كشفت تجربة طبيبة بإحدى المستشفيات جانباً مختلفاً من معاناة المصابين بمرض الذئبة الحمراء، بعدما وجدت نفسها في مواجهة المرض من موقعين متناقضين، طبيبة تعالج المرضى، ومريضة تتلقى الرعاية داخل الممرات نفسها التي اعتادت العمل فيها.
وعن تجربتها تقول الدكتورة إيناس مصطفى، إن تشخيصها بالذئبة الحمراء غيّر نظرتها إلى المرضى وطريقة استماعها إلى شكاواهم، مضيفة: «إنه مرض غير مرئي، قد تبدو بخير من الخارج.
لكنك تشعر بشيء مختلف تماماً في الداخل، وكوني طبيبة ومريضة في المكان نفسه، غيّر الأمر طريقة استماعي للمرضى، وأدركت أن الأعراض البسيطة قد تعني شيئاً أكبر».
ورغم ساعات العمل الطويلة وطبيعة المهنة المرهقة، تواصل الدكتورة إيناس رحلتها داخل المستشفى، بين مسؤولياتها المهنية والمتابعة الطبية المستمرة، في تجربة تعكس أن المصابين بالذئبة الحمراء قادرون على مواصلة حياتهم وعملهم متى توفرت لهم الرعاية المناسبة والوعي الكافي بطبيعة الأعراض.
تنوع الأعراض
وأكد أطباء أن الذئبة الحمراء، التي تُعرف طبياً باسم «مرض الألف وجه»، تعد من أكثر أمراض المناعة الذاتية تعقيداً وغموضاً، بسبب تنوع أعراضها وتشابهها مع أمراض أخرى، مشددين على أن اكتشاف المرض مبكراً والالتزام بالعلاج يسهمان في الحد من مضاعفاته وتحسين جودة حياة المصابين.
وقالوا، تزامناً مع اليوم العالمي للذئبة الحمراء في مايو من كل عام، إن المرض يحدث عندما يهاجم الجهاز المناعي أنسجة وأعضاء الجسم السليمة عن طريق الخطأ، ما قد يؤدي إلى التهابات تصيب الجلد والمفاصل والكلى والقلب والرئتين، لافتين إلى أن أعراضاً قد تبدو متفرقة أو عابرة قد تكون مؤشراً على مرض مناعي مزمن يحتاج إلى تقييم متخصص.
وأوضح الأطباء أن أسباب الإصابة لا تزال غير معروفة بدقة، إلا أنها تعد مثالاً واضحاً لأمراض المناعة الذاتية، حيث ينتج الجهاز المناعي أجساماً مضادة تهاجم خلايا الجسم بدلاً من حمايته من الميكروبات والعوامل الخارجية.
وأكدوا أن التعامل مع المرض لا يقتصر على العلاج الدوائي، بل يتطلب التشخيص المبكر، والمتابعة الطبية المنتظمة، والتثقيف الصحي، والدعم النفسي والاجتماعي، بما يساعد المرضى على التعايش مع المرض وتقليل تأثيره في حياتهم اليومية.
الجهاز المناعي
وشدد الأطباء على عدم تجاهل الأعراض المتكررة، مثل الإرهاق غير المبرر، وآلام المفاصل، والطفح الجلدي، وارتفاع الحرارة، خاصة إذا تكررت أو ترافق ظهورها مع أعراض أخرى.
وقالت الدكتورة رويدا حمدي عبدو، استشارية أمراض الروماتيزم، إن الذئبة الحمراء من الأمراض المناعية المزمنة التي يهاجم فيها الجهاز المناعي أنسجة الجسم السليمة بدلاً من حمايتها، وقد تؤثر في أعضاء عدة مثل الجلد والمفاصل والكلى والقلب، ما يجعل تشخيصها وعلاجها تحدياً للمريض والطبيب معاً.
وأضافت أن المرضى يعانون أعراضاً متعددة تختلف من شخص إلى آخر، أبرزها التعب الشديد، وآلام المفاصل، والطفح الجلدي، وارتفاع درجات الحرارة، مشيرة إلى أن التحديات النفسية والاجتماعية المرتبطة بالمرض لا تقل أهمية عن التحديات الصحية، نظراً لطبيعته المزمنة وتقلب الأعراض بين فترات هدوء وانتكاسات مفاجئة.
وأشارت إلى أن العلاج يعتمد على أدوية تقلل نشاط الجهاز المناعي وتسيطر على الالتهابات، إلى جانب المتابعة الطبية واتباع نمط حياة صحي يشمل التغذية المتوازنة، والنوم الكافي، وتجنب التوتر والتعرض المباشر لأشعة الشمس.
صورة واضحة
وقال الدكتور أزهر عبدالله، استشاري أمراض الروماتيزم، إن المرض نادراً ما يظهر بصورة واضحة ومباشرة، بل يبدأ غالباً بأعراض متقلبة قد تبدو بسيطة، مثل التعب أو آلام المفاصل أو الطفح الجلدي، وهي أعراض قد يتم تجاهلها بسهولة.
وأضاف أن التحدي الحقيقي يكمن في التمييز بين الأعراض العابرة وتلك التي تشير إلى نشاط المرض، موضحاً أن المتابعة المستمرة مع الأطباء المختصين تمثل أحد أهم عناصر السيطرة على الذئبة الحمراء والحد من مضاعفاتها.
وفي جانب يتعلق بصحة المرأة، قال الدكتور أحمد علي، أخصائي أمراض النساء والتوليد، إن الحمل لدى مريضات الذئبة الحمراء يتطلب تخطيطاً مسبقاً ومتابعة دقيقة، نظراً إلى أن المرض قد يزيد في بعض الحالات من احتمالية حدوث مضاعفات مثل ارتفاع ضغط الدم أو الولادة المبكرة أو تأثر نمو الجنين.
وأوضح أن استقرار الحالة المرضية قبل الحمل، والمتابعة المشتركة بين طبيب الروماتيزم وطبيب النساء والتوليد، يسهمان في تمكين كثير من السيدات المصابات من إتمام حمل صحي وآمن والإنجاب بصورة طبيعية.
وأكد أهمية عدم إيقاف الأدوية أو التخطيط للحمل من دون استشارة طبية متخصصة، لضمان سلامة الأم والجنين وتجنب أي مضاعفات محتملة، مشدداً على أن الوعي والمتابعة المنتظمة يمثلان جزءاً أساسياً من السيطرة على المرض والتعايش معه.
