«البيان» ترصد تحديات الصيادين ومقترحاتهم للحفاظ على المهنة
لم تكن مهنة الصيد في الإمارات يوماً مجرد حرفة لكسب الرزق، بل كانت جزءاً أصيلاً من هوية المجتمع وذاكرة البحر التي تناقلتها الأجيال جيلاً بعد آخر، فعلى امتداد السواحل، تعلّم الأبناء من آبائهم وأجدادهم أسرار البحر ومواسمه وخفايا المهنة التي شكلت لعقود طويلة، ولا تزال، أحد مصادر الدخل للأسر وعنصراً أساسياً في منظومة الأمن الغذائي.
أرشيفية
المهنة تحتاج إلى تشديد الرقابة على ممارستها
ومن قلب تلك العلاقة القديمة بالبحر، كانت مجالس الصيادين تمثل مدرسة مفتوحة للأبناء، حيث يجلس الأطفال والشباب لساعات طويلة يستمعون إلى قصص البحر ويتعلمون خبراته وأسراره.
إلا أن هذا المشهد تغير كثيراً اليوم، بعدما بات حضور تلك المجالس مقتصراً على كبار المواطنين وعدد قليل من الشباب الذين تجاوزت أعمارهم الثلاثين عاماً، فيما غابت الأجيال الصغيرة عن المشهد، في صورة تنذر بعزوف تام باتت تواجهه المهنة.
المردود المادي
وخلال زيارة «البيان» إلى جمعية الصيادين في دبي، لم يُخفِ الصيادون عتبهم على أبناء الجيل الجديد الذين اختاروا الابتعاد عن البحر والتوجه إلى وظائف أكثر راحة ودخلاً، لكنهم في الوقت ذاته، أبدوا تفهماً لطموحات الشباب وتغير أولويات الحياة، مؤكدين أن القضية لا ترتبط بالمردود المادي وحده.
فالصيادون في دبي يحظون بدعم سخي من القيادة الرشيدة، عبر مبالغ مالية ومبادرات تحفزهم على الاستمرار في ممارسة المهنة والحفاظ عليها، إلى جانب المتابعة المستمرة لاحتياجاتهم والاستماع إلى مطالبهم، فضلاً عن التقدير الكبير الذي يحظون به باعتبارهم حماة أحد أبرز الموروثات الإماراتية.
ورغم أن الحديث مع الصيادين بدأ حول عزوف الأبناء عن مهنة الصيد، إلا أن النقاش كشف سريعاً عن واقعٍ أعمق يتمثل في التحديات المتزايدة التي تواجه هذه المهنة العريقة.
حيث أشار الصيادون إلى أن معالجة هذه العقبات تمثل المفتاح الحقيقي لإعادة الأبناء إلى البحر وربطهم بمهنة الآباء والأجداد، وفي مقدمة هذه التحديات تبرز المنافسة غير المنظمة الناتجة عن الصيد العشوائي من قبل قوارب النزهة والرحلات السياحية، وما تسببه من تأثير مباشر على أرزاق الصيادين واستدامة الثروة البحرية.
واكتظاظ موانئ الصيد بالدراجات المائية والقوارب التجارية، إلى جانب الحاجة إلى إطلاق مبادرات وبرامج مجتمعية تشجع الأبناء على ممارسة الصيد حتى خلال أوقات الفراغ، بهدف الحفاظ على الخبرات البحرية المتوارثة وصون أحد أهم الموروثات الإماراتية التي ارتبطت بتاريخ وهوية المجتمع الإماراتي عبر الأجيال.
التوازن البيئي
وفي هذا السياق، قال محمد السويدي: إن قوارب النزهة وعمليات الصيد الجائر التي تقوم بها، إلى جانب استخدام بعض القوارب معدات صيد محظورة مثل الأسلحة المائية، تمثل تحدياً كبيراً يواجه الصيادين ويؤثر بشكل مباشر على الثروة السمكية واستدامتها.
مشيراً إلى أن قوارب الرحلات البحرية التابعة لبعض الشركات السياحية تمارس أيضاً أنشطة الصيد من دون مراعاة لمناطق الصيد التي ينشر فيها الصيادون مصائدهم، ما يتسبب في إتلافها والتأثير على أرزاق الصيادين المواطنين.
