مختصون: غياب الأعراض لا يعني غياب المرض
التاريخ المرضي في العائلة يحفز على إجراء الفحوص
الخوف من اكتشاف المرض قد يدفع البعض إلى التأجيل
بحث المريض عن المعلومات الصحية قد يساعده على مناقشة أكثر فاعلية مع الطبيب
ومع غياب الألم المستمر، تتراجع فكرة زيارة الطبيب، ويصبح الفحص مؤجلاً إلى وقت تظهر فيه مشكلة واضحة.
هذا السلوك، الذي يربط الرعاية الصحية بظهور الأعراض، يكشف فجوة بين الوعي بأهمية الوقاية وتطبيقها فعلياً، فبينما يدرك كثيرون قيمة الكشف المبكر، لا تزال زيارة الطبيب لدى البعض تبدأ من المرض، لا من الوقاية.
وتتداخل في ذلك أسباب عدة؛ من الاعتقاد بأن غياب الألم دليل على السلامة، إلى الخوف من نتائج الفحوص، مروراً بالاعتماد على البحث عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي لتفسير الأعراض قبل اتخاذ قرار بمراجعة الطبيب.
ويوضح مختصون أنه في بعض الحالات، لا تبدأ رحلة المريض مع الطبيب إلا بعد أن يصبح التغير ملحوظاً بما يكفي للتأثير في حياته.
أما لدى المصابين بمرض باركنسون، فقد تبدأ المراجعة بعد ظهور الرعشة أو تيبس العضلات أو بطء الحركة أو مشكلات التوازن، رغم أن أعراضاً أبسط قد تكون موجودة منذ سنوات.
ويتكرر المشهد مع بعض مرضى التصلب المتعدد، الذين يتذكرون لاحقاً مرورهم بنوبات من الخدر أو التنميل أو اضطرابات الرؤية أو الدوار أو الإرهاق غير المبرر، لكنهم تجاهلوها في البداية لأنها اختفت من تلقاء نفسها.
وتكمن أهمية التوقيت في أن التشخيص المبكر لا يعني دائماً إمكانية الشفاء، لكنه قد يغير مسار التعامل مع المرض.
ففي حالات مثل الزهايمر والتصلب المتعدد وباركنسون وأمراض الأوعية الدموية الدماغية، قد يمنح اكتشاف المشكلة في وقت أبكر خيارات أوسع للتدخل والمتابعة والحفاظ على استقلال المريض وجودة حياته.
عوامل وراثية
وفي هذا السياق، تؤمن المحامية ياسمين الصغير، بأن «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، وتشجع على الفحوص الدورية، لكن زيارتها للطبيب في حياتها اليومية لا تزال مرتبطة في الغالب بظهور مشكلة صحية، إذ لا تلجأ عادة إلى الفحص الشامل في غياب الأعراض.
وترى أن وجود عامل وراثي لأمراض معينة يستدعي المحافظة على دورية الفحوص، إلى جانب أهمية الحملات التوعوية النوعية في دفع الأفراد إلى الاهتمام بالكشف المبكر.
وتعتقد التميمي أن غياب الألم قد يكون في الوقت نفسه أحد الأسباب التي تدفع آخرين إلى تأجيل الفحص، إذ قد يشعر الشخص بأنه ما دام لا يعاني مشكلة واضحة فلا حاجة إلى زيارة الطبيب.
وترى أن المجتمع لا يزال يميل بصورة أكبر إلى العلاج بعد ظهور المشكلة، وأن الوقاية لا تصبح أولوية لدى البعض إلا بعد المرور بتجربة مرضية، سواء بشكل شخصي أو داخل الأسرة.
كما قد يتحول الخوف من اكتشاف المرض نفسه إلى سبب لتأجيل الفحص، رغم أن الاكتشاف المبكر يمنح فرصة أكبر للتعامل مع المشكلة.
الهاتف أولى المحطات
ولا ترى مينون مشكلة في بحث المريض عن المعلومات الصحية، بل إن المعرفة قد تساعده على خوض نقاش أكثر فاعلية مع طبيبه، إلا أن الخطورة تبدأ عندما تتحول المعلومة إلى تشخيص ذاتي.
وأوضحت أن العارض الواحد قد يرتبط بأسباب متعددة، تبدأ بحالة بسيطة وقد تصل إلى مشكلة تحتاج إلى تدخل طبي، بينما لا تستطيع أداة البحث أو الذكاء الاصطناعي فحص المريض أو قياس مؤشراته الحيوية أو تقييم حالته العامة والسياق السريري الكامل.
وقد يقود البحث في اتجاهين متناقضين؛ الأول تضخيم القلق بعد ربط عرض بسيط بأمراض خطيرة، والثاني أكثر خطورة حين يمنح الشخص شعوراً زائفاً بالاطمئنان، فيجد تفسيراً يراه مناسباً لأعراضه ويقرر أن زيارة الطبيب ليست ضرورية.
ويمتد الأمر إلى المضادات الحيوية، إذ قد يفترض البعض أن السعال أو التهاب الحلق أو الحمى تعني بالضرورة وجود عدوى بكتيرية، ما قد يقود إلى استخدامها من دون حاجة، بما يحمله ذلك من آثار جانبية ومخاطر مرتبطة بمقاومة مضادات الميكروبات.
الفارق يكمن في معرفة العلامات التي لا ينبغي تجاهلها، والفحوص المناسبة للعمر والحالة الصحية والتاريخ العائلي وعوامل الخطورة.
وتحذر مينون من محاولة تفسير بعض الأعراض ذاتياً عبر الإنترنت، وفي مقدمتها الألم المفاجئ أو الشديد في الصدر، وصعوبة التنفس، والضعف أو الخدر المفاجئ في أحد جانبي الجسم، وتدلي الوجه أو صعوبة الكلام، وفقدان الوعي أو التشنجات، والصداع المفاجئ والشديد وغير المعتاد، والنزيف الشديد، والتفاعل التحسسي المصحوب بصعوبة في التنفس.
الذكاء الاصطناعي يدعم تقييم المخاطر الصحية
برامج
كما يمتد توجه هيئة الصحة بدبي نحو الوقاية إلى توظيف التقنيات الحديثة، من خلال برنامج «إجادة»، الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد أفراد المجتمع الأكثر عرضة للإصابة بالأمراض قبل حدوثها، بما يتيح التدخل المبكر وتقليل المضاعفات، ويسهم في الحد من الإصابة بالأمراض المزمنة وتعزيز جودة الحياة.
وتقدم خدمات البرنامج من خلال مراكز فحص ثابتة، إلى جانب وحدات متنقلة تصل إلى الجهات الحكومية ومقار العمل والمواقع المجتمعية، بما يجعل خدمات الوقاية أكثر قرباً من أفراد المجتمع، ويسهم في دمج الفحص الدوري ضمن أنماط الحياة اليومية.

