لم تنتظر معلمات عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة في 31 أغسطس الجاري لاستئناف دورهن التربوي، بل حوّلن أسابيع الإجازة الصيفية إلى مساحة مفتوحة للتعلم عن بُعد، عبر 6 مبادرات تطوعية وبرامج رقمية استهدفت الطلبة وأسرهم، وتنوعت بين القراءة والذكاء الاصطناعي والاستدامة والعمل التطوعي والفنون والكتابة والبحث والتعلم من الأقران، في تجارب نقلت النشاط الصيفي من مجرد ملء وقت الفراغ إلى بناء مهارات يمكن أن تمتد آثارها إلى العام الدراسي الجديد.
وكشفت تجارب تربويات، عن تحول لافت في مفهوم الدور التربوي خلال الإجازة، إذ لم تعد المبادرات الصيفية مرتبطة بمكان أو ببرنامج تقليدي، وإنما انتقلت إلى البيئات الافتراضية التي سمحت للطالب بأن يقرأ ويبحث ويناقش ويصمم ويبتكر، بل ويقدم ورشاً لزملائه.
فيما دخلت الأسرة شريكاً في بعض البرامج، واستخدم الذكاء الاصطناعي في برامج أخرى أداة للبحث والتعلم مع تدريب الطلبة في الوقت نفسه على عدم التسليم بما يقدمه من معلومات.
وتتقاطع المبادرات، على اختلاف محتواها، عند فكرة واحدة تتمثل في استمرارية التعلم خلال الصيف من دون تحويل الإجازة إلى نسخة أخرى من اليوم المدرسي، إذ اعتمدت على أنشطة مرنة تجمع المتعة بالتعلم، وتمنح الطلبة أدواراً أكبر في صناعة المحتوى، بما يقدم نموذجاً مختلفاً لاستثمار الإجازة.
وقالت التربوية رائدة فيصل: «إن التعلم عن بُعد لم يكن بالنسبة إليها مجرد انتقال من الصف التقليدي إلى الشاشة، وإنما فرصة لإعادة التفكير في طرائق التعليم، وتحويل اللقاء الافتراضي إلى تجربة تفاعلية تكون فيها الطالبة شريكة في التعلم وليست مجرد متلقية».
وأضافت أنها وظفت أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد تهيئة محفزة للموضوعات من خلال أسئلة تثير التفكير والفضول قبل الدخول في تفاصيل الدرس، إلى جانب استخدام الأكواد الرقمية للوصول إلى الأنشطة التفاعلية، ومنح شهادات رقمية مباشرة في ختام بعض الأنشطة، بما يعزز لدى الطالبة الشعور بالإنجاز.
من جانبها، اتجهت المعلمة مريم محمد أبو حجير إلى تجربة تتجاوز حدود المدرسة عبر منصة Univermind، من خلال تصميم تحديات تعليمية تتيح للطلبة التعلم والمشاركة خلال الصيف إلى جانب طلبة من مدارس ودول مختلفة.
وأوضحت أن التجربة تعتمد على التعلم القائم على المشروعات والتحديات الواقعية، بحيث لا يدرس الطالب المشكلة بصورة نظرية فقط، وإنما يبحث فيها ويقترح الأفكار ويصمم الحلول ويعرضها، فيما يتحول دور المعلم إلى موجه وميسر يساعد الطلبة على تطوير المشروعات ومتابعة تقدمهم.
وركزت التحديات التي عملت عليها على مجالات من بينها الاستدامة والابتكار البيئي والذكاء الاصطناعي، بهدف دفع الطلبة إلى التفكير في قضايا حقيقية، مثل المحافظة على الموارد وتقليل الهدر وإيجاد حلول أكثر استدامة، إلى جانب استكشاف إمكانات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بصورة إبداعية ومسؤولة.
وفي تجربة نقلت النشاط الصيفي من الطالب إلى الأسرة، أعدت التربوية آلاء الحواري برنامجاً افتراضياً بعنوان «أسرتي سر تميزي»، بهدف استثمار وقت الطلبة في أنشطة هادفة تعزز الترابط الأسري، تزامناً مع عام الأسرة.
وقالت، إن البرنامج استقطب 70 مشاركاً ومشاركة، وتضمن 5 محاور هي: القراءة والحوار، التعاون الأسري في المطبخ، العمل التطوعي، المواهب والإبداع، والاستدامة وإعادة التدوير.
وأوضحت أن الفكرة قامت على توفير مساحة يشارك فيها الطالب مع أسرته بدلاً من تنفيذ مهمة فردية أمام الشاشة، بحيث يصبح النشاط الصيفي فرصة للحوار والتعاون واكتشاف المواهب وممارسة السلوكيات الإيجابية داخل البيت وخارجه، فيما خُصص الأسبوع الختامي لتوثيق حصاد المشاركات وأبرز الإنجازات.
أما هبة الشربيني فأطلقت مبادرة «صيفي بإبداعي»، لتفتح أمام الأطفال والطلبة والشباب 7 مسارات مختلفة للتعبير عن تجاربهم ومواهبهم خلال الإجازة. وقالت: «إن المبادرة تنطلق من أن الإبداع لا يمتلك شكلاً واحداً»، لذلك قسمت المشاركة إلى 7 محاور هي:
«صيفي بعدستي» للتصوير، «صيفي بريشتي» للرسم والفنون، «صيفي بقلمي» للكتابة، «صيفي بعطائي» للتطوع والعمل الإنساني، «صيفي بنكهتي» لإعداد وصفات صيفية صحية، و«صيفي بابتكاري» للابتكارات والأعمال اليدوية وإعادة التدوير، و«صيفي في رحلتي» لتوثيق الرحلات والتجارب.
أسرار الضاد
واتخذت مبادرة التربوية حنان البوادي مساراً مختلفاً، إذ جمعت بين اللغة العربية والأسرة والذكاء الاصطناعي، عبر مبادرة «أعلام العربية AI» التي أطلقت ضمن برنامج «أسرار الضاد»، تحت شعار «أثر لا يغيب»، بالتعاون مع جمعية حماية اللغة العربية.
وقالت البوادي، إن نقطة البداية في المبادرة ليست محرك بحث أو أداة ذكاء اصطناعي، وإنما سؤال يوجهه الطالب إلى أحد أفراد أسرته: من الكاتب أو الشاعر العربي الذي ما زلت تتذكره؟ ولماذا؟، لتتحول الإجابة بعد ذلك إلى بداية رحلة بحثية يتعرف الطالب خلالها إلى أحد أعلام الأدب العربي وسيرته وأبرز مؤلفاته وأثره.
واللافت في التجربة أنها لم تطلب من الطلبة استخدام الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات جاهزة، وإنما دربتهم على اختباره والتحقق منه، من خلال تحدي «قال AI... واكتشفت الحقيقة»، الذي يرصد خلاله الطالب معلومة غير دقيقة أو ناقصة قدمتها إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم يعود إلى المصادر الموثوقة للتحقق منها وتصحيحها بالدليل.
وفي مسار يستهدف القراءة وفهم المقروء، صممت التربوية سارية عبدالرحمن منصات تعليمية رقمية تفاعلية لدعم مهارات الطلبة وإتاحة فرص تعلم ممتعة ومستمرة خلال الإجازة الصيفية. وقالت: إنها نفذت كذلك نشاط «صيفنا سعادة»، الذي لم يضع الطلبة في موقع المتلقي فقط، وإنما منحهم فرصة تقديم أنشطة وورش تطبيقية إلى زملائهم، بما يتيح تبادل الخبرات والتعلم من الأقران وتنمية مهارات التواصل والإبداع والثقة بالنفس.