«تكلّس الشرايين» خطر صامت يتسلّل إلى قلوب الشباب

حذّر أطباء قلب ومختصون بجراحة الأوعية والقلب من تحول لافت في خريطة الإصابة بتكلّس الشرايين التاجية، بعدما باتت الحالات الشديدة التي كانت ترصد في الغالب بعد سن السبعين تظهر اليوم لدى مرضى في الأربعينيات والخمسينيات، بل حتى في الثلاثينيات أحياناً، وسط تزايد عوامل الخطورة المبكرة وفي مقدمتها:

التدخين والشيشة ومرض السكري والسمنة وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول وقلة النشاط البدني.

وكشف مختصون أن خطورة المرض لا تقف عند انتقاله إلى أعمار أصغر، إذ يمكن أن تتقدم التكلّسات بصمت ودون أعراض واضحة، وقد يصل بعض المرضى إلى مراحل متقدمة قبل اكتشافها، مؤكدين أن التكلّس الشديد يجعل الشرايين أكثر صلابة وأقل مرونة ويزيد صعوبة القسطرة وزراعة الدعامات.

وكشف بيانات دراسات حديثة إلى وجود تكلّس تاجي لدى ما يصل إلى واحد من كل 10 بالغين شباب، فيما قد ترتفع النسبة إلى نحو الثلث لدى وجود عوامل خطورة مثل السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم والتدخين.

وتعزز الأرقام الحديثة حجم التحدي، إذ تجاوز عدد مراجعي خدمات أمراض القلب في منشآت مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية 55 ألف مراجع خلال عام 2025.

فيما سجل مركز القلب في مستشفى القاسمي أكثر من 2150 قسطرة قلبية، بينها 600 حالة جلطات حادة، إلى جانب أكثر من 164 جراحة قلب، بالتوازي مع إدخال ما لا يقل عن 70 تقنية حديثة استخدمت للمرة الأولى على مستوى الدولة والمنطقة.

وأكد الأطباء أن التطور في وسائل تفتيت التكلّسات وتصوير الشرايين من الداخل أسهم في توسيع فرص علاج الحالات المعقدة، وأتاح التعامل بالقسطرة مع حالات كانت أكثر صعوبة في السابق.

تقنيات

وأكد الدكتور عارف عبدالله النورياني، المدير التنفيذي لمستشفى القاسمي ورئيس مركز القلب، أن أطباء القلب والقسطرة سعوا على مدى نحو عقدين إلى تطوير حلول أكثر فاعلية للتعامل مع التكلّسات الشديدة داخل الشرايين، بما يسهل توسيعها وزراعة الدعامات ويحسن نتائج العلاج.

وأوضح أن من أقدم التقنيات المستخدمة جهازاً يعتمد على رأس ماسي سريع الدوران لتعديل التكلّسات الصلبة داخل الشريان، فيما ظهرت لاحقاً وسائل أخرى تعتمد على قسطرة تتحرك بصورة دائرية حول جدار الشريان للمساعدة على تفتيت الكالسيوم.

وأشار إلى أن تقنية الموجات التصادمية شكلت إضافة مهمة خلال السنوات الأخيرة، إذ تعمل وفق مبدأ قريب من تفتيت حصوات الكلى، من خلال إطلاق موجات صوتية داخل الشريان تحدث تشققات في التكلّسات الصلبة، ما يسهل توسعة الشريان وزراعة الدعامة.

وكشف النورياني عن تبني مركز القلب في مستشفى القاسمي تقنية حديثة للمرة الأولى على مستوى دولة الإمارات، تعتمد على بالون مغطى بأنصاف كرات معدنية دقيقة، تركز الضغط على نقاط محددة من التكلّس عند نفخه داخل الشريان، بما يساعد على إحداث تشققات وتهيئة الشريان للعلاج.

وأوضح أن هناك اليوم أكثر من 4 تقنيات رئيسية للتعامل مع التكلّسات، إلى جانب البالونات القاطعة المزودة بشفرات دقيقة التي تساعد على إحداث شقوق في الكالسيوم.

وحذر من تغير واضح في أعمار المرضى، مشيراً إلى أن الحالات في المنطقة تظهر في سن أصغر مقارنة بما يرصد عادة في أوروبا، وأن التدخين والشيشة يمثلان عاملين رئيسيين في التكلّسات الحادة لدى الفئات الأصغر سناً.

وقال: «كنا نرى الحالات شديدة التكلّس بصورة أكبر بعد سن السبعين، أما اليوم فأصبحنا نجدها في الأربعينيات والخمسينيات»، لافتاً إلى رصد حالات كذلك في الثلاثينيات، ومشدداً على الحاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم أسباب هذا التحول.

