«إجهاد العين الرقمي» و«الرقبة التقنية».. أخطار صحية جديدة تفرضها التكنولوجيا على الأطفال

وليد العمر
وليد العمر

اضطرابات نفسية وإجهاد بصري وسمنة.. تداعيات قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات

حوار أسري ورقابة أبوية ونشاط بدني.. خطوات محورية للحد من المخاطر الرقمية

حذّر أطباء متخصصون من أن الاستخدام المفرط لمنصات التواصل الاجتماعي والأجهزة اللوحية من قبل الأطفال دون سن 16 عاماً بات يشكل تهديداً حقيقياً لصحتهم النفسية والجسدية، مؤكدين أن المسألة لم تعد مجرد «سوء إدارة للوقت»، بل أزمة صحية متكاملة، قد تترك آثاراً طويلة الأمد على الدماغ والسلوك والهوية وجودة الحياة مستقبلاً.

وأوضحوا أن التعرض المكثف والمتكرر للمحتوى الرقمي، خاصة عبر المنصات سريعة الإيقاع، يبرمج دماغ الطفل على البحث عن المكافأة الفورية، ويضعف قدرته على التركيز والمثابرة، ويرفع احتمالية القلق والاكتئاب وتشوه صورة الذات، في وقت تتسارع فيه معدلات اضطرابات النوم، وإجهاد العين الرقمي، وقصر النظر، وآلام الرقبة والظهر المرتبطة بما يعرف بـ«الرقبة التقنية».

وأشاروا إلى أن قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات يحرم الأطفال من النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي الواقعي، ما يزيد مخاطر السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي، ويعزز العزلة الاجتماعية، ويضعف مهارات التواصل العاطفي، مؤكدين أن بعض الحالات قد تتطلب تدخلاً نفسياً متخصصاً عندما تبدأ التأثيرات بالانعكاس على الأداء الدراسي والاستقرار المزاجي.

وشددوا على أن الحل لا يكمن في العزل الرقمي الكامل، بل في تبني نهج وقائي صارم ومنظم يشمل تحديد أوقات يومية واضحة للشاشات، وحظر استخدامها قبل النوم، وإبعاد الأجهزة عن غرف الأطفال، وتعزيز الأنشطة البدنية والهواء الطلق، وتفعيل أدوات الرقابة الأبوية، إلى جانب حوار أسري واعٍ ومستمر حول طبيعة المحتوى.

وأكدوا أن الوقاية المبكرة والتدخل المنظم ليسا خياراً تربوياً فحسب، بل ضرورة صحية لحماية أدمغة ما زالت في طور النمو وضمان نشوء جيل يتمتع بتوازن نفسي وجسدي مستدام.

تأثيرات نفسية وسلوكية

وقالت الدكتورة رحاب يوسف السعدي، أخصائية طب الأسرة، إن التأثيرات النفسية والسلوكية تُعد من أخطر تداعيات الاستخدام المفرط للشاشات، موضحة أن التعرض المستمر لمنصات التواصل يضع الأطفال والمراهقين في دائرة مقارنات اجتماعية غير واقعية، ما قد يرسخ شعوراً بعدم الرضا عن الذات ويزيد احتمالية القلق والاكتئاب، خصوصاً لدى الفئات الأكثر حساسية.

وأشارت إلى أن الإيقاع السريع للمحتوى الرقمي يبرمج الدماغ على البحث عن المكافأة الفورية، ما يضعف القدرة على التركيز والمثابرة وينعكس مباشرة على الأداء الدراسي.

كما حذرت من تأثير الضوء الأزرق في تثبيط إفراز هرمون الميلاتونين، الأمر الذي يؤدي إلى اضطرابات النوم والإرهاق الصباحي وتقلب المزاج.

وأضافت، أن الإفراط في استخدام الشاشات قد يؤدي إلى عزلة اجتماعية فعلية رغم كثافة التواصل الافتراضي، ويحد من تنمية المهارات العاطفية.

وعلى الصعيد الجسدي، يرتبط الاستخدام المطول بإجهاد العين، وجفافها، والصداع، وقصر النظر، فضلاً عن آلام الرقبة والظهر الناتجة عن «متلازمة الرقبة التقنية». كما يسهم تقليص النشاط البدني في زيادة الوزن واضطرابات التمثيل الغذائي، خاصة مع شيوع تناول الطعام أثناء المشاهدة.

وأكدت أن الخطورة لا ترتبط بعدد الساعات فقط، بل بنوع المحتوى، وعمر الطفل، وغياب الرقابة، واستخدام الأجهزة قبل النوم.

ودعت إلى تنظيم أوقات الاستخدام، ومنع الشاشات قبل النوم بساعة على الأقل، ووضع الأجهزة خارج غرف الأطفال، وتعزيز النشاط البدني والحوار الأسري الواعي، مشددة على أن الهدف هو تحقيق توازن صحي يحمي النمو العصبي والجسدي للطفل.

أبعاد نفسية عميقة

وأوضح الدكتور وليد العمر، أخصائي الطب النفسي، أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل والأجهزة اللوحية خلال الطفولة قد يترك أثراً واضحاً في الصحة العاطفية والنمو النفسي، نظراً لأن الدماغ في هذه المرحلة لا يزال في طور التشكل، لا سيما المناطق المسؤولة عن تنظيم الانفعالات والمهارات الاجتماعية.

وأشار إلى أن التعرض المطول للمحتوى الرقمي السريع قد يقلص مدى الانتباه ويزيد اضطرابات النوم والتوتر، كما يعرض الأطفال لمقارنات غير واقعية وتنمر إلكتروني وضغوط اجتماعية قد ترفع احتمالية القلق وتدني المزاج وضعف تقدير الذات.

