كشف الدكتور منصور العور، رئيس جامعة حمدان بن محمد الذكية، عن استعداد الجامعة لإطلاق ما وصفه بـ«أول نتفليكس للتعليم العالي في العالم»، في نموذج جديد ينقل علاقة المتعلم بالجامعة من التسجيل في برنامج أكاديمي ينتهي بالحصول على شهادة، إلى الاشتراك المستمر، بما يتيح له العودة إلى الجامعة طوال حياته للحصول على المعرفة والمهارات التي يحتاج إليها وفق متغيرات سوق العمل.
جاء ذلك خلال حلقة جديدة من برنامج «الصفحة الأولى»، أدارها حامد بن كرم، رئيس تحرير صحيفة البيان، وركز خلالها على مستقبل التعليم والجامعات في عصر الذكاء الاصطناعي، والتحولات المنتظرة في دور الأستاذ الجامعي، وقيمة الشهادة والدرجات التقليدية، ومستقبل الوظائف، ومدى قدرة الجامعات على مواكبة التغيير، إلى جانب معايير ترخيص وتقييم مؤسسات التعليم العالي، ومؤشرات قياس الجامعات مستقبلاً، وعلاقة الخريج بجامعته في ظل التحول نحو التعلّم مدى الحياة واقتصاد المهارة.
وناقش الحوار كذلك ما إذا كانت الجامعات قادرة على التحول بالسرعة التي تفرضها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن إعادة بناء تجربة الطالب، بحيث تنتقل من تلقي المحتوى واجتياز الاختبارات إلى اكتساب المهارات والقدرة على البحث والتفكير وحل المشكلات، في وقت تتغير فيه احتياجات سوق العمل بوتيرة متسارعة.
وأكد العور أن التحول المقبل يتجاوز مجرد إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى قاعات الدراسة، قائلاً: «نحن لن ندخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم، نحن سنعيد تصميم رحلة التعلم حول الذكاء الاصطناعي».
وأوضح أن الجامعة تعمل على إطلاق نموذج «نتفليكس للتعليم العالي»، بحيث لا يكون المتعلم مضطراً في كل مرة يحتاج فيها إلى تطوير معارفه إلى التسجيل في برنامج جامعي كامل، وإنما يستطيع الوصول إلى التعلم الذي يحتاج إليه في الوقت المناسب.
وقال العور: إن الهدف هو الانتقال بالتعليم من كونه خدمة تقدم ضمن إطار جامعي تقليدي إلى منفعة عامة تصل إلى كل بيت عربي، بما يفتح المجال أمام نموذج أكثر مرونة واستمرارية للتعلم.
ولفت إلى أن التصور يرتكز على أن يظل الإنسان مرتبطاً بالجامعة في مختلف مراحل حياته، ليس بالضرورة من خلال التسجيل المستمر في درجات أكاديمية، وإنما عبر العودة إليها كلما احتاج إلى مهارة جديدة أو تحديث معرفته.
ووصف العور هذه العلاقة بقوله: إن المتعلم مستقبلاً يمكن أن يكون مرتبطاً بالجامعة «بالاشتراك وليس بالتسجيل»، فلا يصبح التخرج نهاية علاقته بالمؤسسة التعليمية، وإنما بداية علاقة ممتدة معها طوال حياته المهنية.
وكيل لكل طالب
وفي قلب التحول الذي تحدث عنه العور يأتي Agent AI، أو «وكيل الذكاء الاصطناعي»، الذي يقوم على تخصيص مساعد ذكي لكل طالب، يتعامل مع قدراته ومستواه وسرعة تعلمه واحتياجاته بصورة فردية.
وأوضح العور أن وجود عشرات الطلبة داخل الفصل يجعل من الصعب على الأستاذ متابعة الفروق الدقيقة بينهم طوال الوقت، بينما يستطيع وكيل الذكاء الاصطناعي اكتشاف أن طالباً لم يستوعب نقطة معينة، فيعيد توجيهه إليها أو يقترح عليه فيديو أو محتوى إضافياً، ويواصل معه التعلم وفق سرعته وقدرته، وبذلك، لن يتراجع الطالب الذي يحتاج إلى وقت إضافي لمجرد انتقال بقية زملائه إلى موضوع جديد، كما يستطيع الطالب الأسرع التقدم وفق قدراته، لتصبح رحلة التعلم أكثر تخصيصاً.
ولا يقتصر أثر الـAgent AI على الطالب، إذ أوضح العور أن البيانات التي ينتجها يمكن أن تكشف للأستاذ نفسه مواطن تحتاج إلى التطوير في المساق وطريقة التدريس، فإذا أظهرت نتائج الطلبة حاجتهم إلى مفهوم مقرر في أسبوع لاحق، يستطيع النظام توجيه الأستاذ إلى ضرورة إعادة ترتيب المحتوى.
30 دقيقة
وكشف العور أن جامعة حمدان بن محمد الذكية بدأت قبل نحو عام باستخدام مساعد ذكاء اصطناعي لأعضاء هيئة التدريس، يساعد في توزيع محتوى المساق على أسابيع الفصل الدراسي، واقتراح الأنشطة وإنتاج مواد وفيديوهات تعليمية.
وقال: إن بعض عمليات إعداد المساق التي كانت تستغرق من عضو هيئة التدريس نحو ثلاثة أسابيع أصبح بالإمكان إنجازها بمساعدة الذكاء الاصطناعي في نحو 30 دقيقة.