وأوضح أن بعض هذه القوارب تمارس الصيد بكميات كبيرة تتجاوز الحاجة الفعلية، الأمر الذي يساهم في استنزاف المخزون السمكي ويهدد التوازن البيئي البحري، خصوصاً مع غياب الالتزام بالممارسات المستدامة أو الضوابط المنظمة لعمليات الصيد الترفيهي والسياحي، مطالباً بتشديد الرقابة على قوارب النزهة والقوارب التابعة للشركات السياحية.
والتأكد من التزامها بمعدات الصيد المسموح بها وبمناطق الصيد المحددة، إلى جانب تقنين كميات الأسماك المسموح بصيدها بحيث لا تتجاوز 3 إلى 4 كيلوغرامات للشخص الواحد، ورفع قيمة المخالفات بحق المتجاوزين.
كما اقترح أن تمنح تراخيص للقوارب السياحية للمواطنين، بما يسهم في تنظيم القطاع ودعم أبناء الدولة وتعزيز استفادتهم من الأنشطة البحرية المرتبطة بالسياحة والصيد، مؤكداً أن حماية الثروة السمكية مسؤولية جماعية للحفاظ على البحر ومهنة الصيد كموروث إماراتي أصيل للأجيال القادمة.
تحديات متزايدة
من جانبه، قال محمد بطي المهيري: إن الصيادين يواجهون تحديات متزايدة داخل موانئ الصيد المخصصة لهم، أبرزها ازدحام الموانئ بالقوارب السياحية والدراجات المائية التابعة للهواة، الأمر الذي يعيق حركة دخول وخروج قوارب الصيد، خصوصاً خلال أوقات الذروة، ويؤثر على سير العمل اليومي للصيادين وسلامة المعدات البحرية وينطبق ذلك على ممارسي الكاياك.
لأن ذلك قد ينشأ عنه حوادث بليغة يتضرر منها الصياد والهواة، مشيراً إلى أن توسع الأنشطة الترفيهية والسياحية داخل الموانئ بات يفرض ضغطاً متزايداً على الصيادين، ما يستدعي تخصيص مسارات ومواقف مستقلة للقوارب السياحية والدراجات المائية بعيداً عن مرافق الصيد، حفاظاً على انسيابية الحركة وتنظيم العمل داخل الميناء، وكذلك تحديد النقاط التي يجب أن لا يتم تجاوزها في البحر لتجنب الحوادث مع قوارب الصيد.
وأشار إلى أن الصيادين يواجهون تحدياً من قلة المخازن المخصصة لحفظ معدات الصيد، إلى جانب نقص الغرف والخدمات المهيأة للعمالة البحرية، مطالباً بتطوير البنية التحتية للموانئ وتوفير مرافق مجهزة تتناسب مع احتياجات العاملين في القطاع.
مشدداً على أهمية إبقاء إدارة الموانئ بيد الصيادين أو الجهات المرتبطة بالمهنة أو مشاركتهم في العملية التطويرية لضمان عدم تأثرهم بنمو القطاعات الأخرى على حساب نشاط الصيد التقليدي.
ودعا إلى إنشاء أسواق أسماك مصغرة في المناطق الداخلية من الإمارة تخصص للصيادين المواطنين، بما يسهم في تنويع منافذ البيع وتسهيل تسويق الأسماك وعدم حصرها في سوق واحد، الأمر الذي يعزز دخل الصيادين ويوفر فرصاً للأبناء للمشاركة في عمليات البيع والتسويق، بما يشجعهم على الارتباط بالمهنة واستمرارها مستقبلاً.
بدوره، يرى جاسم خليفة الطويلة أن دعم الصيادين يجب أن ينتقل من المبادرات العامة إلى منظومة أكثر تنظيماً وعدالة، تقودها وزارة التغير المناخي والبيئة باعتبارها الجهة المسؤولة عن ملف الصيادين، بحيث تراعي هذه المبادرات حجم مساهمة كل صياد في تعزيز الأمن الغذائي ورفد الأسواق المحلية بالأسماك.
مشيراً إلى أن الصيادين بحاجة إلى دعم مباشر يشمل بطاقات وقود، ومعدات صيد، ومحركات بحرية، بما يخفف عنهم الأعباء التشغيلية المتزايدة ويضمن استمرارهم في ممارسة المهنة.
قاعدة بيانات
واقترح إنشاء قاعدة بيانات دقيقة للصيادين، ترصد من خلالها الكميات التي يوردها كل صياد إلى الأسواق بشكل يومي أو شبه يومي، بحيث تكون الأولوية في الدعم للصيادين الفاعلين والملتزمين الذين يساهمون فعلياً في توفير الأسماك للمستهلكين، معتبراً أن هذا النوع من التنظيم يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، ويحفز الصيادين على الاستمرار والإنتاج.
