيات مهّدن الطريق للأجيال

وسعت المرأة الإماراتية حضورها على مدى عقود في مجالات كان يندر فيها وجود النساء، وخاضت مسارات مهنية وعلمية غير تقليدية، من العمل الشرطي والصحي إلى هندسة الطيران والقطاع البحري، لتفتح بتجاربها أبواباً أمام أجيال جاءت بعدها وتمهد الطريق، وتنتقل من مرحلة إثبات القدرة على دخول هذه المجالات إلى التميز والريادة.

وفي العمل الشرطي، امتدت مسيرة الإماراتية عبر عقود، بدأت بالتحاق تفاحة سالم الحامض أول ضابطة شرطة إماراتية ولقبت بـ «أم الشرطيات»، التي التحقت بالشرطة في دبي عام 1960.

فكانت أول سيدة تلتحق بالعمل الشرطي في الإمارات واتسعت بعدها أدوار المرأة الإماراتية لتشمل مجالات ميدانية وأكاديمية وتخصصية وقيادية، في انعكاس للتطور الذي شهده حضورها في المؤسسة الشرطية.

وامتداداً لمسيرة الإماراتية في العمل الشرطي، بدأت مسيرة العقيد الأستاذ المشارك الدكتورة مرضية درويش البلوشي في العمل الشرطي قبل 32 عاماً، وكانت أول عضو هيئة تدريس نسائي في شرطة دبي، في محطة عكست اتساع حضور المرأة الإماراتية في المجالات الأكاديمية والتخصصية داخل المؤسسة الشرطية.

وبدأت البلوشي مسيرتها بعد تخرجها في جامعة الإمارات والتحاقها بإحدى الدورات العسكرية الأساسية، حيث حققت المركز الثاني على دفعتها، قبل أن تعمل في أكاديمية شرطة دبي وتتدرج في مسيرتها المهنية والأكاديمية وصولاً إلى رتبة عقيد ودرجة أستاذ مشارك.

وأوضحت أن النظرة إلى دور المرأة في العمل الشرطي شهدت تحولاً كبيراً، إذ لم يعد وجودها مرتبطاً بالحاجة إلى عنصر نسائي لشغل وظائف محددة، وإنما أصبحت الكفاءة هي المعيار.

لافتة إلى أن فرص التطوير والتعليم التي أتيحت لها مكنتها من استكمال دراستها والحصول على الماجستير والدكتوراه إلى جانب مسيرتها الشرطية. وحصدت البلوشي خلال مسيرتها عدداً من الجوائز. واستمر حضور المرأة الإماراتية في الاتساع في العمل الشرطي.

حيث بدأت النقيب صبحة بشير مسيرتها في شرطة دبي عام 1994 برتبة رقيب أول، وكانت أولى محطاتها المهنية مدربة للسياقة في معهد شرطة دبي للسياقة لمدة 4 سنوات، قبل أن تتأهل للعمل فاحصة للسياقة في الإدارة العامة للمرور.

وقالت إن النظرة العامة إلى عمل المرأة في المجال العسكري والأمني كانت من أبرز التحديات التي واجهتها خلال تلك الفترة، باعتباره مجالاً ارتبط بصورة أكبر بالرجال، إلا أن ثقة القيادة بالمرأة الإماراتية وإيمانها بقدراتها شكلا حافزاً للاستمرار وإثبات الذات.

وأشارت إلى أنها شهدت خلال مسيرتها تحولاً كبيراً في حضور المرأة بشرطة دبي، إذ اتسعت مجالات عملها وفرص التأهيل والتدريب، وأصبحت الإماراتيات اليوم يتولين رتباً ومناصب قيادية وتخصصية.

وفي القطاع الصحي، سطرت الدكتورة فهيمة العوضي، أول امرأة إماراتية تحصل على درجة الدكتوراه في الصيدلة، مسيرة بدأت عام 1984، عندما سافرت إلى الولايات المتحدة لدراسة الصيدلة، في وقت لم يكن فيه سفر المرأة الإماراتية إلى الخارج من أجل الدراسة أمراً سهلاً، قبل أن تحصل على الدكتوراه عام 2006.

وقالت العوضي إن البعد عن الوطن والأسرة كان من أصعب جوانب التجربة، إذ كانت العودة لرؤية عائلتها تتطلب الانتظار عاماً كاملاً، إلا أن دعم أسرتها وإيمانها بقدرتها على النجاح منحاها الثقة للاستمرار في رحلة غيرت مسار حياتها.

ولا تنظر العوضي اليوم إلى الدكتوراه باعتبارها مجرد مؤهل علمي، بل تراها رمزاً للمثابرة ودعم العائلة والطموح والرغبة في رد الجميل للوطن، لافتة إلى أن تجربتها شجعت عدداً من زملائها وزميلاتها على مواصلة دراساتهم العليا.

