لم يكن راميش شوكلا مجرد عابر في تاريخ الإمارات، بل كان الشاهد الوفي والراوي البصري الذي آمن بأن ملامح النهضة تستحق أن تروى وتوثق في إطار الخلود قبل أن يتلقفها الغياب.
وها هي عدسته الشهيرة تترجل عن صهوة التوثيق، ويرحل «مصور الشيوخ» بعد مسيرة من العشق لتراب هذا الوطن، تاركاً خلفه إرثاً فوتوغرافياً لدولة الإمارات.
ولا تزال إبداعات راميش شوكلا التي تزين المتاحف تمثل شهادة حية على أن دبي لا تنسى من رسم ملامح مجدها بالضوء، لتبقى الذاكرة مضيئةً بجمال البدايات التي لم تكن لتُحفظ لولا تلك العين الشغوفة.
وثيقة بصرية
وفي هذا السياق، قال معالي محمد أحمد المر، رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم: «إن مسيرة المصور الراحل راميش شوكلا تمثل وثيقة بصرية فريدة لمرحلة مفصلية في تاريخ دبي، إذ رصد بعدسته التحولات الأولى التي شهدتها الإمارة في بنيتها العمرانية وحراكها الاقتصادي والاجتماعي».
وأوضح معاليه أن أعماله تشكّل سجلاً حيّاً لذاكرة مدينة كانت تخطو بثبات نحو المستقبل، موثقاً تفاصيل المكان وملامح الإنسان في زمن التأسيس، وهو ما يمنح الأجيال الجديدة نافذة لفهم بدايات النهضة ومسارات تطورها. وأكد معاليه أن أرشيف الراحل يشكّل اليوم رصيداً ثقافياً ومعرفياً، يمكن الاستفادة منه في الدراسات التاريخية والمعارض الفنية والمشروعات البحثية التي تتناول مسيرة دبي وتحوّلاتها.
إرث غني
وقالت هالة بدري، مدير عام هيئة الثقافة والفنون في دبي: «برحيل المصور الفوتوغرافي راميش شوكلا، فقدت الساحة الثقافية واحداً من أبرز رواة قصصنا البصرية، حيث عُرف بتوثيقه لحظة «روح الاتحاد» التاريخية التي جمعت الآباء المؤسسين في «دار الاتحاد» بعد توقيع إعلان الاتحاد عام 1971. فقد كان شوكلا من أبرز المصورين الذين وثّقوا بعدساتهم بدايات الاتحاد وتأسيس الدولة، ورصدوا تفاصيل مجتمعنا المحلي وأحيائنا الشعبية وعاداتنا وتقاليدنا الأصيلة. وقد ترك خلفه إرثاً بصرياً غنياً يعكس مسيرة نمو الدولة وازدهارها، وما شهدته من تحولات وإنجازات لافتة عبر العقود الماضية، لتبقى صوره شاهداً حياً على مراحل تطورها حتى أصبحت نموذجاً متفرداً لدول المستقبل، ونتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى عائلته وأصدقائه، سائلين الله عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته».
مؤرخ صادق
من جهتها، وصفت الدكتورة موزة غباش، رئيسة رواق عوشة بنت حسين الثقافي وأستاذة علم الاجتماع، المصور العالمي الراحل راميش شوكلا، بأنه لم يكن مجرد مصور فوتوغرافي، بل كان «مؤرخاً بصرياً» وثّق بصدق وشغف ولادة حلم أمة وانطلاق نهضة دبي الحديثة.
وأكدت غباش أن الراحل يعد قامة فنية استثنائية؛ إذ ارتبط اسمه بذاكرة تراب الإمارات وهويتها، وأنه منح، بجهوده في التقاط اللحظات التاريخية، الأجيال القادمة نافذةً يطلون منها على كفاح البدايات وعظمة الإنجاز، كما نجح في رصد التحولات العميقة التي شهدها مجتمع الإمارات، من حياة الفرجان والأسواق القديمة، وصولاً إلى ناطحات السحاب ومنصات الريادة العالمية.
سيرة وطن
وفي قراءة نقدية تمزج بين العمق التاريخي والحس الجمالي، أكد الشاعر والناقد الإماراتي إبراهيم الهاشمي، المدير التنفيذي لمؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، أن المصور الراحل راميش شوكلا لم يكن مجرد عابرٍ بالعدسة، بل كان مؤرخاً صامتاً استطاع تدوين سيرة وطن بأكمله دون الحاجة إلى الحروف.