أعمار أصغر

من جانبه، أكد الدكتور براجيش ميتال، استشاري طب القلب التداخلي، أن تكلّس الشرايين التاجية بات يعد مؤشراً مهماً إلى وجود مرض كامن في الشرايين، ولم يعد الاهتمام به مقتصراً على كبار السن.

وأوضح أن السكري وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والسمنة والتدخين وقلة النشاط البدني، إضافة إلى التاريخ العائلي للإصابة المبكرة بأمراض القلب، يمكن أن تسهم في ظهور المرض في سن أصغر.

وأشار إلى أن زيادة الحالات المكتشفة لا تعود فقط إلى انتشار عوامل الخطورة، بل أيضاً إلى تحسن وسائل التصوير والفحص والكشف المبكر، ما أدى إلى اكتشاف حالات كانت قد تمر سابقاً من دون تشخيص.

وشدد على أهمية تقييم مخاطر أمراض القلب مبكراً لدى الأشخاص الذين لديهم أكثر من عامل خطورة، وعدم افتراض أن هذه الأمراض ترتبط فقط بالمراحل المتقدمة من العمر.

وأوضح أن التكلّس يحدث عندما يتراكم الكالسيوم داخل الترسبات الموجودة في جدران الشرايين، ومع تقدم المرض قد تصبح الشرايين أكثر تضيقاً وأقل مرونة، ما يحد من وصول الدم إلى عضلة القلب.

وحذر من أن الحالات المتقدمة قد ترتبط بالذبحة الصدرية وتراجع وظائف القلب والنوبات القلبية، فيما يسمح الاكتشاف المبكر بتعديل نمط الحياة واستخدام العلاج المناسب والتدخل عند الضرورة.

مرض صامت

وقال الدكتور جان نيكلاس ستريكلينج، أخصائي أمراض القلب التداخلية واستشاري أمراض القلب، إن أحد أبرز تحديات المرض يتمثل في إمكانية وجود التكلّسات من دون أعراض واضحة، خصوصاً في المراحل المبكرة.

موضحاً أن بعض المرضى لا يكتشفون المشكلة إلا أثناء فحوص تصوير القلب، أو بعد ظهور أعراض مرتبطة بانخفاض تدفق الدم إلى عضلة القلب. وأشار إلى أن عوامل الخطورة تشمل:

ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والإصابة بالسكري والتدخين والسمنة وقلة النشاط البدني والتاريخ العائلي لأمراض الشرايين. ودعا إلى عدم تجاهل ضغط أو ألم الصدر، وضيق التنفس، والتعب غير المعتاد، أو انخفاض القدرة على بذل المجهود، مؤكداً أن غياب الأعراض لا يعني بالضرورة سلامة الشرايين.

وأوضح أن علاج الحالات شديدة التكلّس شهد تطوراً كبيراً، من خلال وسائل تصوير دقيقة من داخل الشريان وتقنيات مختلفة لتفتيت الكالسيوم وتهيئة الشريان قبل تركيب الدعامة.

وأكد أن هذه التطورات وسعت قدرة الأطباء على علاج حالات كان التعامل معها في السابق بالغ الصعوبة، فيما يبقى اختيار التقنية المناسبة مرتبطاً بدرجة التكلّس وموقعه وحالة المريض.

من جانبه قال الدكتور محمد عبد المنعم محمد عثمان، استشاري أمراض القلب، إن التغير اللافت لا يقتصر على زيادة عدد الحالات، وإنما يشمل أيضاً أعمار المصابين، وأفاد بأن التكلس كان قبل عقد من الزمان أكثر شيوعاً لدى المرضى في سن 55 إلى 60 عاماً أو أكبر.

بينما أصبح يُكتشف اليوم بصورة متزايدة لدى مرضى في أوائل الأربعينيات، وربط ذلك بظهور عوامل الخطورة في سن مبكرة، ومنها مرض السكري وارتفاع الكوليسترول وضغط الدم والتدخين والسمنة وقلة النشاط البدني، مؤكداً أن هذا التحول يفرض اهتماماً أكبر بالوقاية والفحص المبكر.

وأوضح أن كمية الكالسيوم الموجودة في الشريان لا تعكس دائماً شدة التضيق، فقد يحمل المريض تكلّساً شديداً من دون انسداد كبير، في حين قد يعاني آخر تضيقاً مهماً.

وأضاف أن التكلّس الشديد يجعل توسيع الشريان وتركيب الدعامة أكثر صعوبة، وقد يؤدي إلى عدم تمدد الدعامة بالشكل المطلوب أو إصابة جدار الشريان، ما يجعل الكشف المبكر والتخطيط الدقيق للعلاج أكثر أهمية.

