عبدالله بن دلموك: مهرجانات الرطب تقرّب الأجيال من النخلة ومواسمها وأصنافها
للنخلة في الصيف حكاية تتجاوز نضج الرطب وموسم الحصاد، فهي في الذاكرة الإماراتية موعد سنوي كان يجمع الناس قبل أن يجمع الثمار، وتلتقي حوله الأسر والجيران في مشهد تتقاسم فيه الأيدي العمل وتتبادل الخبرات.
وتنتقل تفاصيل العناية بالنخيل وجني الرطب وصناعة التمور من جيل إلى آخر، ولم يكن الحصاد شأناً زراعياً يخص أصحاب المزارع وحدهم، بل مناسبة اجتماعية ينتظرها الجميع، وجزءاً من إيقاع الحياة الذي ارتبط بالصيف لعقود طويلة.
ومع تغير أنماط الحياة وتسارع وتيرتها، والانشغال بالدراسة والوظائف واتساع المدن، انحسرت تدريجياً كثير من تلك المظاهر، وبقيت تفاصيلها حاضرة في ذاكرة الأجيال التي عايشتها، تروى للأبناء والأحفاد باعتبارها جزءاً من زمن كانت فيه النخلة محوراً للعمل واللقاء والتعاون.
احتفاء مجتمعي
لكن مع تراجع صورته القديمة، يعود اليوم بحلة جديدة وأكثر اتساعاً، إذ أسهم دعم القيادة واهتمامها بالنخلة وترسيخ مكانتها في تحويل موسم الرطب إلى احتفاء مجتمعي واسع، حتى أصبحت الفترة الممتدة من شهر يوليو حتى مطلع أغسطس موعداً لأكثر من 6 مهرجانات متخصصة للرطب تتنقل بين إمارات الدولة، وتعيد جمع المزارعين والأسر والزوار حول النخلة من جديد.
وتعكس الأرقام حجم حضور النخلة ومكانتها في المشهد الزراعي الإماراتي، إذ تشير آخر الإحصائيات الرسمية إلى أن العدد الفعلي لأشجار النخيل في الدولة يبلغ نحو 42 مليون نخلة.
وتنتج أشجار النخيل في الإمارات أكثر من 73 نوعاً من أجود أنواع التمور، إلى جانب وجود مجمع للجينات يضم نحو 120 صنفاً، بعد إضافة العديد من الأصناف الجديدة إلى الأصناف التي عرفت تاريخياً في الدولة.
خبرات زراعية
وتتنوع أصناف التمور والرطب في الإمارات بصورة كبيرة، ومن أبرزها «خلاص، وبومعان، وحلاوي، وحساوي، وخصاب، وخنيزي، ولولو، والنغال، ودباس، وهلالي، ونبتة سيف»، إلى جانب العديد من الأنواع الأخرى، كما تختلف أصناف الرطب والتمور من منطقة إلى أخرى.
وفي هذا السياق قال عبدالله حمدان بن دلموك، الرئيس التنفيذي لمركز حمدان بن محمد لإحياء التراث، إن الفعاليات والمهرجانات المعنية بالرطب والنخلة في دولة الإمارات تؤدي دوراً محورياً في إبقاء هذا الرمز الوطني حاضراً وقريباً من المجتمع.
وترسيخ مكانته في وعي الأجيال، وتعزيز ارتباطه بحياتهم اليومية، مؤكداً أن كل فعالية تحتفي بالنخلة، وتعرف بقيمتها، وتقرب أفراد المجتمع من مواسمها وأصنافها وما يرتبط بها من معارف وخبرات، تمثل إسهاماً مباشراً في تعزيز الهوية الوطنية، ودعماً للمشروع الثقافي والحضاري لدولة الإمارات.
وأضاف أن مهرجان «دبي للرطب» أحد هذه المهرجانات وانطلق من فكرة مختلفة في جوهرها، تقوم على إعادة صياغة علاقة الإنسان بالنخلة من منظور اجتماعي وثقافي، وتحويلها إلى مساحة تجمع البيت والمزرعة والمؤسسة والجيل الجديد حول قيمة وطنية واحدة،.
