تعود المجالس الإماراتية إلى الواجهة خلال شهر رمضان المبارك، بوصفها مساحة أصيلة للتلاقي والتشاور وتبادل الخبرات، ومختبراً حياً للقيم الاجتماعية التي تقوم عليها دولة الإمارات.
وفي ظل إطلاق سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، مبادرة «موسم الولفة»، تكتسب المجالس بعداً إضافياً يتجاوز اللقاءات التقليدية، لتتحول إلى منصات لتعزيز الترابط المجتمعي وترسيخ الهوية الوطنية، وغرس «السنع» الإماراتي في نفوس الأبناء، فضلاً عن تعزيز الأواصر المجتمعية.
وفي هذا السياق أطلقت هيئة تنمية المجتمع في دبي مبادرة «سوالف المجالس» خلال شهر رمضان المبارك وتأتي في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز الترابط المجتمعي وترسيخ قيم التواصل الأسري بين أفراد المجتمع.
وأوضحت الهيئة أن المبادرة تنظم كل يوم خميس في مجالس أحياء دبي بمناطق أم سقيم والخوانيج والراشدية وند الشبا، حيث تشكل هذه المجالس منصة مجتمعية للحوار المفتوح وتبادل الخبرات ومناقشة القضايا الاجتماعية التي تهم الأسر، بما يسهم في تعزيز روح التقارب والتلاحم بين أفراد المجتمع.
وأضافت الهيئة أن المبادرة تعكس حرص الهيئة على إحياء دور المجالس بوصفها فضاءً اجتماعياً وثقافياً يجمع أفراد المجتمع في أجواء رمضانية تعزز قيم المشاركة والتكافل، وتدعم بناء مجتمع أكثر تماسكاً واستقراراً.
تقليد متجدد
وأكد عدد من الأكاديميين والمختصين والأهالي لـ«البيان» أنه لطالما شكلت المجالس في الإمارات ركيزة أساسية في الحياة الاجتماعية، فهي مكان لاستقبال الضيوف، وفضاء للنقاش حول القضايا العامة، ومنبر لتبادل الرأي والمشورة.
وأضافوا أنه في رمضان، تزداد أهميتها لا سيما مجالس الأحياء باعتبارها مساحة تجمع مختلف الفئات العمرية بعد الإفطار وصلاة التراويح، في أجواء يسودها الاحترام والتراحم.
وترى المواطنة إيمان خميس التي تحرص على حضور هذه المجالس مع أفراد عائلتها أن مجالس الأحياء لم تعد مجرد مبانٍ اجتماعية تقليدية، بل أصبحت نواة حيوية في تعزيز التلاحم بين أفراد المجتمع وترسيخ قيم الهوية الوطنية، فضلاً عن كونها منصات تعليمية لتنشئة الأبناء على السنع الإماراتية الأصيلة ومشاركة الفرح في مواسم الاحتفاء والتقارب لا سميا في الشهر الفضيل.
وأشارت إلى أن شهر رمضان وموسم الولفة فرصة ذهبية لإعادة الاعتبار للعلاقات الإنسانية المباشرة، وتشجيع أفراد المجتمع على تكثيف اللقاءات الأسرية والاجتماعية خلال رمضان.
ويقول المواطن فؤاد الشحي، رئيس فريق غياث التطوعي في جمارك دبي، إنه يشارك في تنظيم وخدمة هذه المجالس، مؤكداً أن أجواءها الرمضانية، تعزز صلة الرحم، وفرصة للالتقاء بالجيران والأصدقاء الذين قد يشغلنا عنهم إيقاع الحياة اليومي المزدحم بالعديد من الانشغالات، وتتيح مساحة أوسع للحوار حول قضايا المجتمع، في إطار من المسؤولية المشتركة والانتماء الوطني.
مدرسة بلا جدران
وتقول المواطنة شمس المهيري إن المجالس الرمضانية تعتبر مدرسة اجتماعية مفتوحة يتعلم فيها الأبناء السنع الإماراتية الأصيلة، بدءاً من آداب الضيافة، وطريقة استقبال الضيوف، وتقديم القهوة، مروراً بفنون الحديث والاستماع، وصولاً إلى احترام الكبير وتقدير مكانته.
وأضافت أن كثير من الأمهات والآباء يحرصون على اصطحاب أبنائهم إلى المجالس الرمضانية، إيماناً منهم بأن هذه التجربة العملية ترسخ القيم بشكل أعمق من التوجيه النظري، ففي المجلس، يشاهد الطفل كيف يبدأ السلام، وكيف يقدم الحديث، وكيف يدار النقاش، فيتشرب هذه السلوكيات تدريجياً لتصبح جزءاً من شخصيته.
