في وقت تتسارع فيه وتيرة استبدال الهواتف والأجهزة الإلكترونية مع التطور التقني المستمر، تتحول الأجهزة القديمة داخل كثير من المنازل إلى مقتنيات منسية في الأدراج والخزائن، يحتفظ بها البعض للذكريات أو خوفاً من تسريب البيانات، فيما يجهل آخرون وجود منافذ مخصصة لإعادة تدويرها.
وفي تحقيق أجرته «البيان»، تم تسليط الضوء على تعدد الأجهزة الإلكترونية التي يمتلكها الشخص الواحد، وقياس مدى وعي الأفراد بطرق التصرف بالأجهزة القديمة.
حيث إن العديد منهم لا يعلم مخاطر التخلص غير الآمن من النفايات الإلكترونية، فيما يلجأ آخرون إلى تكديس الأجهزة القديمة والاحتفاظ بها لسنوات دون معرفة الطرق الصحيحة للتخلص منها أو إعادة تدويرها.
وفي هذا السياق، قال أحمد فهد خميس، إنه يمتلك جهازين، بينما يتم تكديس الأجهزة الأخرى دون التصرف بها، ما يؤدي مع مرور الوقت إلى نسيانها أو ضياعها، لافتاً إلى أنه لم يكن على علم بوجود خدمات لإعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية أو بمخاطر التخلص منها بشكل غير صحيح، معرباً عن رغبته في معرفة أماكنها وآلية الاستفادة منها.
بدوره، قال أحمد محمود محمد، إنه يمتلك جهازي حاسوب وهاتفاً قديماً، موضحاً أنه يفضّل الاحتفاظ بالأجهزة القديمة أو منحها لمن هم بحاجة إليها، مشيراً إلى أنه يبدل أجهزته الإلكترونية كل 3 إلى 4 سنوات تقريباً، دون معرفة كافية بالمخاطر البيئية المرتبطة بالتخلص غير السليم من الأجهزة الإلكترونية القديمة.
وقال عبدالعزيز عيسى الفلاسي، إنه يحتفظ حالياً بـ4 هواتف قديمة، موضحاً أن بعض الأجهزة ما زال يحتفظ بها للذكرى، خاصة لاحتوائها على صور وبرامج قديمة مرتبطة بذكريات شخصية، حتى وإن كانت بعض الأجهزة لم تعد تعمل.
وأشار إلى أنه يغيّر هاتفه المحمول تقريباً كل سنتين، غالباً بسبب امتلاء مساحة التخزين، لافتاً إلى أنه يستخدم حالياً 3 أجهزة إلكترونية بشكل مستمر، مؤكداً أنه لم يسبق له إعادة تدوير أي جهاز إلكتروني لعدم علمه بوجود منافذ أو مراكز مخصصة لإعادة تدوير الأجهزة الإلكترونية.
وقال علي وليد إنه يمتلك 3 أجهزة إلكترونية، موضحاً أنه يبدل أجهزته كل 3 إلى 6 سنوات تقريباً، مشيراً إلى أنه لم يسبق له إعادة تدوير أي جهاز لعدم علمه بوجود منافذ مخصصة لإعادة التدوير.
وبينما يحتفظ البعض بالأجهزة القديمة لسنوات داخل المنازل دون استخدامها، تنتهي كثير من هذه الأجهزة في نهاية المطاف إلى التخلص منها بطرق عشوائية أو غير آمنة، ما يفتح الباب أمام آثار بيئية وصحية خطيرة تمتد إلى التربة والهواء والمياه الجوفية.
وفي هذا السياق، أكدت خديجة راشد العبدولي، محاضر معتمد في القيادة العامة للدفاع المدني بدبي، وممارس معتمد في الصحة والسلامة المهنية وإدارة المخاطر البيئية، أن التخلص غير الآمن من الأجهزة الإلكترونية يمثل «جناية بيئية» تفوق مخاطرها ما يتخيله كثيرون.
وأوضحت أن الضرر يبدأ من تسرب المعادن الثقيلة السامة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم إلى التربة والمياه الجوفية، ما يؤدي إلى تلوث السلسلة الغذائية بمواد مسرطنة ومؤثرة على الجهاز العصبي للإنسان.
كما حذّرت من أن إلقاء الأجهزة المحتوية على بطاريات الليثيوم ضمن النفايات العادية يحولها إلى «قنابل موقوتة»، بسبب احتمالية تسببها بحرائق كيميائية مفاجئة في مرادم النفايات، تنتج عنها أبخرة شديدة السمية يصعب السيطرة عليها.
وأضافت أن حرق النفايات الإلكترونية بطرق غير قانونية يؤدي إلى إطلاق مادة «الديوكسينات» الملوثة للهواء والمضرة بالغلاف الجوي، مشيرة إلى أن هدر هذه الأجهزة يعني أيضاً خسارة فرص استعادة معادن نادرة يتطلب استخراجها استنزافاً كبيراً للطاقة والموارد الطبيعية.
وبيّنت أن غياب إعادة التدوير لا يمثل فقط فقداناً للموارد، بل يعد شكلاً من أشكال التلوث المستدام الذي يهدد البيئة على المدى الطويل، مؤكدة أن التخلص الآمن من النفايات الإلكترونية يعد جزءاً من المسؤولية الوطنية لحماية البيئة وضمان سلامتها للأجيال القادمة.