كما شدد على أهمية توفير ورش متخصصة لإصلاح معدات الصيد والمحركات داخل موانئ الصيد، بما يقلل من فترات توقف القوارب ويخفف كلفة الصيانة على الصيادين، مؤكداً أن تطوير خدمات الموانئ والدعم الفني المباشر يمثلان عاملاً أساسياً لاستدامة المهنة وحماية حضور الصياد المواطن في هذا القطاع الحيوي.
وفيما يتعلق بعزوف الأبناء عن مهنة الصيد، قال عبدالله غريب السويدي: إن كثيراً من الصيادين حرصوا عبر السنوات على توريث المهنة لأبنائهم، باعتبارها جزءاً من الهوية البحرية والموروث الاجتماعي المرتبط بتاريخ الإمارات.
إلا أن التحولات التي شهدتها الحياة الحديثة وتغير أنماط المعيشة وتوسع الفرص الوظيفية دفعت غالبية الشباب إلى التوجه نحو الوظائف الحكومية والخاصة بحثاً عن الاستقرار والدخل الثابت ومستقبل مهني أكثر وضوحاً.
معرفة بحرية
وأوضح أن الصيادين يتفهمون هذا التوجه، بل ويحرصون في المقام الأول على أن يحظى أبناؤهم بأفضل الفرص التعليمية والوظيفية، إلا أن ذلك لا يلغي أهمية الحفاظ على مهنة الصيد ونقل خبراتها المتراكمة إلى الأجيال الجديدة.
مؤكداً أن هذه المهنة لا تقوم فقط على العمل اليومي في البحر، بل تحمل إرثاً من المعرفة البحرية والأسرار والخبرات التي تناقلها الآباء والأجداد لعقود طويلة، وهو ما يجعل الحفاظ عليها مسؤولية وطنية ومجتمعية، خصوصاً في ظل المخاوف من تراجع حضور الصياد المواطن وترك المهنة بالكامل للعمالة الوافدة.
وطالب بإطلاق مبادرات مجتمعية نوعية، على غرار المبادرات التي تتميز بها دولة الإمارات بشكل عام ودبي بشكل خاص، تستهدف إعادة الأبناء إلى البحر وتحفزهم على ممارسة الصيد حتى خلال أوقات الفراغ والإجازات، بما يعزز ارتباطهم بالمهنة منذ الصغر ويمنحهم فرصة اكتساب مهاراتها تدريجياً.
كما دعا إلى توفير برامج دعم مالي ثابت أو حوافز مشابهة لبعض القطاعات الأخرى، لتشجيع الشباب الراغبين في دخول المهنة والاستمرار فيها، وتحويلها مستقبلاً إلى نشاط مستدام يمارسه الأبناء حتى بعد التقاعد، بما يضمن بقاء مهنة الصيد حاضرة كجزء أصيل من الهوية الإماراتية وتراثها البحري.
الشباب اختاروا الابتعاد عن البحر والتوجه إلى وظائف أكثر راحة ودخلاً
صيادو دبي يحظون بدعم سخي من القيادة الرشيدة ومتابعة مستمرة لاحتياجاتهم
المنافسة غير المنظمة الناتجة عن الصيد العشوائي أبرز العقبات أمام المهنة
ضرورة إطلاق مبادرات وبرامج مجتمعية تشجع الأبناء على ممارسة الصيد
التوصيات
• تشديد الرقابة على قوارب النزهة والتأكد من التزامها بمعدات الصيد المسموح بها وبمناطق الصيد
• تقنين الأسماك المسموح بصيدها لهذه القوارب بحيث لا تتجاوز 3 إلى 4 كيلوغرامات للشخص الواحد
• اقتصار منح تراخيص القوارب السياحية على المواطنين بما يسهم في تنظيم القطاع ودعم أبناء الدولة
• تخصيص مسارات ومواقف مستقلة للقوارب السياحية والدراجات المائية بعيداً عن مرافق الصيد
• تطوير البنية التحتية للموانئ وتوفير مرافق مجهزة تتناسب مع احتياجات العاملين في القطاع
• إنشاء أسواق أسماك مصغرة في المناطق الداخلية من الإمارة تخصص للصيادين المواطنين وأبنائهم