ووصف الهاشمي المصور الراحل بأنه قامة كبيرة تركت خلفها صوراً نابضة بالحياة تشكل في مجموعها سيرة بصرية استثنائية، موضحاً أن هذه الصور تنطق بالكثير من الحقائق والمواقف التاريخية للدولة، وتعبر بصدق عن زمن التأسيس وما سبقه من إرهاصات وبدايات، وتعد ثروة وطنية حقيقية يمكن الاعتماد عليها في تسطير تاريخ الوطن بشكل رائع وموثق.
وأشار الهاشمي إلى أن شوكلا، برغم أنه لم يكتب التاريخ بالكلمات، سجله فعلياً من خلال عدسته التي كانت حاضرة في اللحظات المفصلية من عمر الاتحاد.
واعتبر الهاشمي أن هذا التوثيق يتميز بالصدق النابض عبر تسجيل لحظات التحول الاجتماعي وتغير الأزمنة بدقة متناهية، كما أنه بشكل مرجعية تاريخية توفر مادة بصرية يعول عليها الباحثون والمؤرخون في فهم مسيرة الدولة.
وشدد إبراهيم الهاشمي على أن راميش شوكلا قد حفر اسمه في ذاكرة الإمارات، مؤكداً أن العمل الذي قدمه سجل تاريخاً حافلاً للوطن وترك بصمة لا يمكن نسيانها أبداً. وأضاف الهاشمي: «سيبقى اسمه حاضراً على مر العصور تقديراً لما قدمه من أرشيف بصري لا يقدر بثمن».
رفيق درب
وفي حديث مفعم بالذكريات والوفاء، استذكر المصور الإماراتي إبراهيم الريس مسيرة رفيق دربه المصور الراحل راميش شوكلا، واصفاً إياه بأنه لم يكن مجرد زميل مهنة، بل كان شاهداً استثنائياً على ولادة أمة.
وقال الريس: «لقد كان راميش صديقاً مقرباً، وعملنا معاً. هو من القلائل الذين عاصروا قيام الاتحاد، وحملوا كاميراتهم لتوثيق لحظات مفصلية في تاريخ الإمارات».
وفي قراءة لإرث راميش شوكلا، أكد علي خليفة بن ثالث، الأمين العام لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي، أن المصور الراحل يمثل حالة استثنائية في تاريخ التوثيق البصري، واصفاً إياه بأنه أحد أهم الشهود الذين رصدوا بعين ثاقبة تحولات مدينة دبي وانتقالها من البدايات إلى الحداثة.
ورأى بن ثالث أن القيمة الحقيقية لأعمال شوكلا تكمن في كونها أرشيفاً بصرياً سيادياً لمرحلة تاريخية مهمة؛ فمنذ عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، استطاع شوكلا أن يسجل بدقة متناهية التحولات العمرانية والاجتماعية والاقتصادية التي صاغت هوية دبي المعاصرة، وتفاصيل الحياة اليومية والملامح الإنسانية التي بثت الروح في المكان، وقدمت مرجعاً تاريخياً وذاكرة بصرية حية للأجيال القادمة.
ارتباط وثيق
من جانبه، أعرب المصور نيل شوكلا عن تقديره البالغ بالاحتفاء بمسيرة والده الراحل، مؤكداً أن علاقته بالإمارات لم تكن مجرد رحلة عمل، بل كانت ارتباطاً وثيقاً بجذور الأرض وقادتها. وأوضح شوكلا أن رحلة والده في المنطقة بدأت في عام 1968، حين وصل عبر البحر إلى إمارة الشارقة، مشيراً إلى أن تلك الفترة شهدت اللقاءات الأولى لوالده مع الآباء المؤسسين لدولة الإمارات، حيث حظي بفرصة استثنائية لتوثيق تحركاتهم وأنشطتهم بعدساته.
كما أكد نيل العلاقة المقربة التي جمعت والده بالمغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراهما، لافتاً إلى أن والده قرر بعد أشهر قليلة من وصوله اتخاذ مدينة دبي قاعدة انطلاق رئيسة له، حيث بدأ بتصوير تطور العمران في دبي، وسحر الصحراء والبحار، وحياة الحكام والآباء المؤسسين.
وكشف نيل شوكلا عن المحطة الأبرز والأكثر تأثيراً في مسيرة والده، واصفاً إياها باللحظة التي لم تصنع تاريخ والده المهني فحسب، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الذاكرة الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة. وقال: «إن الإنجاز الأهم في مسيرة والدي هو توثيقه قيام دولة الإمارات في 2 ديسمبر 1971. ففي ذلك اليوم، نجح راميش شوكلا في التقاط الصورة الأيقونية للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان أثناء توقيعه على وثيقة الاتحاد، ومعه حكام الإمارات تحت راية الوطن».






