وتالياً نص الحوار:
ما الركائز الأساسية التي تقوم عليها فلسفة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في القيادة؟
كان السؤال الذي يشغلني سؤالاً سمعته مراراً خلال سنوات عملي وتدريسي واستشاراتي في دول مختلفة، كيف استطاعت دبي أن تحقق كل هذا خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً؟ وخلصت إلى أن جزءاً كبيراً من الإجابة لا يكمن في أسلوب القيادة والإدارة والتنفيذ..
فلكي نفهم دبي، علينا أولاً أن نفهم القائد الذي تصورها وقاد مسيرتها.. وهذا جوهر الكتاب: لكي نفهم دبي، علينا أولاً أن نفهم القائد الذي تصورها وبناها. ويمكنني تلخيص فلسفة سموه القيادية في 8 ركائز مترابطة وهي:
رؤية كبيرة وواضحة، طموح لا يقبل بالمركز الثاني، سرعة في اتخاذ القرار والتنفيذ، تركيز شديد على النتائج، جرأة محسوبة في المخاطرة، إيمان بالإنسان والمواهب، انفتاح دائم على الأفكار الجديدة، وعدم القبول بأن النجاح الحالي ضمان للنجاح في المستقبل.
وما يميز هذه المدرسة أنها تجمع بين الرؤية والتنفيذ، فالرؤية ليست وثيقة تُحفظ على الرفوف، بل هي التزام يومي يترجم إلى إنجازات. لذلك تناولت في الكتاب فصولاً لمبادئ مثل:
«لا تقبل إلا بالرقم واحد»، «اصنع مستقبلك»، «تصرف بسرعة»، «باشر بالمجازفة»، «الإنجاز يتفوق على كل شيء»، و«خذ بالنتائج وليس بالتقارير».
وأحد أهم الأشياء التي تعلمتها شخصياً من هذه المدرسة أن القائد لا ينتظر المستقبل، بل يصنعه، وإذا واجه إخفاقاً يتعلم منه ويتقدم، وإذا احتاج إلى التغيير نفذه بسرعة مع الحفاظ على وضوح الهدف، وأرى أن معادلة سموه القيادية يمكن تلخيصها في 5 كلمات: رؤية، جرأة، سرعة، إنسان، إنجاز، وإذا غاب عنصر منها، لا تكتمل المعادلة.
يؤكد سموه دائماً أن «صناعة القادة» أهم من صناعة المؤسسات، كيف تُترجَم هذه الفلسفة عملياً في بناء أجيال متعاقبة من القيادات؟
وتناولت هذه الفكرة في فصل «طوّق نفسك بالقادة الأقوياء» من الكتاب. ومن القصص اللافتة في الكتاب أن مجموعة من موظفي الحكومة زاروا سموه، وعندما تم تقديمهم باعتبارهم «موظفين»، أعاد تعريفهم بأنهم قادة ومصدر للأفكار الجديدة.
فهذه ليست مسألة لغوية، بل فلسفة إدارية تمنح الإنسان مسؤولية وطموحاً أوسع، وفي الكتاب أتحدث عن توجه سموه لبناء «موهبة المستقبل» ونظام للتعاقب القيادي في دبي، حيث قمنا بدراسة نماذج عالمية في إعداد القادة، من تجربة سنغافورة إلى القطاع الخاص ومراكز القيادة العالمية.
ومن هذه الرحلة ولد «برنامج محمد بن راشد لإعداد القادة» عام 2003، والذي تخرج منه لاحقاً عدد من الوزراء وكبار القيادات. لكن الأهم من البرنامج هو الفلسفة التي تقف خلفه، إذ لا يقتصر السؤال على: من يقود اليوم؟ بل يمتد إلى: من سيقود غداً؟ ومن بعده؟
لذلك يؤكد الكتاب أهمية إعداد الصفين الثاني والثالث من القيادات، لأن المؤسسة تضمن استمراريتها حين تمتلك طبقات من القادة القادرين على التفكير واتخاذ القرار، وأقول دائماً إن الاختبار الحقيقي للقائد لا يقتصر على ما أنجزه، بل على عدد القادة الذين صنعهم، فالقائد الناجح يصنع أتباعاً، أما القائد العظيم فيصنع قادة.
ما أهمية اختيار القائد لأقرب الأشخاص المحيطين به، وما المعايير التي تميز الفريق القيادي الناجح في مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم؟
ويفضلون أشخاصاً يوافقونهم باستمرار، ولا يناقشونهم ولا يتحدون أفكارهم. وهذا قد يكون مريحاً للقائد، لكنه خطير جداً على المؤسسة. وفي «الشيخ التنفيذي» أؤكد على درس معاكس تماماً، لا تحط نفسك بنسخ منك، فالفريق العظيم يحتاج إلى الجدارة، والتنوع، والاختلاف في الخبرات وطرق التفكير.
