تعديلات 2025 على قانون المخدرات تمنح المدارس صلاحية التدخل المبكر

راشد الكيتوب
راشد الكيتوب

تربويون: عدم ملاحقة الطالب جنائياً حماية لهويته النفسية ومساره التعليمي

تمضي دولة الإمارات بخطى تشريعية حاسمة نحو ترسيخ نهج وقائي متكامل لحماية الشباب من آفة المخدرات، عبر المرسوم بقانون اتحادي رقم 14 لسنة 2025، الذي عدل بعض أحكام المرسوم بقانون اتحادي رقم 30 لسنة 2021 في شأن مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، في تحول نوعي يعيد صياغة فلسفة التعامل مع التعاطي من منطق العقوبة إلى منطق الوقاية والعلاج والدعم الأسري.

ويمنح التعديل المدارس، بالتنسيق مع أولياء الأمور أو الأوصياء القانونيين، صلاحية رسمية للتدخل المبكر والإبلاغ عن الحالات المشتبه بتعاطيها المخدرات من الطلبة، من دون أن يترتب على ذلك تحريك دعوى جزائية، بما يفتح مساراً قانونياً آمناً يوجه المراهقين إلى العلاج والتأهيل، ويصون مستقبلهم التعليمي، ويحمي استقرارهم الاجتماعي قبل تفاقم الخطر.

حماية ومساءلة

وأكد محامون وتربويون أن التعديل القانوني الجديد رقم (14) لسنة 2025 يجسد مقاربة تشريعية إنسانية متقدمة تنسجم مع القيم المجتمعية والمبادئ الدولية في معالجة تورط الطلبة وأبناء المجتمع في آفة المخدرات، وأوضحوا أن المشرّع عزز الدور الرقابي والتربوي للمؤسسات التعليمية عبر ترسيخ نهج علاجي وقائي يوازن بين الحماية والمساءلة، ويمنح المدرسة مساحة فاعلة للتدخل المبكر قبل تفاقم المشكلة.

وأشاروا إلى أن هذا التوجه كسر حاجز الخوف من المساءلة الجنائية، من خلال تمكين المدارس من أداء دور «الإنذار المبكر» والتبليغ عن حالات الاشتباه بالتعاطي بالتنسيق مع أولياء الأمور، دون تحريك دعوى جزائية، ما يفتح الباب أمام العلاج المبكر ويصون مستقبل الطالب، ويحمي الأسرة من تبعات قانونية قد تدفع إلى الإخفاء بدل المواجهة.

وقال المحامي الدكتور راشد سلطان الكيتوب النعيمي: إن المرسوم بقانون اتحادي رقم (14) لسنة 2025 يشكل محطة مفصلية في تطور السياسة الجنائية والصحية في دولة الإمارات، مشيراً إلى أن أهميته لا تقتصر على إدخال تعديلات على قانون قائم، بل تمتد إلى إعادة صياغة فلسفة التعامل مع قضايا التعاطي، خاصة لدى فئة الطلبة وصغار السن.

قراءة واعية

وأضاف أن الدولة انتقلت بصورة مدروسة من منطق التجريم المبكر إلى منطق الاحتواء الوقائي، وهو تحول يعكس قراءة واعية للتجارب الدولية ومراعاة للواقع الاجتماعي والأسري في الدولة، موضحاً أن التشريع الجديد كسر الحاجز النفسي الذي كان يحول دون التدخل المبكر بسبب الخوف من المساءلة الجنائية.

وأوضح أن منح المدارس دوراً رسمياً كمنظومة إنذار مبكر، والسماح لها بالإبلاغ عن حالات الاشتباه بالتعاطي بالتنسيق مع أولياء الأمور دون تحريك دعوى جزائية، يمثل نقلة نوعية في آليات الحماية، إذ لم يعد الطالب مضطراً إلى إخفاء المشكلة حتى تتفاقم، كما لم تعد الأسرة مضطرة للاختيار بين طلب المساعدة أو الخشية من التبعات القانونية.

وأوضح أن المشرّع رسم خطاً فاصلاً وواضحاً بين المتعاطي والتاجر أو المروج، حيث يُنظر إلى المتعاطي، متى بادر أو بادر عنه من له صفة قانونية، باعتباره حالة تحتاج إلى علاج وتأهيل ضمن وحدات متخصصة ولفترة محددة، في حين أبقى على التجريم المشدد والعقوبات الصارمة بحق الاتجار والترويج والتسهيل، لا سيما إذا ارتبطت هذه الأفعال بالمدارس أو أماكن تجمع الطلبة، معتبراً هذا التمييز تجسيداً لجوهر العدالة الجنائية المتوازنة.

