13.26 مليار يورو تبادلات تجارية بين الإمارات وألمانيا في 2025

دبي - القسم الاقتصادي

تحتل العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وألمانيا مكانة متقدمة، نتيجة تلاقي مجموعة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية بين البلدين.

فمن جهة، تمثل ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا وقوة صناعية وتكنولوجية عالمية تتميز بقدرات متقدمة في مجالات التصنيع والهندسة والآلات والسيارات والكيماويات والطاقة والتكنولوجيا والبحث والتطوير.

، ومن جهة أخرى، تمثل الإمارات مركزاً تجارياً ومالياً ولوجستياً رئيساً في الشرق الأوسط، وبوابة إلى أسواق الخليج وآسيا وأفريقيا.

فضلاً عن امتلاكها قدرات استثمارية وصناديق سيادية ومشروعات طموحة في الطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والاقتصاد الرقمي.

وقد تطورت العلاقات الاقتصادية بين البلدين من نموذج تقليدي يقوم على التجارة في السلع والاستثمارات المباشرة، إلى نموذج أكثر اتساعاً يشمل الطاقة والهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والاقتصاد الرقمي والخدمات اللوجستية والسياحة والأمن الغذائي والمواد الخام الاستراتيجية.

وتكتسب هذه العلاقة أهمية إضافية في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لا سيما إعادة تشكيل سلاسل الإمداد، والتحول نحو الطاقة منخفضة الكربون.

وتزايد أهمية الأمن الاقتصادي، ورغبة ألمانيا في تنويع مصادر الطاقة والاستثمار، وسعي الإمارات إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على النفط وتعزيز موقعها مركزاً عالمياً للتجارة والاستثمار.

وترتكز العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى أساس سياسي واستراتيجي متين. وقد شهدت هذه العلاقات دفعة مهمة مع توقيع الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في عام 2022، والتي فتحت المجال أمام توسيع التعاون في عدد من القطاعات الاقتصادية والاستثمارية والطاقة والتكنولوجيا.

وتنظر الإمارات إلى ألمانيا باعتبارها شريكاً اقتصادياً مهماً داخل أوروبا، نظراً لقوة القطاع الصناعي الألماني، وقدرته التكنولوجية، وشبكة الشركات المتوسطة والصغيرة الواسعة، إضافة إلى خبرتها في التصنيع المتقدم والهندسة والبحث العلمي.

وفي المقابل، تنظر الشركات الألمانية إلى الإمارات باعتبارها قاعدة إقليمية تسمح لها بالوصول ليس فقط إلى السوق الإماراتية، وإنما أيضاً إلى أسواق دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا.

وقد ارتفع عدد الشركات الألمانية العاملة في الإمارات خلال العام الماضي بنسبة 35% مقارنة بعام 2024، أما خلال العام الجاري فقد بلغ إجمالي عدد الشركات الألمانية في الإمارات بنهاية مايو الماضي 7685 شركة، في حين بلغ عدد العلامات التجارية الألمانية المسجلة 20842 علامة.

تبادلات السلع

توضح البيانات الرسمية أن الصادرات الألمانية إلى الإمارات ارتفعت من 8.6 مليارات يورو في عام 2023 إلى 9.71 مليارات يورو في 2024، ثم إلى 11.39 مليار يورو في 2025.

وفي المقابل سجلت الواردات الألمانية من الإمارات 5.59 مليارات يورو في 2023، ثم 1.89 مليار يورو في 2024، ثم استقرت تقريباً عند 1.87 مليار يورو في 2025. وتتركز الصادرات الألمانية التقليدية في مجموعة واسعة من المنتجات الصناعية والتكنولوجية، منها الآلات والمعدات.

والسيارات وقطع الغيار، والمعدات الكهربائية والإلكترونية، والمنتجات الكيميائية والصيدلانية، والأجهزة الطبية، ومعدات الطاقة، والمنتجات الهندسية عالية القيمة.

ويتمتع هذا النوع من التجارة بميزة مهمة بالنسبة للإمارات، لأنه يدعم عملية التحول الصناعي ونقل التكنولوجيا ورفع كفاءة القطاعات الإنتاجية والخدمية.

