صـداقــة لا تعرف المستحيل..التوعية تكسر الاختلاف بين القلوب الصغيرة

لا تُقاس الصداقة في عالم الطفولة بما يملكه الطفل، بل بما يجده في قلب الآخر من مساحة للقبول والمشاركة. وبين مقاعد المدرسة وساحات اللعب، تتشكل لدى أطفالنا مبكراً صورة المجتمع الذي سيكبرون فيه؛ مجتمع يرى الاختلاف جزءاً من التنوع، لا سبباً للابتعاد.

فالمشهد اليومي الصغير قد يكون أكثر تأثيراً من عشرات المحاضرات. يكفي الطفل أن يرى والده يتعامل مع أصحاب الهمم بصورة طبيعية، وأن يسمع والدته تتحدث عنهم باحترام.

وأن يشارك في مدرسته زميلاً من أصحاب الهمم المقعد واللعبة والمشروع، وأن يشاهد عبر هاتفه قصة نجاح تقدم الإنسان بما يملكه من حلم وقدرة، لا بوصفه حالة تستدعي الشفقة. هكذا تتشكل النظرة الأولى، وهكذا أيضاً قد تبدأ أولى الحواجز.

فبين طفل يتعلم أن يقترب وآخر يتردد، تقف الأسرة والمدرسة والمجتمع والعالم الرقمي بوصفها دوائر متداخلة تصنع الطريقة التي يفهم بها النشء الاختلاف ويتعاملون معه.

وهنا تبرز أهمية غرس قيم تقبّل الآخر والتعامل الإيجابي مع أصحاب الهمم والحالات الخاصة، ودور التربية الأسرية والتعليمية في ترسيخ ثقافة الاحترام والدعم بدلاً من الشفقة أو الإقصاء، وأثر هذه القيم في مساعدة أصحاب الهمم على الاندماج الفعلي في المجتمع وبناء علاقات إنسانية متوازنة، باعتبار التقبّل واجباً ومبدأ، لا مجرد سلوك عابر.

قضية تتجاوز مفهوم الدمج

في حديثهم لـ«البيان»، أكد مختصون في التربية وعلم النفس والتربية الخاصة والعمل مع أصحاب الهمم، أن القضية تتجاوز مفهوم الدمج بصورته التقليدية، فليس المطلوب أن نضع أصحاب الهمم داخل المساحات الموجودة فحسب، وإنما أن نصنع مساحات يشعر فيها الجميع بأنهم جزء أصيل من المجتمع، من دون أن يسبقهم وصف أو تصنيف.

وفي قلب هذه الصورة تبرز تجارب إنسانية ملهمة، من بينها تجربة ملهم درويش والطفلة ميليا حسن، لتنتقل بالقضية من سؤال «ما الذي ينقص الإنسان؟» إلى سؤال أكثر عدلاً: «ما الذي يستطيع أن يقدمه؟».

النظرة تسبق الكلمات

أحمد سعيد
أحمد سعيد

ويرى الدكتور أحمد سعيد، المرشد التربوي والاستشاري النفسي للأطفال، أن التربية على التقبّل تبدأ في عمر مبكر، لأن الطفل يراقب ردود أفعال الكبار ويخزنها قبل أن يمتلك القدرة على تفسيرها.

فإذا شاهد ارتباكاً أمام شخص يختلف عنه قد يتعلم الارتباك، وإذا سمع عبارات تحمل شفقة مفرطة قد يربط الاختلاف بالضعف، أما عندما يرى تعاملاً طبيعياً قائماً على الاحترام فإنه يتعلم أن اختلاف القدرات جزء طبيعي من الحياة.

ويؤكد أن مسؤولية الأسرة لا تتمثل في تقديم محاضرات مطولة، بل في تحويل السلوك اليومي إلى رسالة تربوية؛ فالطريقة التي يتحدث بها الوالدان، وكيفية تقديم المساعدة، وإجاباتهما عن أسئلة الطفل العفوية، كلها تفاصيل صغيرة تبني بمرور الوقت قاموسه الاجتماعي ونظرته إلى الآخرين.

