فمن جهة، تمثل ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا وقوة صناعية وتكنولوجية عالمية تتميز بقدرات متقدمة في مجالات التصنيع والهندسة والآلات والسيارات والكيماويات والطاقة والتكنولوجيا والبحث والتطوير.
، ومن جهة أخرى، تمثل الإمارات مركزاً تجارياً ومالياً ولوجستياً رئيساً في الشرق الأوسط، وبوابة إلى أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا.
فضلاً عن امتلاكها قدرات استثمارية وصناديق سيادية ومشروعات طموحة في الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لا سيما إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتحول نحو الطاقة منخفضة الكربون.
وتزايد أهمية الأمن الاقتصادي، ورغبة ألمانيا في تنويع مصادر الطاقة والاستثمار، وسعي الإمارات إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط وتعزيز موقعها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار.
وفي المقابل، تنظر الشركات الألمانية إلى الإمارات باعتبارها قاعدة إقليمية تسمح لها بالوصول ليس فقط إلى السوق الإماراتية، وإنما أيضاً إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.
وقد ارتفع عدد الشركات الألمانية العاملة في الإمارات خلال العام الماضي بنسبة 35% مقارنة بعام 2024، أما خلال العام الجاري فقد بلغ إجمالي عدد الشركات الألمانية في الإمارات بنهاية مايو الماضي 7685 شركة، في حين بلغ عدد العلامات التجارية الألمانية المسجلة 20842 علامة.
تبادلات السلع
وفي المقابل سجلت الواردات الألمانية من الإمارات 5.59 مليارات يورو في 2023، ثم 1.89 مليار يورو في 2024، ثم استقرت تقريباً عند 1.87 مليار يورو في 2025. وتتركز الصادرات الألمانية التقليدية في مجموعة واسعة من المنتجات الصناعية والتكنولوجية، منها الآلات والمعدات.
والسيارات وقطع الغيار، والمعدات الكهربائية والإلكترونية، والمنتجات الكيميائية والصيدلانية، والأجهزة الطبية، ومعدات الطاقة، والمنتجات الهندسية عالية القيمة.
ويتمتع هذا النوع من التجارة بميزة مهمة بالنسبة للإمارات، لأنه يدعم عملية التحول الصناعي ونقل التكنولوجيا ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية والخدمية.
تجارة الخدمات
بينما بلغت واردات ألمانيا من الخدمات من الإمارات نحو 4.34 مليارات يورو في 2024، و4.37 مليارات يورو في 2025.
وتشمل مجالات الخدمات ذات الصلة بالعلاقات الثنائية الخدمات المالية، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والاستشارات الهندسية، والخدمات المهنية، والاتصالات، والخدمات الرقمية.
وفي المقابل، تستطيع الشركات الإماراتية استخدام ألمانيا بوابة إلى السوق الأوروبية والاستفادة من قدراتها في الخدمات الهندسية والتقنية والمالية والبحث العلمي.
استثمارات متبادلة
وفي الاتجاه المقابل بلغ رصيد الاستثمارات الإماراتية المباشرة في ألمانيا نحو 1.549 مليار يورو في 2023، بعد 1.215 مليار يورو في 2022.
وتوضح هذه الأرقام أن تدفقات رأس المال ليست في اتجاه واحد، فهناك حضور ألماني قوي في الإمارات، وفي الوقت ذاته تزداد أهمية رأس المال الإماراتي في الاقتصاد الألماني.
وتستفيد الشركات الألمانية من موقع الإمارات ومن بنيتها التحتية ومن قدرتها على الوصول إلى الأسواق الإقليمية.
أما الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا، فقد أخذت خلال السنوات الأخيرة طابعاً استراتيجياً أكثر وضوحاً، لا سيما في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا.
وأصبحت من أبرز الأمثلة الحديثة على انتقال رأس المال الإماراتي إلى قطاع صناعي ألماني استراتيجي. وأعلنت «أدنوك» في فبراير 2026 أن «إكس آر جي» أكملت في ديسمبر 2025 عرض الاستحواذ العام الطوعي على «كوفيسترو».
وتكتسب هذه الصفقة أهمية تتجاوز قيمتها المالية، فهي تمثل نموذجاً جديداً للاستثمار الإماراتي في الصناعة الألمانية، وتجمع بين رأس المال الإماراتي والتكنولوجيا والخبرة الصناعية الألمانية.