وامتد أثر مسيرتها إلى العمل المؤسسي في القطاع الصحي، إذ شاركت مع اثنتين من زميلاتها عام 1997 في إطلاق فكرة برنامج التعليم الطبي المستمر في منطقة دبي الطبية بوزارة الصحة.

كما بادرت خلال توليها إدارة التموين والمستودعات الطبية المركزية إلى تطبيق نظام سلسلة التبريد للقاحات. وفي عام 2008، طرحت فكرة إنشاء مخزون استراتيجي للأدوية والمستلزمات الطبية، وتولت رئاسة اللجنة المعنية به.

وفي قطاع الطيران، خاضت الدكتورة المهندسة سعاد سلطان الشامسي، أول مهندسة طيران إماراتية، مساراً لم يكن مألوفاً للمرأة آنذاك، مدفوعة بشغف بالطيران وفضول لفهم كيفية عمل الطائرات وأنظمتها.

وقالت الشامسي إن محدودية وجود المرأة في هندسة الطيران لم تمنعها من اختيار التخصص، إذ لم تكن تبحث عن طريق سهل بقدر بحثها عن طريق يشبه طموحها.

لافتة إلى أنها لم تدخل المجال فقط لإثبات أن المرأة تستطيع، بل لإيمانها بأن المرأة الإماراتية تستحق أن تكون حاضرة في كل مجال تصنع فيه المعرفة والمستقبل، وحملها كونها من أوائل الإماراتيات في المجال مسؤولية إضافية.

إذ أدركت أن نجاحها قد يجعل الطريق أكثر سهولة لمن تأتي بعدها، وأن أي إنجاز تحققه قد يغير نظرة فتاة أو أسرة إلى عمل المرأة في المجالات الهندسية والتقنية، حيث لم تكن كلمة الأولى بالنسبة لها مجرد لقب، بل كانت أمانة.

وأوضحت أن أبرز التحديات تمثلت في العمل ضمن بيئة لم تكن معتادة على رؤية امرأة في قلب العمل الهندسي والفني، ما جعلها تشعر أحياناً بأنها مطالبة بإثبات نفسها بصورة أكبر، إلا أنها اختارت أن تجعل عملها ومعرفتها وانضباطها أدوات لإثبات حضورها.

وترى الشامسي أن المشهد تغير بصورة كبيرة منذ بداياتها، فبعد أن كان وجود الإماراتيات في بعض التخصصات الفنية والهندسية في الطيران نادراً، أصبحت المرأة الإماراتية اليوم حاضرة في الهندسة وقيادة الطائرات والبحث، والذكاء الاصطناعي، وإدارة المطارات والفضاء.

المجال البحري

ومن جانب آخر بدأت الكابتن سحر راستي رحلتها من وظيفة إدارية، إلا أن فضولها تجاه البحر والعمليات الملاحية دفعها إلى الخروج من خلف المكتب والتعرف بصورة أعمق إلى كيفية إدارة السفن واتخاذ القرارات في البحر، لتخوض مجالاً كان وجود المرأة الإماراتية فيه محدوداً. وقالت الكابتن سحر إن فكرة أن تكون «الأولى» لم تكن هدفها في البداية، بل أرادت أن تثبت لنفسها أنه لا يوجد مستحيل.

موضحة أن دخول مجال لم يكن وجود المرأة فيه مألوفاً شكل أحد أكبر تحدياتها، إذ قضت ساعات طويلة في البحر بين التدريب والتعلم ومواجهة المواقف الصعبة، معتبرة أن التحديات لا تتجاوز بالكلام، وإنما بالعمل والاستمرارية وإثبات الذات.

ومع تقدمها في مسيرتها، أدركت أن تجربتها قد تتجاوز حدود الإنجاز الشخصي، خصوصاً عندما بدأت تلتقي فتيات اخترن المجال البحري متأثرات بتجربتها، وقالت إن النجاح الحقيقي بالنسبة لها ليس أن تكون «الأولى» فقط، وإنما ألا تبقى الوحيدة، وأن يأتي بعدها جيل كامل.

وترى أن المرأة الإماراتية تجاوزت مرحلة إثبات قدرتها، وأن المرحلة المقبلة هي مرحلة التخصص والقيادة والاستمرارية والوصول إلى مواقع اتخاذ القرار.

لافتة إلى أن الفارق الذي تراه في الجيل الجديد يتجسد في طبيعة السؤال الذي تطرحه الشابات اليوم، حيث لم تعد الفتاة تسأل فقط: هل أستطيع دخول هذا المجال؟ بل أصبحت تسأل: كيف أتميز فيه؟ وكيف أصل إلى القيادة؟