لا تمنعوا السؤال

مريم النعيمي
مريم النعيمي

وتشير مريم القصير النعيمي، المستشارة النفسية والتربوية، إلى أن بعض الأسر تتعامل مع فضول الطفل تجاه الاختلاف بالخوف من الإحراج، فتسارع إلى إسكات السؤال أو تطلب منه ألا ينظر، بينما قد يرسل ذلك إليه رسالة غير مقصودة بأن ما أمامه أمر غريب أو موضوع ينبغي تجنبه.

وترى أن السؤال العفوي يمكن أن يتحول إلى فرصة تربوية إذا وجد الطفل إجابة بسيطة وهادئة تناسب عمره، تشرح له أن البشر يختلفون في أجسادهم وقدراتهم وطرق تواصلهم، لكنهم يتساوون في الكرامة والحق في الاحترام. فالمطلوب ليس قتل فضول الطفل، وإنما تهذيبه وتحويله من التحديق في الاختلاف إلى فهم الإنسان.

الاسم أولاً.. لا التشخيص

آمنه الشديفات
آمنه الشديفات

وتؤكد آمنة الشديفات، المتخصصة في التربية الخاصة، أن اللغة المستخدمة في تعريف الأطفال بأصحاب الهمم تلعب دوراً محورياً في بناء العلاقة معهم. فحين يبدأ التعريف بالحالة أو التشخيص يصبح الاختلاف العنوان الأول.

بينما يمكن أن تبدأ المعرفة بالاسم والشخصية والهوايات والاهتمامات وما يجمع الطفل بزميله. قد يحب الاثنان الرسم، أو يشجعان الفريق نفسه، أو يفضلان اللعبة ذاتها، أو يضحكان للموقف نفسه. ومن هذه التفاصيل البسيطة تنتقل العلاقة من التصنيف إلى المعرفة، ومن مراقبة المختلف إلى اكتشاف المشترك.

منار غانم
منار غانم

وتوضح منار عبد السلام توفيق غانم، الحاصلة على درجة الماجستير في التربية الخاصة، أن نجاح الدمج المدرسي لا يقاس بمجرد وجود الطالب من أصحاب الهمم داخل الصف.

فقد يكون موجوداً في المكان لكنه بعيد عن المجموعة، وقد يحضر الحصة ولا يشارك في الصداقة، وقد يذهب إلى المدرسة يومياً من دون أن يشعر بأنه جزء حقيقي من مجتمعها.

وترى أن الاختبار الفعلي للدمج يظهر خارج حدود المقعد الدراسي، في الأنشطة والمشروعات والرحلات واللعب والعمل الجماعي، وفي قدرة المدرسة على منح كل طالب دوراً حقيقياً ومسؤولية وفرصة للتعبير والمبادرة. فالدمج لا يعني أن يكون للطالب مكان في الصف فقط، بل أن يكون له مكان في ذاكرة زملائه وصداقاتهم وتجاربهم.

الملعب يكسر الصورة المسبقة

لؤي النقبي
لؤي النقبي

ويؤكد الدكتور لؤي سعيد علّاي النقبي، نائب رئيس مجلس الإدارة بنادي خورفكان للمعاقين، أن الرياضة تمتلك قدرة خاصة على إعادة تشكيل الصورة الاجتماعية لأصحاب الهمم. فالملعب لا يتعامل مع اللاعب وفق الصورة التي رسمها الآخرون عنه، وإنما يضع أمامه هدفاً وتحدياً وفرصة لإثبات قدرته.

ومن خلال التدريب والمنافسة والعمل الجماعي يكتشف الفرد إمكاناته، بينما يراه الآخرون من زاوية الأداء والإرادة والمثابرة. ويشير إلى أن الأندية يمكنها أداء دور اجتماعي يتجاوز النشاط الرياضي عندما تفتح مساحات اللقاء والمشاركة بين الأطفال والشباب، بما يسمح بتكوين علاقات طبيعية لا تبدأ من التصنيف ولا تنتهي عنده.