قطاع الطاقة
وفي فبراير 2026، أعلنت «أدنوك» وشركة «آر دبليو إي» الألمانية عن اتفاق للتعاون في استكشاف فرص توريد الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا والأسواق الأوروبية بكميات تصل إلى مليون طن متري سنوياً ولمدة تصل إلى عشر سنوات، مع بحث التعاون في تجارة الغاز وقدرات إعادة التغويز وغيرها من مجالات سلسلة القيمة.
كما اتفقت «مصدر» و«آر دبليو إي» على مذكرة تفاهم لتحديد فرص الاستثمار في مشروعات تخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا.
ويكتسب هذا التعاون أهمية استراتيجية، إذ إن العلاقة لم تعد قائمة فقط على بيع الطاقة، وإنما أصبحت تشمل الاستثمار المشترك في البنية التحتية للطاقة وتخزينها والتحول إلى مصادر منخفضة الكربون.
كما تمثل دولة الإمارات شريكاً مهماً لألمانيا في تطوير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وهي مجالات يمكن أن تشهد توسعاً كبيراً خلال السنوات القادمة.
صناعة وأمن غذائي
بينما تمتلك الإمارات قدرة قوية على تمويل المشروعات واستقطاب الشركات وتوفير بنية تحتية متقدمة وبيئة تجارية مرنة.
كما أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة أهمية بناء مشروعات اقتصادية ملموسة لتعزيز تدفقات الاستثمار الثنائية، حيث تتيح هذه المجالات فرصة للانتقال بالعلاقة من مجرد «تجارة منتجات» إلى «إنتاج مشترك وتطوير مشترك للتكنولوجيا».
وفي الجهة الأخرى تمتلك ألمانيا تقنيات متقدمة في الهندسة الزراعية والأغذية والتصنيع الغذائي. ففي نوفمبر 2025، ناقشت الحكومتان فرص التعاون في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والنقل والتكنولوجيا والاقتصاد الجديد، إلى جانب السياحة وريادة الأعمال.
فرص النمو
حيث من المرجح أن يصبح الهيدروجين الأخضر ومشتقاته أحد أهم مجالات التعاون، خصوصاً مع احتياجات الصناعة الألمانية إلى مصادر طاقة منخفضة الكربون.
بينما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية يمكنها استخدام الذكاء الاصطناعي في التصنيع والخدمات اللوجستية والسيارات والطاقة.
كذلك يمكن أن تتوسع الاستثمارات المشتركة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مراكز البيانات والحوسبة عالية الأداء.
أيضاً يمكن للمؤسسات المالية الإماراتية والألمانية زيادة التعاون في تمويل التجارة والاستثمار والمشروعات المستدامة. وكذلك يمكن للشركات الألمانية توفير التكنولوجيا والمعدات والحلول الزراعية، بينما توفر الإمارات رأس المال والمنصات اللوجستية والأسواق.
آليات لتعميق الشراكة
إنشاء برامج استثمار مشتركة موجهة إلى القطاعات المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والهيدروجين والصناعات المتقدمة.
كذلك من بين الآليات العمل على تشجيع الشركات الألمانية المتوسطة والصغيرة على دخول السوق الإماراتية، باعتبارها من أهم مكونات الاقتصاد الألماني، وكذلك مساعدة الشركات الإماراتية الصغيرة والمتوسطة على دخول السوق الألمانية والأوروبية من خلال برامج تسهيل وتمويل وتدريب.
ومن بين الآليات الاستفادة من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات لتطوير إطار أكثر وضوحاً للتجارة الرقمية والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، واستخدام المعارض والمنتديات الاقتصادية، مثل «جيتكس» و«إنفستوبيا» وغيرها، لربط الشركات والمستثمرين من الجانبين.
وقد دخلت مؤسسات ألمانية كبرى مثل «دويتشه بنك» في شراكات مرتبطة بمنظومة «إنفستوبيا»، بما يعكس اتساع التعاون الاقتصادي خارج نطاق التجارة التقليدية.
ختاماً، يمكن القول إن العلاقات التجارية والاستثمارية بين الإمارات وألمانيا تمثل نموذجاً متقدماً للشراكات الاقتصادية بين دولة خليجية ذات ثقل عالمي، وقوة صناعية أوروبية لها تاريخ بارز.
وقد انتقلت هذه العلاقة خلال العقود الماضية من التركيز على التجارة في السلع إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاستثمار والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات والسياحة والنقل والأمن الغذائي.
كما أن مستقبل هذه العلاقة يبدو مرشحاً لمزيد من التوسع، خصوصاً في قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين والذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة والخدمات الرقمية واللوجستيات.

