الذكاء الاصطناعي.. محور التحول القادم في القطاع الصحي

أجمع مشاركون ومتخصصون في قمة مستقبل الرعاية الصحية 2025، التي تُقام في مركز دبي التجاري العالمي، على أن الذكاء الاصطناعي لن يحلّ محل الطبيب، بل يعدّ أداة مساعدة تعزز من جودة الخدمات الصحية، وتسهم في تسريع التشخيص ودعم القرارات الطبية.

وأكد الخبراء أن التطور المتسارع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل القطاع الصحي يفرض الحاجة إلى ضوابط دقيقة لتقييم جودة هذه الأنظمة وضمان توافقها مع المعايير الطبية والأخلاقية، مشيرين إلى أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يتحقق إلا من خلال تكامل دوره مع الكوادر البشرية، وليس استبدالها.

ونوهوا إلى أن الذكاء الاصطناعي يعتبر محور التحول القادم في القطاع الصحي. وأوضح المتحدثون أن الذكاء الاصطناعي بات اليوم عاملاً مسرعاً في الكشف عن الحالات المرضية وتحليل البيانات الطبية الضخمة، ما يؤدي إلى تسريع عمليات التشخيص واتخاذ القرار الطبي. ومع ذلك، فإنهم يرون أن الاعتماد الكلي عليه دون إشراف الطبيب قد يعرض حياة المرضى للمخاطر، ما يستوجب تدريب الأطباء على كيفية تقييم دقة الأنظمة الذكية وملاءمتها للبيئة المحلية.

نهج متسارع

وقال الدكتور رمضان البلوشي، مستشار المدير العام لهيئة الصحة بدبي ومدير إدارة حماية الصحة العامة ورئيس اللجنة العلمية لـ«قمة مستقبل الرعاية الصحية 2025»، إن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية يمثلان محور التحول القادم في القطاع الطبي، مؤكداً أن دولة الإمارات، وإمارة دبي على وجه الخصوص، تتبنى نهجاً متسارعاً في توظيف التكنولوجيا الحديثة لدعم جودة الرعاية الصحية وتعزيز كفاءة الخدمات.

وأضاف أن السنوات الخمس المقبلة ستشهد تطوراً هائلاً في مجالات الطب الرقمي والذكاء الاصطناعي، مع توسّع تطبيقاتهما في التشخيص والعلاج وإدارة البيانات الطبية، مشيراً إلى أن دبي بدأت بالفعل في استقطاب مؤسسات طبية عالمية وعيادات متخصصة اختارت الإمارة مقراً لها لما توفره من بيئة تنظيمية وتشريعية محفزة على الابتكار.

وذكر أن القمة هذا العام تركز على عدد من المحاور الاستراتيجية التي تشمل التطعيمات والتحصينات، والصحة المدرسية، والسياحة العلاجية، والتنظيم الصحي، والرفاه النفسي، لافتاً إلى أن جميع هذه المحاور تتقاطع مع التحول الرقمي الذي تقوده الإمارة في قطاع الصحة، مشيراً إلى أن المؤتمر يناقش أحدث التطورات في مجالات العلاج والوقاية، وأفضل الممارسات العالمية، ودور التكنولوجيا والحلول الذكية في تعزيز التواصل مع مختلف فئات المجتمع.

وشددا على أهمية التعاون بين الفرق الطبية ومواكبة التسارع العالمي في مجالات البحث والابتكار الطبي..

وأكد البلوشي أن إمارة دبي تعد من الجهات السباقة في مجال السياحة العلاجية على مستوى المنطقة، موضحاً أن الهدف لا يقتصر على جذب المرضى للعلاج، بل يمتد إلى تقديم خدمات طبية متنوعة بمعايير عالمية تجعل من دبي مركزاً منافساً على الصعيد الدولي.

