حين قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، في رسالته إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله:
«حوّلت الثروات إلى بناء قطاعات جديدة، وصناعات مستقبلية، وقاعدة اقتصادية لأجيال الإمارات»، فإنه لخص في عبارة واحدة جانباً أساسياً من التحول الذي شهدته الإمارات خلال العقود الماضية.
فالقصة الاقتصادية الإماراتية لا تتعلق بحجم الثروة التي امتلكتها الدولة، وإنما بكيفية تحويل تلك الثروة إلى أصول وقدرات اقتصادية جديدة، قادرة على إنتاج القيمة بعد تغير الظروف التي ساهمت في تكوينها.
ومنذ قيام دولة الإمارات عام 1971، كان النفط أحد أهم مصادر الدخل، لكن عوائده لم تتوقف عند تمويل الإنفاق العام، بل جرى توظيف جزء كبير منها في بناء الطرق والمطارات والموانئ وشبكات الكهرباء والمياه والمدارس والمستشفيات والمؤسسات، ثم في إنشاء منظومة اقتصادية متكاملة، جعلت من الإمارات مركزاً للتجارة والاستثمار والخدمات والصناعة. وبذلك، انتقلت الثروة تدريجياً من كونها مصدراً للدخل إلى أداة لبناء القدرة الإنتاجية.
كان بناء البنية التحتية نقطة الانطلاق الأساسية. فالموانئ والمطارات والطرق لم تكن مجرد مشروعات خدمية، وإنما تحولت إلى منصات لاستقطاب التجارة والسياحة والاستثمار والصناعة.
ومع تطور هذه المنظومة، أصبح الموقع الجغرافي للإمارات ميزة اقتصادية مضاعفة، إذ جرى ربطه بشبكات عالمية للنقل والخدمات اللوجستية والتجارة، لتتحول الدولة إلى حلقة وصل بين أسواق آسيا وأوروبا وأفريقيا.
ومن هنا نشأ نموذج اقتصادي مترابط، فالموانئ تدعم التجارة، والمطارات تعزز حركة السياحة والأعمال، والمناطق الحرة تستقطب الشركات والتصنيع وإعادة التصدير، والقطاع المالي يوفر التمويل، فيما تدعم البنية الرقمية الاقتصاد الجديد.
ولذلك، لم يكن الاستثمار في البنية التحتية غاية في حد ذاته، بل كان استثماراً في القدرة على خلق قطاعات اقتصادية جديدة.
اقتصاد متعدد المحركات
كان التحدي التالي هو الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الموارد الطبيعية، إلى اقتصاد تتعدد فيه مصادر النمو.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن القطاعات غير النفطية تمثل نحو 78 % من الناتج المحلي الإجمالي، في انعكاس لاتساع قاعدة الاقتصاد الإماراتي، لتشمل التجارة والخدمات المالية والسياحة والعقارات والطيران والنقل واللوجستيات والصناعة والتكنولوجيا والاتصالات والطاقة وغيرها.
لكن أهمية هذا التحول لا تكمن فقط في عدد القطاعات، بل في ترابطها. فكل قطاع جديد أصبح قادراً على دعم قطاعات أخرى، بما يخلق منظومة اقتصادية أكثر قدرة على النمو ومواجهة التقلبات.
فالاقتصاد المتنوع لا يعني مجرد إضافة أنشطة جديدة إلى الناتج المحلي، وإنما بناء شبكة من القطاعات التي تغذي بعضها بعضاً.
من مركز للتجارة إلى قاعدة للإنتاج
في المرحلة الجديدة من التنويع، برز التصنيع باعتباره أحد أهم الاختبارات أمام الاقتصاد الإماراتي. فبعد عقود من التركيز على التجارة والخدمات واللوجستيات، تتجه الدولة إلى تعزيز التصنيع المحلي والصناعات المتقدمة، ورفع تنافسية المنتجات الوطنية، وتوطين التكنولوجيا.
واستقطاب الاستثمارات الصناعية ذات القيمة المضافة. وخلال زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لمعرض «اصنع في الإمارات 2026»، برز التأكيد على أهمية القطاع الصناعي، باعتباره أحد أعمدة التنويع الاقتصادي، مع التركيز على الابتكار والاستثمار في الصناعات المستقبلية والكوادر الإماراتية.
وهنا يتخذ التنويع معنى أعمق: الانتقال من إدارة حركة التجارة إلى إنتاج جزء متزايد من القيمة داخل الدولة.
ولا يقتصر الرهان الإماراتي على الصناعة التقليدية، بل يمتد إلى القطاعات التي يتوقع أن تشكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، وفي مقدمها الذكاء الاصطناعي، والفضاء، والتقنيات المتقدمة، والطاقة النظيفة، والاقتصاد الرقمي.
وتكمن أهمية هذا النهج في محاولة الاستثمار في المستقبل قبل أن يتحول إلى ضرورة. فالدولة التي تنتظر حتى تصبح التكنولوجيا الجديدة شرطاً للمنافسة، قد تجد نفسها في موقع المتأخر.
بينما يتيح الاستثمار المبكر بناء الخبرات والشركات والبنية التحتية اللازمة للمنافسة عندما تنضج تلك القطاعات. ومن هنا يصبح الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، استثماراً في إنتاجية الاقتصاد بكامله، وليس في قطاع تكنولوجي منفصل.