أما بالنسبة للإمارات، فإن تعزيز صادراتها إلى السوق الألمانية يتطلب الانتقال تدريجياً من نموذج تصدير المواد والسلع التقليدية إلى تصدير المنتجات ذات القيمة المضافة، خصوصاً في قطاعات الألمنيوم والبتروكيماويات والمنتجات الكيميائية، والمنتجات الغذائية، والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة، والتكنولوجيا، والخدمات الرقمية.

تجارة الخدمات

ولا تقتصر العلاقة الاقتصادية على تجارة السلع، بل تمثل الخدمات أحد أهم مكونات العلاقة الثنائية. ووفق البيانات الألمانية، بلغت صادرات ألمانيا من الخدمات إلى الإمارات نحو 2.85 مليار يورو في عام 2024، و2.97 مليار يورو في 2025.

بينما بلغت واردات ألمانيا من الخدمات من الإمارات نحو 4.34 مليارات يورو في 2024، و4.37 مليارات يورو في 2025.

وتشمل مجالات الخدمات ذات الصلة بالعلاقات الثنائية الخدمات المالية، والنقل والخدمات اللوجستية، والسياحة، والاستشارات الهندسية، والخدمات المهنية، والاتصالات، والخدمات الرقمية.

وتوفر الإمارات بيئة ملائمة لتوسع الشركات الألمانية في الخدمات، خصوصاً بسبب وجود مناطق اقتصادية حرة، والبنية التحتية الرقمية المتطورة، والمطارات والموانئ، وسهولة الوصول إلى الأسواق الإقليمية.

وفي المقابل، تستطيع الشركات الإماراتية استخدام ألمانيا بوابة إلى السوق الأوروبية والاستفادة من قدراتها في الخدمات الهندسية والتقنية والمالية والبحث العلمي.

استثمارات متبادلة

وتمثل الاستثمارات المباشرة أحد أهم أبعاد العلاقة الاقتصادية بين البلدين، حيث تظهر بيانات البنك المركزي الألماني، كما تعرضها مؤسسة التجارة والاستثمار الألمانية، أن رصيد الاستثمارات الألمانية المباشرة في الإمارات بلغ نحو 4.059 مليارات يورو في نهاية عام 2024، مقارنة بـ3.561 مليارات يورو في 2023.

وفي الاتجاه المقابل بلغ رصيد الاستثمارات الإماراتية المباشرة في ألمانيا نحو 1.549 مليار يورو في 2023، بعد 1.215 مليار يورو في 2022.

وتوضح هذه الأرقام أن تدفقات رأس المال ليست في اتجاه واحد، فهناك حضور ألماني قوي في الإمارات، وفي الوقت ذاته تزداد أهمية رأس المال الإماراتي في الاقتصاد الألماني.

وتتميز الاستثمارات الألمانية في الإمارات بكونها مرتبطة بدرجة كبيرة بالتصنيع والهندسة والتجارة والخدمات واللوجستيات والطاقة والتكنولوجيا.

وتستفيد الشركات الألمانية من موقع الإمارات ومن بنيتها التحتية ومن قدرتها على الوصول إلى الأسواق الإقليمية.

أما الاستثمارات الإماراتية في ألمانيا، فقد أخذت خلال السنوات الأخيرة طابعاً استراتيجياً أكثر وضوحاً، لا سيما في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك صفقة استحواذ شركة «إكس آر جي» التابعة لشركة «أدنوك» على شركة «كوفيسترو» الألمانية. وقد ارتبطت الصفقة باستثمار إماراتي بلغ نحو 14.7 مليار يورو.

وأصبحت من أبرز الأمثلة الحديثة على انتقال رأس المال الإماراتي إلى قطاع صناعي ألماني استراتيجي. وأعلنت «أدنوك» في فبراير 2026 أن «إكس آر جي» أكملت في ديسمبر 2025 عرض الاستحواذ العام الطوعي على «كوفيسترو».

