كما أراده مؤسسه، واتسعت إنجازاته ومكانته وطموحاته، فيما بقيت ملامح زايد حاضرة في شخصيته، في الشهامة والهيبة والإنسانية وفي الحكمة والعزيمة والطموح، وفي الرحمة والعطاء والكرم ومحبة البشر، وفي الإيمان بأن بناء الدولة يبدأ بالإنسان ويستمر به.
وتمتلك بنية تحتية متقدمة واقتصاداً متنوعاً، وتمضي بطموحاتها العلمية إلى الفضاء والمريخ، وتستثمر في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا وقطاعات المستقبل، فيما ظل الإنسان محور هذه المسيرة وغايتها، وبقيت قيم العطاء والشهامة والتسامح والكرم حاضرة في نهج الدولة ومواقفها، بالتوازي مع اتساع منجزاتها ومكانتها وحضورها العالمي.
أو مشروعاً يكتمل بتأسيس المؤسسات وتوفير الخدمات، بل مسيرة طويلة تبدأ ببناء الإنسان وتمكينه، وتمتد إلى استثمار الموارد في التعليم والصحة والعمران والتنمية، وتأسيس قاعدة قادرة على حمل طموحات الأجيال المتعاقبة ومواصلة التقدم نحو آفاق أوسع.
فكانت الأولويات واضحة، ارتكزت على بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمساكن، وربط المناطق وتأسيس المؤسسات والتشريعات، وتحسين حياة الناس، واستثمار الثروة في صناعة مستقبل لا ينتهي بانتهاء مورد أو جيل.
ومن تلك البدايات، أخذت الإمارات تتغير بسرعة، لكن التغيير لم يكن مجرد توسع عمراني، كانت الدولة تبني في الوقت ذاته المؤسسات والإنسان والاقتصاد، وتفتح أبوابها للعالم، وتؤسس لعلاقة مختلفة بين التنمية ونوعية الحياة، حتى تحولت خلال عقود قليلة إلى مركز اقتصادي وتجاري ومالي وسياحي ولوجستي وعلمي، وموطن لملايين الأشخاص من ثقافات وجنسيات مختلفة.
فالتحول الذي شهدته الإمارات لم يجعلها أكبر اقتصادياً وعمرانياً فقط، وإنما وسع قدرتها على استيعاب العالم داخل مدنها ومجتمعها واقتصادها، لتصبح بيئة للعيش والعمل والاستثمار والتعليم وصناعة الفرص.
وجاءت ضمن العشرة الأوائل في 118 مؤشراً، والخمسة الأوائل في 67 مؤشراً، وتصدرت 21 مؤشراً شملت قدرة السياسات الحكومية على التكيف والتوظيف وتوافر الخبرات العالمية وجودة النقل الجوي.
فيما جاءت رابعة عالمياً في كفاءة الحكومة واستثمار الشركات في الذكاء الاصطناعي والإطار القانوني والتنظيمي، كما حافظت على المركز الأول عالمياً للعام الخامس على التوالي في تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال «GEM»، وتصدرت الاقتصادات مرتفعة الدخل في 8 مؤشرات مرتبطة ببيئة ريادة الأعمال.
وامتد الحضور المتقدم إلى مؤشرات القوة والجاذبية والاستقرار، إذ حافظت الإمارات على موقعها ضمن أقوى عشر دول عالمياً في مؤشر القوة الناعمة الصادر عن «براند فاينانس»، ودخلت للمرة الأولى قائمة أفضل عشر وجهات استثمارية عالمياً.
كما تصدرت مؤشر الأمان لعام 2026 وفق «نومبيو»، وحافظت أبوظبي على صدارة مدن العالم الأكثر أماناً للعام العاشر على التوالي، وجاءت الإمارات الأولى عالمياً في الثقة بالحكومات وفق «إدلمان للثقة»، وتصدرت دول العالم في استقطاب الأثرياء وفق تقرير «هينلي» لعام 2026، محققة 85.3 نقطة من 100 في مؤشر تنافسية تنقل الثروات.
وواصلت القيادة الرشيدة حمل رايته والبناء عليها، عبر تراكم متواصل من الإنجازات بدأ بتأسيس مؤسسات الدولة وسن التشريعات والاستثمار في التعليم والبنية التحتية، واتسع مع تنويع الاقتصاد واستقطاب المعرفة والكفاءات وتبني التكنولوجيا، وصولاً إلى منظومة جعلت التنافسية والريادة مساراً مستمراً يتجدد مع كل مرحلة من مراحل تطور الدولة.