الشفقة قد تصنع حاجزاً خفياً

ومن أبرز القضايا التي يتوقف عندها المختصون ضرورة الفصل بين الدعم والشفقة، فالنية الطيبة لا تضمن دائماً نتيجة جيدة. قد نساعد شخصاً قبل أن يطلب المساعدة، أو نقرر عنه قبل أن نسمع رأيه، أو نستبعده من تجربة خوفاً عليه، أو ننجز المهمة نيابة عنه لأنها تبدو لنا أصعب بالنسبة إليه. هذه الممارسات قد تبدو رحيمة، لكنها تحمل أحياناً رسالة غير معلنة مفادها: «أنت لا تستطيع».

وأما الدعم الحقيقي فيبدأ من سؤال الإنسان عما يحتاج إليه، ومنحه فرصة المحاولة والاستقلال، والوجود إلى جواره عندما يطلب المساندة.

غادة محمد أبوزيد
غادة محمد أبوزيد

وتؤكد الدكتورة غادة محمد أبو زيد، المتخصصة في التربية الوالدية والحماية الرقمية، أن الأسرة لم تعد الطرف الوحيد الذي يشكل وعي الطفل.

فالهاتف والمنصات الرقمية أصبحا نافذة يومية يتعرف من خلالها النشء إلى المجتمع. ويمكن للشاشة أن تكون أداة قوية لنشر التقبّل عندما تمنح أصحاب الهمم فرصة التعبير عن أنفسهم وإظهار مواهبهم وتجاربهم، لكنها قد تتحول في المقابل إلى مساحة للسخرية والتنمر وإعادة إنتاج الصور النمطية.

ومن هنا فإن التربية الرقمية لا ينبغي أن تتوقف عند عدد ساعات استخدام الأجهزة، بل يجب أن تمتد إلى مناقشة ما يشاهده الطفل، وتعليمه الفرق بين المزاح والإهانة، وبين الاهتمام والاستغلال، وبين تقديم قصة إنسانية باحترام وتحويل اختلاف صاحبها إلى مادة لجذب المشاهدات.

من يحتاج إلى الدمج؟

وربما يكون السؤال الذي يستحق إعادة الصياغة هو: هل المشكلة في قدرة أصحاب الهمم على الاندماج، أم في قدرة المجتمع على إزالة الحواجز أمامهم؟ فالطفل لا يحتاج دائماً إلى تغيير نفسه حتى يجد مكاناً بين الآخرين.

قد تكون المدرسة هي التي تحتاج إلى تغيير طريقة النشاط، وقد يحتاج المكان إلى أن يصبح أكثر سهولة، وقد تحتاج الأسرة إلى منح ابنها مساحة أوسع للاستقلال، وقد يكون المجتمع هو الطرف الذي يحتاج إلى التخلص من حكم مسبق. وبذلك ينتقل مفهوم الدمج من مطالبة الفرد بالتكيف مع المكان إلى مطالبة المكان نفسه بأن يتسع للجميع.

حين لا يعود الدمج خبراً

ربما تكون أكثر صور الدمج نجاحاً هي تلك التي تمر بصورة طبيعية ولا تثير الدهشة. حين يلعب طفل من أصحاب الهمم مع زملائه فلا يبدو الأمر استثنائياً، وحين يشارك طالب في مشروع مدرسي فلا يُقدَّم بوصفه حالة.

وحين يظهر ملهم درويش أو ميليا حسن أمام الناس فيصبح السؤال عما يقدمانه لا عن اختلافهما. عندها فقط يتحول تقبّل الآخر من شعار تربوي إلى ممارسة يومية، تبدأ من أب وأم ينتبهان إلى كلماتهما.

ومن معلم يصنع مساحة للجميع، ومن نادٍ يفتح أبوابه للمشاركة، ومن شاشة تقدم الإنسان بكرامة، ومن مجتمع يتوقف عن سؤال أصحاب الهمم إن كانوا قادرين على الاندماج، ويبدأ بسؤال نفسه:

هل أزلنا فعلاً ما يمنعهم من المشاركة؟ لأن أصعب الحواجز قد لا يكون في الجسد أو القدرة، بل في نظرة تسبق الإنسان قبل أن تمنحه فرصة أن يعرّف بنفسه.