وتناول كذلك جهود الهيئة في ملف الصحة المدرسية، مبيناً أن هناك تعاوناً وثيقاً مع هيئة المعرفة والتنمية البشرية و«دبي الصحية» لتشكيل فرق عمل مشتركة تعنى بتثقيف أولياء الأمور والطلاب والكوادر التعليمية بأهمية التطعيمات والتحصينات، وهي خطوة اكتسبت أهمية متزايدة بعد جائحة «كوفيد19».

تمكين الأطباء

بدوره أفاد الدكتور متعب الخبير، من مستشفى الملك خالد الجامعي والمستشار السابق في هيئة الذكاء الاصطناعي، أن محاضراته خلال القمة تركزت على كيفية قياس جودة أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تروّجها الشركات في المنطقة، بهدف تمكين الأطباء ومديري المستشفيات من معرفة ما إذا كانت هذه الأنظمة آمنة وقابلة للتطبيق في بيئاتهم التشغيلية.

وأضاف أن الورش التدريبية تعرض نماذج عملية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تشخيص الأمراض، مثل سرطان الرئة، وكيفية تقييم مدى دقة نتائجها مقارنة بتشخيص الطبيب، موضحاً أن الهدف هو تحديد ما إذا كانت الأنظمة تحتاج إلى تعديل أو إشراف إضافي من قبل الشركات المنتجة.

وأشار إلى أن بعض المنتجات تُتاح مجاناً عبر الإنترنت، مثل «شات جي بي تي»، لكن الأهم هو معرفة كيفية قياس دقتها ومدى حساسيتها في التشخيص، موضحاً أن بعض الأنظمة تستطيع رصد وجود خلل في الرئة، لكن دون تحديد موقعه، ما يتطلب استخدام أنظمة أخرى أكثر تخصصاً لتحديد مكان الورم بدقة، واعتبر الخبير أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملاً محورياً في تسريع الكشف عن الحالات المرضية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على تحسين جودة الخدمات الطبية ورفع كفاءة الأداء السريري.

منظومة متكاملة

وقالت الدكتورة عذاري الزعابي، أستاذ مساعد في كلية الطب بجامعة السلطان قابوس، إن الحدث يعدّ من أبرز الفعاليات الطبية في المنطقة، موضحة أن مشاركتها الثانية جاءت لتسليط الضوء على أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الأشعة، واستعراض توجهات دول الخليج في هذا القطاع الحيوي والمهم.

وأضافت أن الذكاء الاصطناعي لا يعدّ مجرد إضافة تقنية، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من التشريعات والسياسات التي تضمن سلامة المريض وتحدّ من أي أخطار محتملة، إلى جانب أهمية تثقيف الأطباء حول كيفية استخدام هذه التقنيات قبل دمجها في الممارسات السريرية.

وأكدت أن دول الخليج تمتلك مقومات فريدة تجعلها بيئة خصبة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب، أبرزها محدودية الكوادر الطبية الوطنية، وزيادة عدد الحالات المرضية، والبنية التحتية الرقمية المتطورة، إضافة إلى تبنّي أصحاب القرار وزارات الصحة والمستشفيات رؤية واضحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمرضى.

وأوضحت أن الأطباء باتوا يستفيدون من الذكاء الاصطناعي في مراحل متعددة من العمل، من طلب الأشعة وحتى صدور التقارير، حيث أسهمت الأنظمة المؤتمتة في تقليص زمن إصدار التقارير من نحو عشرة أيام إلى يومين فقط على سبيل المثال، مع بقاء الطبيب الجهة التي تتحقق من دقة النتائج.

وبينت أن أحد أبرز مكاسب الذكاء الاصطناعي يتمثل في التشخيص المبكر للأمراض، إذ ساعدت أنظمة المسح الحديثة في اكتشاف حالات السرطان، مثل سرطان الثدي، في مراحله الأولى، ما رفع نسب الشفاء بنحو 30 في المئة وفقاً لأبحاث عالمية، وشددت على أن الذكاء الاصطناعي لا يستبدل الطبيب، بل يعدّ أداة مساعدة تمكّنه من التركيز على الجوانب الإنسانية والتشخيصية الدقيقة التي تتطلب خبرة بشرية متخصصة.