وفي هذا السياق، دعت بلدية دبي الأفراد إلى التخلص الصحيح من أجهزتهم الإلكترونية القديمة عبر مراكز تجميع المواد القابلة للتدوير، كما أكدت أن هذه النفايات تحتوي على مواد خطرة مثل الرصاص والزئبق، وقد تؤدي، في حال عدم معالجتها بطرق سليمة، إلى تلوث التربة والمياه الجوفية، والإضرار بصحة الإنسان والسلاسل الغذائية.
وأشارت البلدية إلى أن تراكم الأجهزة التالفة والأسلاك والشاشات المكسورة في الأحياء والمناطق المفتوحة يشوّه المظهر الحضاري، ويؤثر سلباً في البيئة والصحة العامة، فضلاً عن جذب الحشرات والقوارض، والتسبب بآثار نفسية مرتبطة بالشعور بالإهمال وعدم الأمان.
وأوضحت أن أبرز التحديات التي تواجه قطاع إعادة تدوير النفايات الإلكترونية تتمثل في ضعف الوعي المجتمعي بأهمية فرز النفايات من المصدر رغم تنوع برامج التوعية والتثقيف التي تقدمها بلدية دبي، إلى جانب مخاوف الأفراد المتعلقة بأمان البيانات والمعلومات المخزنة على الأجهزة القديمة.
علماً بأن هناك مرافق معالجة معتمدة في إمارة دبي تقوم بعملية حذف وإتلاف البيانات الشخصية لضمان حماية الخصوصية قبل المعالجة.
وكشفت البلدية أن حجم النفايات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية التي جُمعت في إمارة دبي خلال الربع الأول من عام 2026 بلغ نحو 749 طناً، فيما جُمعت نحو 3,000 طن خلال عام 2024، مقارنة بـ2,900 طن في عام 2025، ما يعكس استقراراً نسبياً في الكميات خلال السنوات الأخيرة.
وأكدت أن جميع النفايات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية التي يتم جمعها في الإمارة تخضع للمعالجة وإعادة التدوير بنسبة %100، عبر منظومة تشمل 20 شركة معتمدة، و19 مرفق معالجة متخصصاً، إلى جانب توفير عدد 17 مركزاً مخصصاً لتجميع المواد القابلة للتدوير، موزعة بجميع أنحاء الإمارة، ومتاحة للجمهور على مدار الساعة، وصديقة لأصحاب الهمم.
وبيّنت البلدية أن عمليات جمع وفرز وإعادة تدوير النفايات الإلكترونية تمر بعدة مراحل، تبدأ بجمع الأجهزة عبر مراكز تجميع موزعة في الأماكن العامة، إضافة إلى خدمات مخصصة للجهات الحكومية والخاصة، ثم نقلها بواسطة مركبات مخصصة إلى مواقع الفرز والمعالجة.
اقتصاد دائري
وأوضحت أنه تم توفير حاويات منفصلة لكل نوع من النفايات ضمن مراكز تجميع المواد القابلة للتدوير، مثل الهواتف المتحركة، والأجهزة الكهربائية المنزلية، والبطاريات الجافة، والمصابيح المستهلكة، قبل إخضاعها لعمليات معالجة وإعادة تدوير تشمل الإتلاف الآمن للبيانات.
وتفكيك الأجهزة لاستخراج المعادن والمواد القابلة لإعادة الاستخدام مثل البلاستيك، وإعادة إدخالها ضمن سلاسل الإمداد في إطار الاقتصاد الدائري، إلى جانب معالجة المواد الخطرة بطرق آمنة بيئياً.
وأشارت إلى أن المنظومة تعتمد على شراكات تضم 20 شركة معتمدة لجمع ونقل وتجارة النفايات الإلكترونية، و19 مرفق معالجة متخصصاً، إضافة إلى برامج متنوعة لتعزيز الوعي والتثقيف استفادت منها 4 جهات حكومية وشبه حكومية، و23 مؤسسة تعليمية حكومية وخاصة، فضلاً عن مشاركة مختلف فئات المجتمع في برامج الجمع والتوعية.
كما نفذت البلدية برامج توعوية متعددة للتثقيف حول الطرق السليمة للتخلص من النفايات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية. وبلغ عدد البرامج التوعوية المنفذة خلال عام 2024 نحو 14 برنامجاً، تضمنت 37 محاضرة وورشة عمل.
واستفادت منها 24 مؤسسة تعليمية، و29 جهة حكومية وشركة خاصة، إلى جانب استهداف 1,815 مسكناً وتوعية 3,584 طالباً، كما نفذت مسابقة جمع النفايات الإلكترونية والأجهزة الكهربائية لفئة المؤسسات التعليمية الحكومية لتعزيز الاقتصاد الدائري والحد من الممارسات المشوهة للمظهر الحضاري.
وفي عام 2025، ارتفع عدد البرامج التوعوية إلى 17 برنامجاً، شملت 37 محاضرة وورشة عمل، واستفادت منها 23 مؤسسة تعليمية و4 جهات حكومية وخاصة، إلى جانب استهداف 163 منزلاً وتوعية 913 طالباً.
وأكدت بلدية دبي امتلاكها خطة مستقبلية لتوسيع عدد مراكز «واحة الاستدامة الذكية» في الإمارة وربطها بنظام مكافآت وحوافز لتكريم وتشجيع جميع فئات المجتمع للمشاركة وتقدير مساهمتهم القيمة بفرز النفايات من المصدر، إلى جانب توسيع الشراكات والاتفاقيات والاستثمار في مجالات جمع ونقل وتجارة وإعادة تدوير النفايات الإلكترونية.