وتكتسب هذه الصفقة أهمية تتجاوز قيمتها المالية، فهي تمثل نموذجاً جديداً للاستثمار الإماراتي في الصناعة الألمانية، وتجمع بين رأس المال الإماراتي والتكنولوجيا والخبرة الصناعية الألمانية.

قطاع الطاقة

وتعد الطاقة أحد أكثر المجالات أهمية في الشراكة الإماراتية-الألمانية، فألمانيا تواجه تحديات مرتبطة بأمن الطاقة وتنويع مصادر الإمدادات، في حين تسعى الإمارات إلى ترسيخ موقعها منتجاً ومصدراً للطاقة التقليدية والنظيفة في الوقت نفسه.

وقد تطورت العلاقة من التعاون في النفط والغاز إلى التعاون في الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة والهيدروجين والطاقة النظيفة.

وفي فبراير 2026، أعلنت «أدنوك» وشركة «آر دبليو إي» الألمانية عن اتفاق للتعاون في استكشاف فرص توريد الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا والأسواق الأوروبية بكميات تصل إلى مليون طن متري سنوياً ولمدة تصل إلى عشر سنوات، مع بحث التعاون في تجارة الغاز وقدرات إعادة التغويز وغيرها من مجالات سلسلة القيمة.

كما اتفقت «مصدر» و«آر دبليو إي» على مذكرة تفاهم لتحديد فرص الاستثمار في مشروعات تخزين الطاقة بالبطاريات في ألمانيا.

ويكتسب هذا التعاون أهمية استراتيجية، إذ إن العلاقة لم تعد قائمة فقط على بيع الطاقة، وإنما أصبحت تشمل الاستثمار المشترك في البنية التحتية للطاقة وتخزينها والتحول إلى مصادر منخفضة الكربون.

كما تمثل دولة الإمارات شريكاً مهماً لألمانيا في تطوير الهيدروجين الأخضر ومشتقاته، وهي مجالات يمكن أن تشهد توسعاً كبيراً خلال السنوات القادمة.

صناعة وأمن غذائي

يمثل التعاون الصناعي والتكنولوجي مجالاً واسعاً للتكامل بين الاقتصادين، فألمانيا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة جداً في مجالات السيارات والآلات والهندسة الدقيقة والكيماويات والأتمتة الصناعية.

بينما تمتلك الإمارات قدرة قوية على تمويل المشروعات واستقطاب الشركات وتوفير بنية تحتية متقدمة وبيئة تجارية مرنة.

ومن هنا يمكن بناء شراكات في مجالات مثل: الذكاء الاصطناعي، والروبوتات والأتمتة، وأشباه الموصلات، ومراكز البيانات، والأمن السيبراني، والمدن الذكية، والتنقل الذكي، والمركبات الكهربائية، والتقنيات المناخية، والصناعات المتقدمة.

وقد ركزت المناقشات الاقتصادية الإماراتية-الألمانية في 2025 على الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والتنقل الذكي، والتصنيع المتقدم، والتكنولوجيا، والطاقة المستدامة.

كما أكدت وزارة الاقتصاد والسياحة أهمية بناء مشروعات اقتصادية ملموسة لتعزيز تدفقات الاستثمار الثنائية، حيث تتيح هذه المجالات فرصة للانتقال بالعلاقة من مجرد «تجارة منتجات» إلى «إنتاج مشترك وتطوير مشترك للتكنولوجيا».

وتوجد مجالات أخرى واعدة للتعاون الاقتصادي، من بينها الأمن الغذائي والزراعة الحديثة، حيث تحرص الإمارات على تطوير تقنيات حديثة في الزراعة وإدارة المياه والإنتاج الغذائي.

وفي الجهة الأخرى تمتلك ألمانيا تقنيات متقدمة في الهندسة الزراعية والأغذية والتصنيع الغذائي. ففي نوفمبر 2025، ناقشت الحكومتان فرص التعاون في مجالات الزراعة والأمن الغذائي والنقل والتكنولوجيا والاقتصاد الجديد، إلى جانب السياحة وريادة الأعمال.