ويجب أن يتجنب ما يسمى بـ«التفكير الجماعي»، أي أن يتحول المحيطون بالقائد إلى مجموعة تقول له دائماً ما يحب سماعه، ومن هنا أرى أن الفريق القيادي في مدرسة سموه يقوم على معايير: الكفاءة، والجرأة، والولاء للرؤية لا للأشخاص، والقدرة على الإنجاز، والقدرة على صناعة قادة آخرين. ويضاف إلى ذلك عنصر مهم جداً:
التنافس الإيجابي.. أتحدث في الكتاب عن مفهوم «ثلاثة أحصنة في السباق»، أي خلق قدر من المنافسة بين الفرق والأفكار لدفع الجميع لتقديم أفضل ما لديهم، لكن الهدف ليس صناعة رابح وخاسر، بل الوصول إلى أفضل فكرة وأفضل نتيجة، وفي كثير من الأحيان تكون النتيجة مزيجاً من أفضل ما قدمته الفرق المختلفة.
ما أبرز السمات التي تميز مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد القيادية والإدارية، وكيف أسهمت في بناء حكومة تتميز بالمرونة والابتكار وسرعة الإنجاز؟
كيف رسّخ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ثقافة التمكين والثقة وتفويض الصلاحيات، وما أثر ذلك في إعداد قيادات قادرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية؟
فينتظر الجميع موافقته، وتتحول المؤسسة إلى عنق زجاجة كبير.. وقد يعمل هذا النموذج في مؤسسة صغيرة وفي عالم بطيء، لكنه لا يصلح لإدارة حكومة أو مدينة في القرن الحادي والعشرين.
في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، ما الدروس القيادية والإدارية التي يمكن أن تستفيد منها الحكومات والمؤسسات من تجربة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في استشراف المستقبل وإدارة التغيير؟
ومدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مختلفة؛ فالتفكير بالمستقبل يدخل في الاقتصاد، والمواهب، والتكنولوجيا، والخدمات، والبنية التحتية، والتعليم، وحتى تصميم الحكومة نفسها..
وفي الكتاب هناك عبارة تختصر الفكرة: «واكب التغيير أو سيتم تغييرك».. والأهم أن التغيير عند صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ليس ردة فعل. الفكرة هي أن نتغير إلى الأمام، لا أن ننتظر حتى يفرض علينا الواقع التغيير.
والدرس الثاني هو صناعة المستقبل بدلاً من التنبؤ به. لا يكفي أن نسأل: ماذا سيحدث؟ السؤال القيادي الأقوى هو: ماذا نريد أن يحدث، وما الذي يجب أن نفعله اليوم لصناعته؟
إذا أردنا تلخيص الإرث القيادي في مدرسة سموه القيادية للأجيال القادمة، فما أهم المبادئ التي ينبغي أن يتبناها كل قائد يسعى إلى بناء مؤسسات مستدامة وصناعة قادة للمستقبل؟
تصرف بسرعة، ركز على النتائج، لا تخف من المخاطرة المدروسة، تعلم من الفشل ولكن لا تكرر الخطأ، وأحط نفسك بأشخاص أقوى منك في مجالاتهم. واصنع قادة لا أتباعاً، فوّض وثق ثم حاسب، واستمع أكثر مما تتحدث، أبقِ بابك وعقلك مفتوحين، ولا تعتقد أبداً أن عملك قد اكتمل.
الموهبة والابتكار وجهان لعملة واحدة
قال الدكتور يسار جرار إن الابتكار من أكثر الكلمات استخداماً وأقلها تطبيقاً في المؤسسات، ولهذا خصصت في «الشيخ التنفيذي» جزءاً أساسياً لفكرة «الابتكار أو الاندثار». وفي تجربة سموه، الابتكار ليس فعالية سنوية أو جلسة عصف ذهني، بل منظومة إدارية.
ولتحويل «الابتكار أو الاندثار» إلى ممارسة يومية، نحتاج إلى العمل على 3 مستويات. وعلى مستوى الفرد، يجب أن يصبح التعلم عادة مستمرة، وأن يسأل كل شخص نفسه: ماذا تعلمت اليوم؟
وكيف أؤدي عملي بشكل أفضل غداً؟ كما ينبغي للقائد أن يتقبل النقد ويبحث عن فرص التطوير. وعلى مستوى المؤسسة: لا بد من توفير مساحة آمنة للأفكار والتجربة.
فالموظف لن يبتكر إذا خشي أن تؤثر التجارب غير الناجحة على مستقبله المهني. لذلك أتحدث في الكتاب عن «الفشل الآمن»: التعلم من التجربة دون تكرار الخطأ نفسه. أما على مستوى المجتمع والحكومة: فيجب أن يكون الابتكار جزءاً من منظومة التنافسية الوطنية عبر التشريعات، والتعليم، وريادة الأعمال، وجذب المواهب.