وأضاف أن الإفراط بمتابعة الشاشات قد يحل محل التفاعل المباشر واللعب والنشاط الأسري، وهي عناصر أساسية لنمو نفسي متوازن، مشدداً على أهمية وضع حدود واضحة للاستخدام وتشجيع الأنشطة الواقعية والحفاظ على حوار مفتوح مع الأطفال حول تجاربهم الرقمية.

إجهاد العين الرقمي

وتطرقت الدكتورة طاهرة رضائي، أخصائية طب العيون، إلى التأثيرات البصرية للاستخدام المفرط للشاشات، مؤكدة أن قضاء وقت طويل أمام الأجهزة يفرض ضغطاً مستمراً على الجهاز البصري، خصوصاً مع ميل الأطفال إلى تقريب الأجهزة من أعينهم والتركيز لفترات طويلة دون انقطاع، ما يؤدي إلى إجهاد العين الرقمي، والصداع، وتشوش الرؤية، وجفاف العين نتيجة انخفاض معدل الرمش.

وأشارت إلى الارتفاع المتزايد في معدلات قصر النظر لدى الأطفال، موضحة أن العمل عن قرب لفترات طويلة، إلى جانب قلة الأنشطة الخارجية، يرتبط بتسارع تطوره، وقد يرفع خطر الإصابة بمشكلات بصرية أكثر خطورة مستقبلاً.

وأكدت أهمية تبني نهج وقائي يشمل فترات راحة بصرية منتظمة، وإضاءة مناسبة، وتشجيع الأنشطة الخارجية، والامتناع عن استخدام الشاشات قبل النوم بساعة على الأقل.

وأكدت الدكتورة نانديني سانكارانارايانان، طبيبة عيون متخصصة، تزايد أعراض ما يعرف بإجهاد العين الرقمي لدى الأطفال الذين يقضون فترات طويلة في استخدام الأجهزة الرقمية، مشيرة إلى أن الشكاوى الأكثر شيوعاً تشمل الصداع، وجفاف العين أو تهيجها، وتشوش الرؤية، وصعوبة الحفاظ على التركيز لفترات ممتدة.

وبينت أن انخفاض معدل الرمش أثناء التركيز على الشاشات يفاقم جفاف العين ويزيد الشعور بعدم الارتياح، لافتة إلى أن قلة التعرض للضوء الطبيعي قد تسهم في ارتفاع معدلات قصر النظر.

وشددت على أن توفير إضاءة مناسبة، والحفاظ على مسافة مشاهدة صحيحة، وتقنين وقت الاستخدام الترفيهي، إلى جانب تشجيع الأنشطة الخارجية، جميعها عوامل تدعم صحة البصر على المدى الطويل.

واستعرض الدكتور سيداهارث أرورا، استشاري جراحة العظام واختصاصي طب الأطفال – صحة العمود الفقري والسمنة، المخاطر الجسدية المرتبطة بالجلوس لفترات طويلة واعتماد وضعيات غير صحية أثناء استخدام الأجهزة. وأوضح أن انحناء الرأس المتكرر إلى الأمام يضع ضغطاً مستمراً على الفقرات العنقية والعضلات المحيطة، ما قد يؤدي إلى آلام الرقبة وأعلى الظهر وظهور تغيرات مبكرة في القوام.

وأضاف أن قلة الحركة الناتجة عن طول الجلوس تقلل من معدلات النشاط البدني، ما يزيد احتمالية السمنة وتراجع اللياقة القلبية الوعائية، ويرتبط بتحديات صحية طويلة الأمد تشمل الضغط على المفاصل واضطرابات التمثيل الغذائي وتأثيرات نفسية محتملة.

وأكد أن تعزيز التوازن عبر الحركة المنتظمة والأنشطة البدنية واستخدام مقاعد مناسبة والحد من فترات الاستخدام المتواصلة يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً في صحة الطفل.

ومن جانبه، أكد الدكتور شاجو جورج، أخصائي الطب النفسي، أن الإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لدى الأطفال يتجاوز كونه عادة يومية، إذ قد يترك آثاراً نفسية عميقة تمس تنظيم المشاعر ودائرة المكافأة في الدماغ وتكوين الهوية خلال مراحل النمو الحساسة.

وأوضح أن التعرض المستمر لأنماط الحياة المثالية على المنصات الرقمية يعزز المقارنة الاجتماعية، ويجعل الأطفال والمراهقين أكثر عرضة لحزن مستمر وحساسية مفرطة تجاه التفاعل الرقمي، فضلاً عن فقدان الاهتمام بالأنشطة الواقعية. كما بين أن الاستخدام المفرط يرتبط باضطرابات القلق، والخوف من تفويت الأحداث، وفرط اليقظة للإشعارات، ما يمنع الدماغ من الدخول في حالة راحة حقيقية.

وأشار إلى أن اضطراب النوم الناتج عن الاستخدام الليلي يرتبط بعدم استقرار المزاج وضعف القدرات الإدراكية وزيادة قابلية الاكتئاب، محذراً من أن التعرض المكثف قد يسهم في تشوه صورة الذات والاعتماد المفرط على التقدير الرقمي.

ولفت إلى وجود علامات تستدعي التقييم النفسي، مثل الانطواء، والتراجع الدراسي، والتهيج الشديد عند تقييد الأجهزة، أو ظهور أفكار إيذاء النفس، مؤكداً أن التدخل يصبح ضرورة عندما يبدأ الاستخدام بالتأثير على الأداء المدرسي والحياة الأسرية.

وأوصى بوضع حدود رقمية واضحة، ومنع الشاشات في غرف النوم، وتخصيص أوقات عائلية خالية من الأجهزة، مع مراقبة التغيرات المزاجية المبكرة.