ميليا حسن.. دعوها تقدم نفسها

تقدم الطفلة ميليا حسن، من ذوي متلازمة داون وصانعة محتوى، نموذجاً مختلفاً للحضور، فهي تصل إلى الناس من خلال شخصيتها وما تقدمه وصوتها وقدرتها على صناعة محتوى يمنح الآخرين فرصة للتعرف إليها كما هي.

ميليا، دخلت مجال صناعة المحتوى لتكون ملهمة للأطفال الذين يشبهونها ولكل الأطفال والشباب الذين يواجهون تحديات في الحياة ويحتاجون إلى من يساعدهم على التفكير بطريقة إيجابية للتغلب على أي مشاكل وصعوبات، ميليا تدرك معنى أن يكون الإنسان مختلفاً.

لكنها تعرف أيضاً كيف تصنع من هذا الاختلاف ميزة وكيف تصنع لنفسها مكاناً في المجتمع وفي الحياة، صارت نموذجاً للإلهام ولإيجابية الدمج في التعليم.

وتحمل تجربتها رسالة مهمة للأسر مفادها أن منح الطفل الثقة والمساحة والدعم المناسب يمكن أن ينقله من شخص يتحدث الآخرون عنه إلى شخص يتحدث بنفسه ويقدم نفسه إلى المجتمع بالطريقة التي يريدها.

كما تقدم ميليا للأطفال صورة تتجاوز القوالب النمطية؛ طفلة لها حضور وصوت وشخصية وطموح، وهنا تحديداً تبدأ الصورة القديمة في الانكسار.

ميليا حازت العديد من التكريمات، تقديراً لمسيرتها الملهمة، وشجاعتها، وتأثيرها الإنساني العميق، ودورها في تعزيز ثقافة التقبّل، والقوة، والإصرار في عالم المحتوى العربي. قد تختلف تجربة ملهم عن ميليا في العمر والتفاصيل والظروف، لكنهما تلتقيان عند رسالة واحدة: لا تختصروا الإنسان في حالته.

ملهم درويش.. الإنسان أكبر من التحدي

يقال إن لكل إنسان من اسمه نصيباً، ملهم درويش كان ملهماً لأبناء جيله، الشاب ابن الـ 28 عاماً تخرّج بتفوّق في اختصاص طب الأسنان، التعويضات السنية، وانتقل من سوريا إلى دولة الإمارات لوحده، حاملاً حلمه ببناء مستقبل أفضل.

ملهم واجه تحديات كثيرة، أبرزها نظرة الشفقة بدل الثقة، لكنه اختار أن يثبت نفسه بالفعل، من خلال مشاركته في عدد من المبادرات التطوعية داخل دولة الإمارات، حيث حقق أكثر من 500 ساعة تطوعية، واليوم يحمل ملهم رسالة ملهمة للشباب: «تمكسوا بأفكاركم الإيجابية».

تجربة ملهم درويش تقدم نموذجاً قادراً على تغيير الصورة المسبقة عن أصحاب الهمم، إذ لا تكمن قيمة التجربة في التحديات وحدها، بل في الرسالة التي تحملها:

الإنسان لا ينبغي أن يُعرّف بما يواجهه فقط، وإنما بما يستطيع أن يصنعه رغم ما يواجهه. وتمنح مثل هذه النماذج الأطفال والأسر فرصة لرؤية صاحب الهمة خارج صورة الشخص الذي ينتظر من الآخرين أن يمنحوه مساحة، إلى إنسان قادر على صناعة حضوره والتعبير عن ذاته والتأثير في محيطه.

وهنا تصبح التجربة أقوى من المحاضرة، لأن الطفل حين يرى نموذجاً حقيقياً يملك الطموح والشخصية والقدرة، يدرك بصورة تلقائية أن الاختلاف لا يكتب نهاية الحكاية، وأن التحدي لا يلغي الحلم، وأن الإنسان أكبر من أي وصف يسبق اسمه. ملهم هو الإلهام، ورسالة صادقة بأن الإرادة والعمل الجاد قادران على صنع الفرق مهما كانت الظروف.