ورأى العور أن الأهمية لا تكمن فقط في اختصار الزمن، وإنما في إعادة توجيه وقت الأستاذ إلى مهام أكثر أهمية، وفي مقدمتها تعليم الطلبة كيف يبحثون ويبتكرون ويفكرون ويطورون أنفسهم.
كما يستطيع مساعد الذكاء الاصطناعي، وفق حديثه، إنشاء بنك مرتبط بمخرجات المساق يضم ما لا يقل عن 1500 سؤال للمقرر الواحد، إلى جانب تحليل نتائج الاختبارات وتحديد مواطن الضعف لدى الطلبة.
جامعات تتغير
وحول قدرة الجامعات على مواكبة هذا التحول، أكد العور أن «الجامعات لا تختفي.. الجامعات تعيد تصميم نفسها، والجامعات التي تختفي هي التي لا تتغير»، موضحاً أن النموذج التقليدي الذي استمر لعقود، والقائم على الأستاذ والكتاب والامتحان والدرجة والشهادة، يواجه اليوم تحولاً كبيراً، لأن المعرفة نفسها أصبحت متاحة، بينما تتزايد أهمية القدرة على استخدامها وتحويلها إلى مهارة.
ومن هنا، طرح العور سؤالاً حول قيمة الشهادة في المستقبل، مؤكداً أن قيمة الخريج ترتبط بصورة متزايدة بقدرته على تعليم نفسه والتكيف مع الواقع والبحث وحل المشكلات.
المهارة والدرجة
كما أشار إلى أن الدرجات التقليدية، مثل امتياز وجيد جداً وجيد، لا تستطيع وحدها التعبير عن جميع قدرات المتعلم، لأن التفوق في استرجاع المعلومات لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تطبيقها.
وضرب مثالاً بالألعاب التي ينتقل فيها اللاعب من مستوى إلى آخر بعد إتقان المهارة المطلوبة، وليس لأنه حصل على نسبة محددة، معتبراً أن هذا المنطق يقترب من التحول الذي يحتاج إليه التعليم في قياس تقدم المتعلم.
وأكد أن الأستاذ الجامعي لن يفقد أهميته، وإنما سيتغير دوره؛ فبدلاً من أن يكون مصدر المعرفة، تصبح مهمته الأساسية تنمية التفكير النقدي والابتكاري والبحثي لدى الطالب وتعليمه كيف يبحث ويربط المعلومات ويصل إلى الحلول.
جامعة 2035
وطرح العور تصوراً جديداً لمؤشرات قياس الجامعات بحلول 2035، موضحاً أن نجاح الجامعة لن يقاس فقط بعدد من تخرجهم أو بالمؤشرات التقليدية، وإنما أيضاً بعدد الخريجين الذين يعودون إليها مرة أخرى.
وربط ذلك بمفهوم «التعلم مدى الحياة» و«اقتصاد المهارة»، إذ لن يحتاج الموظف في كل مرة إلى دراسة بكالوريوس أو ماجستير أو دكتوراه جديدة، وإنما يمكن أن يعود للحصول على المادة أو المهارة التي يحتاج إليها أثناء عمله.
وكشف أن أكثر من 300 شخص يعودون إلى جامعة حمدان بن محمد الذكية لاستكمال دراساتهم أو للحصول على مساقات مهنية، معتبراً أن جامعة المستقبل ينبغي أن تملك القدرة على تطوير خريجها في كل مرحلة يحتاج إليها.
400 مليون
واستعرض العور تجربة مجموعة من خريجي ماجستير إدارة التغيير والإبداع والابتكار، موضحاً أن الجامعة أجرت دراسة شملت 70 مواطناً كانوا موظفين حكوميين وينتمون إلى أسر متوسطة.
وقال: إنهم بدأوا التوجه إلى ريادة الأعمال خلال دراستهم، واستخرجوا تراخيص لمشروعات قبل إكمال الماجستير، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى مشروعاتهم الخاصة.
وبحسب العور، بلغ أدنى عائد سنوي بين المشروعات التي شملتها الدراسة نحو 10 ملايين درهم، فيما وصل أعلى عائد إلى 400 مليون درهم.
وأضاف أن بعض هؤلاء الخريجين أصبحوا يرغبون في تأسيس صندوق لرأس المال المخاطر مرتبط بالجامعة لمساندة خريجين آخرين، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى خريج لا ينتظر فرصة وظيفية، وإنما يصنع الفرصة لنفسه وللآخرين.
مخرجات فعلية
وتناول العور كذلك التحول في معايير تقييم وترخيص الجامعات والبرامج الأكاديمية، موضحاً أن التركيز لم يعد مقتصراً على فحص سلامة الإجراءات، وإنما أصبح أكثر ارتباطاً بما تنتجه الجامعة فعلياً من مخرجات.
وأشار إلى أهمية زيادة الصلة بين الجامعة وسوق العمل والاستفادة من أصحاب الخبرات العملية في التدريس، مؤكداً أن المؤهل الأكاديمي ينبغي أن يقترن بالخبرة التي يمكن نقلها إلى الطالب.
كما أشار إلى مشاركة أكثر من 50 من رؤساء الجامعات والعمداء وأعضاء هيئة التدريس في عمل تناول الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، ودرس كيفية تغير أساليب العمل في الجامعات بما يتواكب معه، إلى جانب أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.

