لم توحِ بدايات سعيد على الإطلاق بنهاياته، طفل محبوب يملأ البيت حضوراً ومرحاً، متفوق دراسياً، نشأ وسط أسرة كبيرة، عاش سنواته الأولى محاطاً بالدفء، فكيف يغدو مدمن مخدرات؟
في شبابه، كان سعيد نموذجاً للشاب الاجتماعي الإيجابي، قريباً من الجميع، بل يمثل ملجأً نفسياً لبعض أصدقائه الذين سبقوه في هذه الدوامة.
وكان يؤدي دور الناصح، يرافق الأمهات القلقات، ويحاول إنقاذ من تورطوا في التعاطي، ولكن الطريق إلى «جهنم» مفروش بالنوايا الحسنة، فرغم ما رآه من فظائع الإدمان وكوارثه، وكيف يدمر حياة وروح من يسقط بين براثنه، لم يستطع سعيد أن يتجنب السقوط المدوي.
التحول الحقيقي جاء من خارج التوقعات، حادثة في عمر الـ 28، تبعتها عملية جراحية معقدة، فتحت باباً لم يكن يدرك خطورته، مسكنات قوية صُرفت له لمواجهة الألم الذي كان فوق قدرته على التحمل.
لكن الدواء تحول نظراً لسوء استعماله تدريجياً إلى مدخل خفي، يقول سعيد: «لم يكن لدي ما أهرب منه، لكنني أسأت استخدام الدواء، وتأثرت بمن حولي بعد أن كنت المؤثر، ما بدأ تعاطياً مرتبطاً بالألم، تحول إلى عادة، ثم إلى اعتماد كامل».
الجرعات لم تعد تكفي، والوعي بدأ يتلاشى أمام أوهام السيطرة، كان يردد لنفسه ما يقوله كثيرون: أنا أتحكم، لكنه كان في الحقيقة يوغل لا إرادياً وبمنتهى السرعة في سباق نهايته، وخلال سنوات، لم تعد الحبوب كافية، ففتح الباب على ما هو أخطر، حتى بلغ القاع.
ضيّع سعيد 16 عاماً من عمره هباء في دوائر الدخان والحبوب المخدرة وغير ذلك مما هو أخطر، يحاول الإقلاع عن ممارسة طقوس الموت، لكنه سرعان ما يعود إليها، كأن شيطاناً داخلياً يدفعه دفعاً إلى استنزاف نفسه.
خسر وظيفته، وهذه ليست الخسارة الأفدح، وبدد كل أمواله، وبات شخصاً انطوائياً بعد أن كان شبكة علاقات اجتماعية تمشي على قدمين، حتى وصل إلى النقطة الأكثر إيلاماً: خذلان والدته... وكانت تلك هي الخسارة التي لا يمكن تعويضها.
كان يأخذ منها المال دون أن تشك، ويكذب عليها ليمول إدمانه، يقول بمرارة: «إن الأخلاق تتآكل في عالم الإدمان، وإن الإنسان يفقد نفسه قبل أي شيء آخر».
في عام 2019، تلقى صدمة مدوية بالقبض عليه، لحظة الاتصال بوالدته من التوقيف كانت أكثر قسوة من السجن نفسه، حين قالت له بصوت مكسور: «أنت آخر من توقعت أن أسمع صوته من هنا». ورغم تجربة السجن، لم يكن التعافي حقيقياً، إذ سرعان ما عاد إلى التعاطي بعد خروجه، ليكتشف أن التوقف القسري لن يؤدي أبداً إلى التعافي.
بلغ اليأس ذروته حين ساءت علاقته بأسرته، وتحول من الابن المفضل إلى شخص منبوذ، ولم يعد يحتمل صورته في المرآة، ولا حياته التي اختزلت في البحث عن الجرعة. كان، كما يصف نفسه، «جسداً حياً بروح ميتة».
النجاة جاءت من نافذة غير متوقعة: لقاء تلفزيوني عن مركز «إرادة» للعلاج والتأهيل في دبي، وجد فيه أملاً، فلجأ إلى أسرته طالباً الدعم، قبل أن يبدأ رحلة التعافي داخل المركز.
هناك، وجد الاحتواء الذي افتقده، وبدأ من الصفر: إزالة السموم، ثم إعادة بناء النفس. كانت الأشهر الأولى الأصعب، إذ اضطر لإعادة تشكيل حياته بالكامل.
اليوم، يقف سعيد على الضفة الأخرى، متعافياً، يستعيد ذاته تدريجياً، ويخطط لمستقبل يتمنى ألا يشبه الماضي من قريب أو بعيد. ويقول سعيد الذي عاد إلى الدراسة الجامعية، ويبحث عن فرصة عمل، حاملاً رغبة صادقة في مساعدة الآخرين إنه لا يطلب من أسرته النسيان، بل يمنحهم الوقت، كما يمنح نفسه فرصة جديدة.