فرص النمو

ويمكن تحديد مجموعة من القطاعات التي تمتلك أفضل فرص للنمو في العلاقات الإماراتية-الألمانية، منها: الطاقة والهيدروجين.

حيث من المرجح أن يصبح الهيدروجين الأخضر ومشتقاته أحد أهم مجالات التعاون، خصوصاً مع احتياجات الصناعة الألمانية إلى مصادر طاقة منخفضة الكربون.

أيضاً يعد الذكاء الاصطناعي من أهم مجالات التعاون مستقبلاً، حيث تمثل الإمارات مركزاً متنامياً للاستثمار في الذكاء الاصطناعي.

بينما تمتلك ألمانيا قاعدة صناعية يمكنها استخدام الذكاء الاصطناعي في التصنيع والخدمات اللوجستية والسيارات والطاقة.

كذلك يمكن أن تتوسع الاستثمارات المشتركة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك مراكز البيانات والحوسبة عالية الأداء.

هناك أيضاً الصناعات المتقدمة، حيث يمكن للشركات الألمانية إنشاء قواعد تصنيع في الإمارات، ليس فقط لخدمة السوق المحلية، بل للتصدير إلى دول المنطقة. كذلك يقدم التحول نحو السيارات الكهربائية والمركبات ذاتية القيادة مجالاً جديداً للتعاون.

أيضاً يمكن للمؤسسات المالية الإماراتية والألمانية زيادة التعاون في تمويل التجارة والاستثمار والمشروعات المستدامة. وكذلك يمكن للشركات الألمانية توفير التكنولوجيا والمعدات والحلول الزراعية، بينما توفر الإمارات رأس المال والمنصات اللوجستية والأسواق.

آليات لتعميق الشراكة

ولتحويل العلاقات الاقتصادية من مستوى قوي إلى مستوى أكثر تكاملاً، يمكن للطرفين العمل على عدد من المبادرات، منها:

إنشاء برامج استثمار مشتركة موجهة إلى القطاعات المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والهيدروجين والصناعات المتقدمة.

كذلك من بين الآليات العمل على تشجيع الشركات الألمانية المتوسطة والصغيرة على دخول السوق الإماراتية، باعتبارها من أهم مكونات الاقتصاد الألماني، وكذلك مساعدة الشركات الإماراتية الصغيرة والمتوسطة على دخول السوق الألمانية والأوروبية من خلال برامج تسهيل وتمويل وتدريب.

وتتضمن الآليات أيضاً تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث والتطوير في البلدين، وكذلك زيادة عدد مشروعات الاستثمار المشترك بدلاً من الاقتصار على التجارة، وتطوير التعاون في مجال المعايير والمواصفات لتقليل تكلفة دخول المنتجات إلى أسواق الطرف الآخر.

ومن بين الآليات الاستفادة من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والإمارات لتطوير إطار أكثر وضوحاً للتجارة الرقمية والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا، واستخدام المعارض والمنتديات الاقتصادية، مثل «جيتكس» و«إنفستوبيا» وغيرها، لربط الشركات والمستثمرين من الجانبين.

وقد دخلت مؤسسات ألمانية كبرى مثل «دويتشه بنك» في شراكات مرتبطة بمنظومة «إنفستوبيا»، بما يعكس اتساع التعاون الاقتصادي خارج نطاق التجارة التقليدية.

ختاماً، يمكن القول إن العلاقات التجارية والاستثمارية بين الإمارات وألمانيا تمثل نموذجاً متقدماً للشراكات الاقتصادية بين دولة خليجية ذات ثقل عالمي، وقوة صناعية أوروبية لها تاريخ بارز.

وقد انتقلت هذه العلاقة خلال العقود الماضية من التركيز على التجارة في السلع إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاستثمار والطاقة والصناعة والتكنولوجيا والخدمات والسياحة والنقل والأمن الغذائي.

كما أن مستقبل هذه العلاقة يبدو مرشحاً لمزيد من التوسع، خصوصاً في قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين والذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة والخدمات الرقمية واللوجستيات.