وأشار إلى أن هذا النهج يلتقي في فلسفته مع بعض التجارب الدولية التي اعتمدت التدخل المبكر والعلاج كأولوية، مؤكداً أن التقارير الدولية الصادرة عن منظمات معنية بمكافحة المخدرات تظهر أن كلفة الوقاية والعلاج المبكر أقل بكثير من كلفة التدخل المتأخر، سواء على المستوى الصحي أم الاجتماعي أم الاقتصادي، وتطرق إلى البعد الاجتماعي الذي راعاه التشريع في مسألة الإبعاد، مبيناً أن منح المحكمة سلطة تقديرية في بعض الحالات المرتبطة بالاستقرار الأسري يعكس فهماً لتأثير العقوبة على الأسرة ككل، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هيبة القانون ومبدأ الردع العام.

وأكد أن الهدف من التعديلات ليس تخفيف العقوبة بقدر ما هو منع الحاجة إليها من الأصل، مشيراً إلى أن نجاح هذا التوجه سيعتمد على حسن التطبيق، وتكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة والجهات الصحية والنيابة العامة، بما يرسخ نموذجاً تشريعياً متقدماً يجمع بين حماية الشباب وصون المجتمع.

ورأت المحامية كلثم الفلاسي أن الدولة تسعى من خلال هذا المرسوم إلى إرساء منظومة مترابطة تعزز الدور الوقائي وتُفَعِّل الدور الرقابي عبر توسيع نطاق منع إقامة الدعوى الجزائية من خلال تفعيل دور المؤسسة التعليمية بالتنسيق مع أولياء الأمور بما يحقق المصلحة الفضلى للأطفال والناشئة، لافتة إلى تبني المشرّع فلسفة علاجية رائدة تقوم على اعتبار التعاطي داءً يستوجب التأهيل قبل العقاب، فجعل من العلاج مساراً أولياً ومن الردع مرحلة تالية عند الاقتضاء، مما فيهِ تدرج يوازن بين الحماية المجتمعية وصيانة مستقبل الشباب والناشئة، وبهذا النهج تتكامل أدوار الأسرة والمؤسسة التعليمية بوصفهما مدماكاً رئيساً في عملية التنشئة، بما يسهم في حماية المجتمع وترسيخ استقراره وتحقيق رؤية الدولة.

رؤية متوازنة

معتز فانوس
معتز فانوس

بدوره أكد المستشار القانوني معتز فانوس، أن تعديلات قانون مكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية في دولة الإمارات، لا سيما التعديلات الصادرة عام 2021 وما أعقبها من تعديلات بموجب المرسوم بقانون اتحادي رقم (14) لسنة 2025، أرست نهجاً علاجياً وإصلاحياً متقدماً يعكس رؤية إنسانية متوازنة في التعامل مع قضايا التعاطي، خصوصاً لدى فئة الطلبة والشباب.

وأوضح أن المشرع الإماراتي تبنى فلسفة واضحة تقوم على اعتبار المتعاطي، في حالات محددة، مريضاً يحتاج إلى العلاج والتأهيل بدلاً من النظر إليه كمجرم يستحق العقوبة، مشيراً إلى أن القانون نص على عدم إقامة دعوى جزائية ضد من يتعاطى المواد المخدرة لأول مرة إذا بادر بنفسه أو بادر ذووه أو مؤسسته التعليمية بطلب العلاج قبل إلقاء القبض عليه أو علمه بالإجراءات المتخذة ضده، شريطة تسليم ما بحوزته من مواد مخدرة إن وجدت، ليتم إيداعه في وحدة علاجية متخصصة بسرية تامة.

وأوضح أن هذه الضوابط، وفي مقدمتها شرط التقدم الطوعي قبل القبض وتسليم المواد، تهدف إلى كسر حاجز الخوف من المساءلة الجنائية، وتشجيع التدخل المبكر، بما يعزز فرص العلاج والاندماج المجتمعي دون سابقة جنائية.

وأضاف أن التعديلات الأخيرة لعام 2025 عززت هذا التوجه الإنساني، لا سيما من خلال منح المؤسسات التعليمية دوراً وقائياً وعلاجياً محورياً وفقاً للمادة (89)، حيث يحق للمدرسة أو الجامعة التقدم بطلب رسمي لإيداع الطالب المتعاطي في مركز علاج وتأهيل دون إقامة دعوى جزائية، وذلك بعد التنسيق مع اختصاصي حماية الطفل والحصول على موافقة ذويه، وقبل صدور أمر بالقبض عليه، على ألا تتجاوز مدة الإيداع سنة واحدة، مؤكداً أن هذا التنظيم يحقق توازناً دقيقاً بين الحماية والعلاج، ويحمي مستقبل الطلبة من تداعيات السجل الجنائي، ويعزز في الوقت ذاته دور المدرسة والأسرة كشريكين أساسيين في الاكتشاف المبكر والتدخل الوقائي.