من ناحيتها تقول عائشة البلوشي، مديرة في أحد البنوك، إنها تحرص على استضافة النساء في مجلسها مع أبنائهم لتعريف الأبناء بتاريخ وطنهم وسير رجالاته، من خلال القصص المتداولة والأحاديث التي تستحضر الماضي، ما يعزز لديهم الشعور بالفخر والانتماء.
وأضافت أن دور المجالس في رمضان لا يقتصر على الجانب الاجتماعي فحسب، بل يمتد إلى البعد الروحي، فكثير من المجالس تستهل لقاءاتها بتلاوة آيات من القرآن الكريم أو بدرس ديني قصير، أو بنقاش حول القيم الرمضانية مثل الصبر والعطاء والتسامح.
وأشارت إلى أن هذه الأجواء تعد فرصة لتعميق الوعي الديني لدى أفراد الأسرة، خاصة لدى الشباب، في إطار معتدل ومتوازن يربط بين العبادة والسلوك اليومي.
مبادرات خيرية
وترى نوال البلوشي، رئيسة قسم في شركة، خاصة أنها تحرص على تنظيم مجلس رمضاني لأفراد الشركة واستضافة الموظفين، لتعريفهم بالموروث الإماراتي.
وأشارت إلى أن المبادرات الخيرية التي تنطلق من بعض المجالس تسهم في تجسيد روح التكافل، سواء عبر جمع التبرعات أو تنظيم موائد إفطار للصائمين.
وقالت إن بعض المجالس الرمضانية تحولت إلى منصات للنقاش حول قضايا تمس المجتمع، مثل دور الشباب في التنمية، وأهمية التطوع، وتعزيز جودة الحياة، لا سيما حين تستضيف هذه المجالس مسؤولين ومختصين، ما يخلق جسراً مباشراً بين صناع القرار وأفراد المجتمع.
إرث اجتماعي
هذا ويستحضر كبار السن ذكريات رمضان في المجالس باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من تكوينهم الاجتماعي، مؤكدين أن استدامة هذا الإرث الاجتماعي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمؤسسات، مشددين على أن غرس قيمة «الولفة» في نفوس الأبناء يبدأ من البيت، ويتعزز في المجلس، ويستمر في المدرسة ومختلف مناحي الحياة.
يقول ناصر أكرم إن المجلس الرمضاني والغبقة الرمضانية كانت بمثابة المدرسة والجامعة في الوقت ذاته، إذ كنا نتعلم فيه احترام الكبير، وطريقة الكلام، وكيف نستقبل الضيف ونكرمه.
ويضيف: رمضان يجمع القلوب، والمجلس هو المكان اللي تتصافى فيه النفوس، فقد ينشغل الفرد منا طول العام، لكن في رمضان يجتمع بأقاربه وجيرانه وأصدقائه في المجالس، وهذا هو معنى الولفة الحقيقي.
قدوة
من جهتها تؤكد جنان ناصر أن المجالس الرمضانية تمثل فرصة عملية لتعليم الأبناء القيم الإماراتية الأصيلة، قائلة: «إن (موسم الولفة) أعاد إحياء عادات جميلة كانت قد تراجعت بفعل نمط الحياة السريع»، موضحة: «إن المبادرة شجعتنا لتعزيز الأواصر المجتمعية، والتواصل الحقيقي بعيداً عن الشاشات الذكية، والاكتفاء بالرسائل، مما يجعل الأبناء يترعرعون في بيئة مترابطة وآمنة».
تفاعل إيجابي
من ناحيتهم يؤكد أكاديميون ومختصون أن هذا النمط من الحوار يعزز الثقة المتبادلة، ويكرس مبدأ الشراكة المجتمعية، ويجعل المجلس مساحة للتفاعل الإيجابي، لا مجرد لقاء اجتماعي عابر.
وتقول الدكتورة فابيان شديد، أستاذ مساعد فى جامعة هيريوت وات دبي، إنه رغم التحولات الرقمية التي يشهدها العالم، ما زالت المجالس الرمضانية تحتفظ بمكانتها، بل استطاعت أن توائم بين الأصالة والمعاصرة، فبعضها يوظف التقنيات الحديثة لتنظيم الدعوات أو بث بعض الفعاليات، مع الحفاظ على جوهر اللقاء القائم على الحضور المباشر والتواصل الإنساني.
وتضيف أن المجالس في الشهر الفضيل تسهم في إعادة وصل ما قد تقطعه مشاغل الحياة اليومية، إذ تتيح فرصة حقيقية للجلوس المباشر بعيداً عن الشاشات، وتعزز ثقافة الحوار بين الأجيال، بما يرسخ مفاهيم الاحترام والإنصات وقبول الرأي الآخر.
بدورها تشير أفنان سيد تربوية إلى أن نجاح «موسم الولفة» يتجسد فعلياً في استمرار هذه المجالس وتطورها، بما يحافظ على روحها التراثية ويجعلها في الوقت نفسه متجددة وقادرة على استيعاب متطلبات الجيل الجديد.