اختصار المسافات
ومن طرق محدودة تربط التجمعات السكانية، نشأت شبكة حديثة من الطرق والجسور والمطارات والموانئ وشبكات الطاقة والاتصالات، وأصبحت البنية التحتية إحدى نقاط القوة التي تحمل الاقتصاد وتربط الإمارات بمراكز التجارة والأسواق العالمية.
بل امتد إلى البنية الرقمية ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات والمنصات الحكومية الذكية والقدرات التقنية، لتصبح البنية الحديثة منظومة متكاملة تجمع بين ما يبنى على الأرض وما يدعم التحول في الفضاء الرقمي.ومن البنية التي حملت نمو الدولة إلى الإنسان الذي حمل طموحاتها، شكل التعليم أحد أهم مرتكزات هذه المسيرة منذ سنوات التأسيس.
وهو ما يستحضره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين يذكر أن الشيخ زايد كان الأول في «نشر المدارس في ربوع وطننا»، وبين تلك المدارس التي وضعت اللبنات الأولى لبناء أجيال متعلمة، ووصول أبناء الإمارات ومشروعاتها العلمية إلى الفضاء، تتجسد واحدة من أبرز صور التحول الذي صنعه الاستثمار المتواصل في الإنسان والمعرفة.
علوم الفضاء
ومع دخول «مسبار الأمل» مدار المريخ في 9 فبراير 2021، حلت الإمارات خامس دولة في التاريخ تصل إلى مدار الكوكب الأحمر، وأول دولة تحقق ذلك بنجاح من محاولتها الأولى، فيما شكلت المهمة أول مشروع عربي وإسلامي لاستكشاف كوكب آخر.
ويغطي نحو خمسة مليارات كيلومتر خلال رحلة تمتد لسنوات، بمشاركة فريق وطني يضم كفاءات من مؤسسات علمية وبحثية إماراتية متعددة، في امتداد لمسار انتقلت فيه الإمارات من الوصول إلى الفضاء إلى بناء المعرفة والخبرة اللازمتين لاستكشافه.
وفي قلب هذا التطور، ظل الإنسان المشروع الأكبر والغاية التي تتقدم معها الدولة، وهو ما اختصره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بقوله: «زايد بنى دولة.. وبنى إنساناً.. وصنع رابطاً عميقاً بين الإنسان والوطن».
ومن استيراد المعرفة إلى إنتاجها، ولهذا يقف الإماراتي اليوم في مواقع علمية وتقنية واقتصادية ودبلوماسية وعسكرية وفضائية لم تكن موجودة عند قيام الاتحاد، فيما أصبح الاستثمار في الكفاءات الوطنية محوراً للمشروعات الكبرى التي تدخلها الدولة.
وفي خضم النمو والإنجازات لم تترك الإمارات التي كبرت اقتصاداً وعلماً وعمراناً خلفها منظومة القيم التي قامت عليها، ولهذا جاءت عبارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم واضحة: «تشبهك في شهامتك... وهيبتك.. وإنسانيتك».
ومنذ تأسيس الدولة ارتبط اسم الإمارات بالمساعدات الخارجية والعمل الإنساني، فيما تعود مأسسة هذا النهج إلى عام 1971 نفسه، حين أُسس صندوق أبوظبي للتنمية، لتسير يد البناء داخل الدولة بالتوازي مع يد تمتد إلى خارجها لدعم التنمية وتحسين حياة المجتمعات المحتاجة، وهو ما جعل الدولة تتصدر في سنوات سابقة المؤشرات العالمية للمساعدات قياساً إلى الدخل القومي الإجمالي.
وتؤكد السياسة الإماراتية للمساعدات الخارجية أن هدفها يتجاوز الاستجابة الآنية إلى خفض الفقر، ودعم السلام والازدهار، وتحسين الخدمات الأساسية ونوعية الحياة في المجتمعات المستفيدة، مع اهتمام خاص بالنساء والأطفال والمتضررين من الكوارث والنزاعات.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الإمارات وطناً لملايين المقيمين من مختلف الجنسيات والثقافات، يعملون ويعيشون جنباً إلى جنب، في مجتمع تشكل التنوع فيه بالتوازي مع النمو الاقتصادي.

