لم يعد مفهوم «الطالب الإيجابي» مرتبطاً بالحصول على الدرجات المرتفعة أو الالتزام داخل الصف فحسب، بل بات يعكس منظومة متكاملة من القيم والسلوكيات والمهارات التي تظهر في طريقة تعامل الطالب مع أسرته ومدرسته ومجتمعه، وفي قدرته على تحمل المسؤولية والمبادرة واحترام الآخرين والمحافظة على هويته الوطنية، إلى جانب استخدام التكنولوجيا بوعي والاستعداد لمتطلبات المستقبل.
وأكد تربويون لـ«البيان» أن المدرسة الإماراتية تؤدي دوراً يتجاوز تقديم المعرفة إلى بناء شخصية متوازنة، قادرة على التعلم والعمل والتواصل واتخاذ القرار، مشيرين إلى أن الطالب الإيجابي ليس بالضرورة الطالب الأول أكاديمياً، وإنما من يعرف حقوقه وواجباته، ويحترم النظام، ويتقبل الاختلاف، ويبحث عن الحلول بدلاً من الاكتفاء برصد المشكلات، ويترك أثراً إيجابياً في محيطه.
وحددوا 8 مواصفات رئيسية للطالب الإماراتي الإيجابي، تتمثل في: الاعتزاز بالهوية الوطنية، تحمل المسؤولية، المبادرة، احترام الآخرين، الانضباط الذاتي، الوعي الرقمي، التعلم المستمر، وخدمة المجتمع، مؤكدين أن هذه الصفات ينبغي ألا تبقى شعارات، وإنما تتحول إلى ممارسات يومية يمكن ملاحظتها وقياس أثرها في حياة الطالب داخل المدرسة وخارجها.
هوية راسخة
وأكدت التربوية وفاء الشامسي أن أول ما يميز الطالب الإماراتي الإيجابي هو وضوح هويته وشعوره بالانتماء والمسؤولية تجاه وطنه، موضحة أن المدرسة لا تبني هذا الجانب بالمعلومات النظرية وحدها، وإنما من خلال المواقف اليومية التي يتعلم فيها الطالب احترام الآخرين والمحافظة على الممتلكات العامة وتقدير الإنجازات الوطنية والمشاركة في المبادرات التي تخدم مجتمعه.
وأشارت إلى أن التطور التكنولوجي المتسارع يجعل ترسيخ الهوية أكثر أهمية، حتى يتمكن الطالب من التعامل مع العالم الرقمي من منطلق قيم واضحة، وليس باعتباره متلقياً لكل ما يصل إليه عبر المنصات المختلفة.
روح المبادرة
من جانبه قال الخبير التربوي الدكتور عبداللطيف السيابي، إن أحد أهم التحولات المطلوبة في شخصية الطالب هو الانتقال من دور «المتلقي» إلى دور «المبادر»، بحيث لا تقتصر مشاركته في المدرسة على حضور الحصص وأداء الاختبارات، وإنما يصبح شريكاً في صناعة الحياة المدرسية، يقترح ويخطط وينفذ ويتحمل مسؤولية النتائج.
وأوضح أن المدرسة تستطيع تعزيز هذه الصفة عندما تمنح الطلبة فرصاً حقيقية للقيادة، مثل إدارة مبادرة طلابية، أو تنظيم فعالية، أو قيادة فريق، أو اقتراح حلول لمشكلة تواجه الطلبة، مؤكداً أن الطالب الذي يتعلم المبادرة في المدرسة يصبح أكثر استعداداً مستقبلاً للدراسة الجامعية وسوق العمل وريادة الأعمال.
انضباط ذاتي
وأكدت التربوية شمسة الظنحاني، أن الطالب الإيجابي الحقيقي هو الذي «يراقب نفسه بنفسه»، موضحة أن الانضباط الذي يعتمد فقط على وجود المعلم أو الخوف من العقوبة لا يكفي لبناء شخصية مسؤولة، بينما الهدف التربوي الأهم هو أن يفهم الطالب سبب وجود القواعد وأن يلتزم بها عن قناعة.
وأوضحت أن الانضباط الذاتي يظهر في إدارة الوقت، والالتزام بالحضور، والسيطرة على الانفعالات، واحترام الآخرين، والقدرة على رفض السلوك الخاطئ حتى إذا مارسه الأصدقاء، مؤكدة أن هذه المهارة تعد من أهم عناصر إعداد الطالب للحياة بعد المدرسة.
بدورها قالت التربوية شيخة الزيودي، إن التفوق الأكاديمي يظل مهماً، لكنه لا يمكن أن يكون المعيار الوحيد للحكم على نجاح الطالب، لافتة إلى أن طالباً يحصل على درجات مرتفعة لكنه يفتقر إلى الاستقلالية أو القدرة على التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات، يحتاج إلى تطوير جوانب أساسية في شخصيته.
وأضافت، أن الطالب الذي تحتاج إليه المرحلة المقبلة هو طالب قادر على التعلم الذاتي، والبحث عن المعلومة والتحقق منها، واستخدام الذكاء الاصطناعي بصورة واعية، وتطوير مهاراته باستمرار.
وأكدت التربوية فوزية الشيخ، أن تكوين الطالب الإيجابي مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة، وحذرت من التناقض بين الرسائل التي يتلقاها الطالب في البيئتين، إذ يصعب مطالبة الطالب بالاستقلال وتحمل المسؤولية في المدرسة بينما تقوم الأسرة بأداء جميع المسؤوليات نيابة عنه في المنزل.
وأشارت إلى أهمية منح الأبناء مسؤوليات تتناسب مع أعمارهم، والاستماع إلى آرائهم، والسماح لهم باتخاذ بعض القرارات وتحمل نتائجها، إلى جانب تقديم القدوة في احترام الوقت والقانون والآخرين والاستخدام المتوازن للتكنولوجيا، كما أكدت أن المدرسة مطالبة بتوفير بيئة تسمح بممارسة الإيجابية وليس الحديث عنها فقط، من خلال المجالس الطلابية والأنشطة التطوعية والمشروعات الجماعية والبرامج القيادية والمسابقات والمبادرات البيئية والمجتمعية.