وفيما يتعلق بالأجانب، أشار فانوس إلى أن المادة 75 من التعديلات نصت على إبعاد الأجنبي المدان في جرائم المخدرات، مع منح المحكمة سلطة تقديرية لاستثناء بعض الحالات، إذا تبين أن الإبعاد يترتب عليه ضرر جسيم باستقرار الأسرة المقيمة في الدولة أو يحرم أحد أفرادها من الرعاية أو الإعالة، شريطة ثبوت القدرة المالية على توفير العلاج، ويشمل مفهوم الأسرة الجد والجدة والأب والأم، والأبناء، والإخوة، والأخوات.

وأوضح أن هذه الاستثناءات تعكس حرص المشرّع على مراعاة الاعتبارات الأسرية والاجتماعية، والحفاظ على التماسك الأسري، مع الإبقاء على الردع القانوني في مواجهة الجرائم الخطيرة، لافتاً إلى أن الإبعاد قد يكون جوازياً في بعض حالات التعاطي أو الاستعمال الشخصي، مع منح النيابة العامة صلاحية مباشرة إجراءات الإبعاد خلال ثلاثة أشهر من الحكم البات في حالات محددة.

وشدد على أن المرسوم بقانون يؤكد التزام الإمارات بتطوير منظومة تشريعية متكاملة لمكافحة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، تجمع بين الردع الصارم والنهج العلاجي الوقائي، وتواكب التطورات الصحية والأمنية، بما يعزز حماية المجتمع وسلامة أفراده، ويكرس مكانة الدولة نموذجاً عالمياً في سيادة القانون وصون كرامة الإنسان.

رؤية استباقية

هيام أبو مشعل
هيام أبو مشعل

بدورها اعتبرت هيام أبو مشعل، مستشارة نفسية وأسرية، التعديل التشريعي خطوة رائدة تعكس رؤية استباقية وإنسانية متقدمة لدولة الإمارات في حماية الشباب، مؤكدة أنه يرسخ مبدأ أن المراهق، حتى عند تعرضه لخطر التعاطي، هو فرد بحاجة إلى الاحتواء والتوجيه والدعم، لا إلى الإدانة أو الإقصاء. وأضافت، أن عدم تحريك دعوى جنائية ضد الطالب لا يحميه قانونياً فحسب، بل يحمي أيضاً هويته النفسية ومساره التعليمي، مشيرة إلى أن التجريم في هذه المرحلة العمرية الحساسة قد يترك آثاراً نفسية عميقة، مثل الشعور بالوصمة وفقدان الثقة بالنفس، وقد يدفع بعض المراهقين إلى مزيد من الانسحاب أو التمرد بدلاً من التعافي.

وأوضحت أن توجيه الطالب نحو العلاج والتأهيل يمنحه فرصة حقيقية لإعادة التوازن النفسي، واستعادة شعوره بالأمان والانتماء، ومواصلة نموه بطريقة صحية وسليمة، لافتة إلى أن خبرتها في مجال الإرشاد النفسي والأسري تُظهر أن العديد من السلوكيات الخطِرة لدى المراهقين لا تنشأ من رغبة في الانحراف، بل من احتياجات نفسية غير مُشبعة، أو ضغوط داخلية، أو بحث عن القبول والانتماء.

وأشارت إلى أن التدخل المبكر من خلال المدرسة، بالتعاون مع الأسرة والمختصين، يشكل نقطة تحول حاسمة في حماية المراهق قبل تفاقم المشكلة، مؤكدة أن استجابة الأسرة الواعية، القائمة على الاحتواء والتفهم بدلاً من اللوم أو العقاب القاسي، تعزز شعور الأبناء بالأمان وتشجعهم على الانفتاح وطلب المساعدة، وهو ما يشكل أساساً حقيقياً للتعافي.

وأكدت أن هذا النهج يسهم في تقليل مشاعر الخوف والوصمة المرتبطة بطلب الدعم، حيث يشعر الطالب والأسرة بأن الهدف هو الحماية والعلاج لا العقوبة، ما يعزز الثقة بالمؤسسات التعليمية والعلاجية، ويشجع على الكشف المبكر والتعاون الإيجابي.

يعقوب الحمادي
يعقوب الحمادي

وذكر يعقوب الحمادي، خبير تربوي، أن هذا التحول القانوني يمكن المدارس من أداء دور محوري كنظام إنذار مبكر، ومن خلال العمل جنباً إلى جنب مع أولياء الأمور والجهات المختصة، بات بإمكان المؤسسات التعليمية المساهمة في ضمان حصول الطلبة على الدعم في الوقت المناسب، دون الخشية من تبعات قانونية، وذكر أن هذه الآلية صممت لحماية الطالب لا تجريمه عند اكتشاف الحالة مبكراً وإحالتها عبر القنوات القانونية والطبية الصحيحة، وهو ما يوفر مساراً واضحاً يبعد الطالب عن الملاحقة القضائية ويوجهه نحو التعافي.