مشيراً إلى أن سر نجاح الحدث وانتشاره يكمن في اقترابه من النخلة باعتبارها جزءاً أصيلاً من تكوين المجتمع، ومنحه الرطب خصوصيته بوصفه منتجاً يرتبط بالذاكرة والموسم والعناية والخبرة المتوارثة، قبل أي اعتبار آخر.
وأكد أن خصوصية «دبي للرطب» تنبع من تركيزه على الرطب والنخلة، وقدرته على تحويل هذا التخصص إلى رسالة وطنية جامعة، موضحاً أن الفعالية حين تتخصص في رمز وطني بهذا العمق، تصبح أكثر قدرة على صناعة أثر مستدام يتجاوز حدود الحدث نفسه.
لافتاً إلى أن كل فعالية تقام على أرض الإمارات لخدمة النخلة والرطب تشكل إضافة مهمة إلى رصيد الهوية الوطنية، إذ تتكامل هذه الجهود في غاياتها لخدمة الوطن، وصون موروثه، وتعميق ارتباط الإنسان بأرضه وجذوره ومستقبله.
حافز عملي
من جانبهم، أكد عدد من المزارعين والمهتمين بالزراعة أن مهرجانات الرطب لم تعد تعكس مكانة النخلة في المجتمع الإماراتي فحسب، بل أصبحت حافزاً عملياً لإعادة إحياء كثير من الممارسات المرتبطة بمهنة الآباء والأجداد، وتشجيع الأجيال الحالية على الاقتراب منها ومواصلة ما ارتبط بها من معارف وخبرات.
مشيرين إلى أن حجم التفاعل الذي تشهده هذه المهرجانات يكشف عن عودة لافتة لكثير من العادات القديمة المرتبطة بالموسم، ولكن بأدوات عصرية وسعت دائرة المشاركة فيها ونقلتها من حدود المزارع إلى فضاء مجتمعي أكثر اتساعاً.
وفي هذا السياق، قال أنور سامي المدير العام لشركة خرايف الزراعية إن مشاركته في المهرجانات المتخصصة بالرطب كشفت عن إقبال كبير من الزوار والمشاركين على شراء فسائل النخيل والتعرف إلى الأصناف المختلفة، إلى جانب اهتمام واضح بمعرفة مواسم الزراعة وأساليب الإكثار وطرق العناية والإنتاج.
وهو ما يعكس أن زيارة هذه المهرجانات لم تعد تقتصر على مشاهدة المنتجات أو شراء الرطب، وإنما أصبحت لدى شريحة من الجمهور بداية لتجربة زراعية جديدة.
طلب متزايد
وأشار إلى أنه يتوقع أن تشهد أعداد أشجار النخيل في الدولة نمواً كبيراً خلال السنوات المقبلة، في ضوء الطلب المتزايد الذي تشهده منصات بيع أشجار النخيل والفسائل، والحرص المتنامي من أفراد المجتمع على اقتناء النخلة وزراعتها في المنازل والمزارع.
معتبراً أن هذا التحول يمثل أحد الآثار المباشرة للمهرجانات التي نجحت في إعادة تقديم النخلة للأجيال الحالية باعتبارها موروثاً حياً يمكن ممارسته واستدامته، وليس مجرد جزء من ذاكرة الماضي.
من جانبه، قال المواطن إسحاق عبدالله المهتم بزراعة النخيل إن مظاهر الاحتفاء بالنخلة والرطب التي شهدتها المهرجانات حفزت الكثيرين على العودة إلى زراعة أشجار النخيل، والبحث عن أفضل الأصناف واقتنائها والتعرف إلى خصائصها.
تنافس وابتكار
بدوره قال محمد المنصوري مدير شركة نوادر للصناعة، إن مهرجانات الرطب إلى جانب نجاحها في استقطاب الزوار من مختلف الفئات والأعمار، أوجدت مساحة للتنافس والابتكار في تطوير منتجات غذائية تعتمد على الرطب والتمور ومكونات النخلة.
وهو ما يظهر من خلال حضور شركات متخصصة في إنتاج وتصنيع التمور والرطب، وأخرى تعمل على ابتكار استخدامات جديدة لها وإدخالها في الصناعات الغذائية. وتوقع المنصوري أن تشهد الأعوام المقبلة توسعاً أكبر في حضور النخلة ضمن قطاع الصناعات الغذائية.