وأكد أن بعض المرضى قد يحملون تكلّساً متقدماً من دون أعراض، فيما تعد آلام الصدر وضيق التنفس والتعب وانخفاض القدرة على المجهود من العلامات التي تستوجب الانتباه.

من جانبه، قال الدكتور هشام طايل، استشاري أمراض القلب وأخصائي أمراض القلب التداخلية، إن تكلّس الشرايين أصبح يُكتشف بصورة متزايدة لدى أشخاص أصغر سناً، نتيجة انتشار عوامل الخطورة وتحسن وسائل التصوير.

موضحا أن وجود كمية كبيرة من الكالسيوم لا يعني بالضرورة وجود انسداد حرج، كما أن بعض المرضى قد يعانون تضيقاً مهماً رغم وجود كمية أقل من التكلّس.

وأشار إلى أن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يكون التكلّس شديداً، لأنه قد يعيق توسعة الشريان وتركيب الدعامة بالشكل المطلوب، فيما يساعد الاكتشاف المبكر على السيطرة على ضغط الدم والسكري والكوليسترول والتدخين وتقليل خطر المضاعفات.

وأكد أن المرض قد يوجد من دون أعراض، وقد يُكتشف مصادفة أثناء إجراء الأشعة المقطعية، بينما تظهر أعراض ألم الصدر وضيق التنفس والتعب عندما يبدأ تدفق الدم إلى عضلة القلب بالتأثر، معتبراً أن التطور في تصوير الشرايين من الداخل وتقنيات تفتيت الكالسيوم قد وسّع فرص علاج الحالات المعقدة بالقسطرة.

وقال الدكتور تمكين كنه، استشاري أمراض القلب، إن تصلّب الشرايين قد يبدأ نتيجة لعدة عوامل متشابكة في عمر مبكر، مستعرضاً هذه العوامل والتي تتضمن انتشار السمنة والسكري وارتفاع ضغط الدم والكوليسترول والتدخين وقلة الحركة، فيما ساعد التوسع في استخدام الأشعة المقطعية على كشف مزيد من الحالات.

وأوضح أن وجود الكالسيوم في الشرايين يمثل مؤشراً إلى الحجم الإجمالي لتصلّب الشرايين، لكنه لا يعكس بالضرورة درجة الانسداد بصورة مباشرة.

وأضاف أنه كلما ارتفع عبء التكلّس ارتفع بصورة عامة خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية على المدى الطويل، ما يجعل الكشف المبكر والسيطرة على عوامل الخطورة أمراً أساسياً.

وحذر من أن استمرار المرض من دون علاج قد يقود إلى مضاعفات خطيرة مثل النوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفاة المرتبطة بأمراض القلب.

وقال الدكتور جلال بن سعيد، استشاري جراحة القلب والصدر والمتخصص في جراحات القلب طفيفة التوغل والتدخلات الهيكلية للقلب، إن ظهور التكلّسات لدى من هم دون سن 45 عاماً يُصنف ضمن التكلّس المبكر، وهو ما يعكس ارتفاع عوامل الخطورة لدى الأجيال الأصغر، وليس مجرد تطور وسائل الكشف.

وأضاف أن هذا التحول أصبح ملموساً في غرف العمليات، حيث بات الجراحون يواجهون شرايين شديدة التكلّس لدى مرضى في الأربعينيات وأحياناً أصغر، وهي حالات كانت أقل شيوعاً في السابق.

وأشار إلى أن التعامل مع هذه الحالات يتطلب تخطيطاً جراحياً أكثر دقة، وقد يدفع مستقبلاً إلى مراجعة السن المناسبة لبدء بعض الفحوص الوقائية.

خيارات علاجية

من جهته، قال الدكتور ألبرت الأحمر، استشاري طب أمراض القلب التداخلية، إن السنوات الأخيرة شهدت توسعاً في الخيارات المستخدمة للتعامل مع التكلسات الشديدة، وأوضح أن من أبرز هذه الوسائل الموجات التصادمية التي تحدث تشققات دقيقة في الكالسيوم وتساعد على تمدد الشريان، إلى جانب تقنيات التفتيت الميكانيكي والاستئصال الدوراني والمداري.

وأشار إلى استخدام الليزر التاجي في بعض الحالات، فضلاً عن وسائل تصوير دقيقة من داخل الشرايين تساعد الأطباء على تحديد سماكة التكلّس وعمقه واختيار الأداة الأنسب قبل زراعة الدعامة.

55000

مراجع لعيادة القلب في منشآت «الإمارات للخدمات الصحية» خلال 2025

2150

قسطرة قلبية سجلها مركز القلب في مستشفى القاسمي