الطاقة وإدارة التحول
حتى في قطاع الطاقة، لم تتعامل الإمارات مع التحول العالمي باعتباره قطيعة مفاجئة مع النفط والغاز، بل اتجهت إلى توسيع مزيج الطاقة والاستثمار في الطاقة الشمسية والطاقة النووية، ومشروعات خفض الانبعاثات والتقنيات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
ويعكس ذلك إدراكاً بأن النفط والغاز سيظلان جزءاً مهماً من منظومة الطاقة العالمية خلال مراحل الانتقال، لكن الحفاظ على القدرة التنافسية يتطلب في الوقت نفسه امتلاك تقنيات الطاقة الجديدة، والبنية التحتية اللازمة لها.
وبذلك، يتحول قطاع الطاقة نفسه من مصدر تقليدي للثروة، إلى منصة للاستثمار في التحول الاقتصادي العالمي.
ويمثل الاستثمار السيادي أحد أهم الأدوات التي استخدمتها الإمارات لتحويل الثروة إلى أصول طويلة الأجل. فالصناديق والمؤسسات الاستثمارية السيادية لا تقتصر مهمتها على الاحتفاظ بالأموال، وإنما تعمل على توظيف رأس المال في شركات وقطاعات وأسواق قادرة على تحقيق عوائد مستدامة، وبناء قدرات اقتصادية جديدة.
وتقدم «مبادلة» نموذجاً واضحاً لهذا التحول. فقد ارتفعت أصولها المدارة إلى 1.4 تريليون درهم (385 مليار دولار) بنهاية 2025، بزيادة 17 % خلال عام واحد.
فيما بلغ حجم الاستثمارات التي وظفتها خلال العام 143 مليار درهم، مقابل عوائد واستردادات بقيمة 138 مليار درهم. كما بلغ معدل العائد السنوي 10.7 % على مدى خمس سنوات، و10.3 % على مدى عشر سنوات.
ولا يتوقف دور رأس المال السيادي عند تحقيق العائد المالي، فقد أسهمت محفظة «مبادلة» داخل الإمارات في 2025 بنحو 45 مليار درهم في الناتج المحلي، ودعمت نحو 98 ألف وظيفة بصورة مباشرة وغير مباشرة.
فيما تركزت استثماراتها في قطاعات تشمل الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للحوسبة والطاقة والشبكات الرقمية والتقنيات المتقدمة وعلوم الحياة والتصنيع.
وتكشف هذه الأرقام عن تغير جوهري في وظيفة الثروة: من الاحتفاظ بالقيمة إلى تنميتها وإعادة استثمارها. فالاستثمار السيادي يمنح الدولة القدرة على النظر إلى الاقتصاد من منظور طويل الأجل، وتمويل قطاعات تحتاج إلى سنوات قبل أن تحقق كامل إمكاناتها، كما يتيح الوصول إلى أسواق وخبرات وتقنيات جديدة.
وهنا تبرز فكرة العدالة بين الأجيال، فالثروة المتولدة اليوم تتحول إلى محافظ استثمارية وشركات ومصانع وتقنيات ومعرفة يمكن أن تستمر في إنتاج العوائد مستقبلاً.
بناء الشركات أهم من بناء المنشآت
لكن الثروة وحدها لا تصنع اقتصاداً مستداماً. فالمصانع والموانئ والمطارات تحتاج إلى شركات قادرة على تشغيلها وتطويرها والمنافسة من خلالها.
ولهذا أصبح بناء شركات وطنية قوية، جزءاً أساسياً من استراتيجية التنويع، إلى جانب تطوير المهارات، واستقطاب المواهب، وتحفيز البحث والتطوير وتوطين التكنولوجيا.
فالاقتصاد المستقبلي لا يحتاج فقط إلى رأس المال، بل إلى المعرفة التي تحول رأس المال إلى منتجات وخدمات وتقنيات وشركات قابلة للنمو.
وتظهر أهمية هذا الجانب في تجربة «مبادلة» نفسها، التي تصف استراتيجيتها بأنها تقوم على بناء شركات وطنية رائدة، وتعزيز القطاعات الحيوية.
وتوسيع القدرات الاستثمارية اللازمة للنمو المستقبلي. ويمكن قراءة التحول الإماراتي باعتباره انتقالاً تدريجياً من استخدام الثروة لتمويل التنمية إلى استخدام التنمية لإنتاج ثروة جديدة.
فالميناء لا يولد إيرادات مناولة فقط، وإنما يجذب شركات ومصانع ومراكز توزيع. والمطار لا يقدم خدمات النقل فقط، وإنما يدعم السياحة والتجارة والأعمال. والجامعة لا تمنح الشهادات فقط، وإنما تبني رأس المال البشري.
والاستثمار في الذكاء الاصطناعي لا ينتج تقنيات جديدة فقط، وإنما يمكن أن يرفع إنتاجية قطاعات الاقتصاد بكاملها.
وبهذه الطريقة، تصبح عملية التنويع الاقتصادي دائرة متكاملة، تتغذى فيها الاستثمارات والبنية التحتية والشركات والمهارات والتكنولوجيا على بعضها بعضاً.
وربما تكمن الدلالة الأعمق لعبارة «قاعدة اقتصادية لأجيال الإمارات»، في أن نجاح التنويع لا يقاس بعدد المشاريع التي تُنجز اليوم، وإنما بقدرة الاقتصاد على خلق فرص وقيمة بعد عقود.
فالطرق والموانئ والمصانع يمكن تطويرها، والتكنولوجيا يمكن أن تتغير، لكن الاستثمار في الإنسان والمهارات والمعرفة والبحث العلمي، هو الذي يمنح الدولة القدرة على التجدد. ولهذا فإن بناء قاعدة اقتصادية للأجيال المقبلة، يعني في جوهره بناء رأسمال مادي وبشري ومعرفي في الوقت نفسه.