مع عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة واستئناف التعليم الحضوري في مدارس الدولة، تتجه الأنظار إلى مرحلة تعليمية جديدة تتجاوز مجرد استعادة الحضور داخل الصفوف، لتفتح المجال أمام إعادة بناء التجربة التعليمية بصورة أكثر عمقاً وفاعلية.
وتأتي هذه المرحلة في ظل تحديات فرضتها فترات التعلم عن بُعد، التي كشفت عن تفاوت في مستويات الفهم والتحصيل لدى الطلبة، ما يضع المنظومة التعليمية أمام مسؤولية تطوير أدواتها وأساليبها بما يواكب هذه المتغيرات.
يؤكد تربويون لـ«البيان» أن المرحلة الحالية تمثل نقطة تحول حقيقية تتطلب تبنّي أساليب تدريس حديثة قائمة على التفاعل والمشاركة وفي مقدمها التعلم النشيط، الذي يعيد للطالب دوره المحوري داخل الصف ويعزز قدراته على الفهم والتحليل والتطبيق، بدلاً من الاقتصار على الحفظ والتلقين.
ويرى التربويون أن مستقبل العملية التعليمية داخل الفصول الدراسية خلال المرحلة المقبلة يرتكز على ستة محاور رئيسة، تتمثل في: إعادة بناء الفهم العميق للمفاهيم، واستعادة التفاعل داخل البيئة الصفية، والتحول من الحفظ إلى التفكير والتحليل، وبناء شخصية الطالب، وتعزيز ثقته بنفسه، وتحقيق تعلم مستدام طويل الأثر، إضافة إلى تعزيز دافعية الطلبة نحو التعلم.
ويؤكدون أن هذه المحاور لا تُعد مجرد توجهات نظرية، بل إطار عملي قابل للتطبيق لتطوير الأداء التعليمي، ورفع جودة المخرجات.
منهج متكامل
ويأتي هذا التوجه امتداداً لما شهدته بيئات التعلم خلال فترة التعليم عن بُعد، حيث فرضت تلك المرحلة استخدام أدوات وأساليب تفاعلية، لتعويض غياب الحضور المباشر، ما أسهم في إبراز أهمية التعلم القائم على المشاركة. ويرى التربويون أن المرحلة الحالية تتطلب نقل هذه الممارسات إلى الصفوف الحضورية بشكل أكثر تنظيماً وعمقاً، بحيث تتحول من أنشطة ظرفية، إلى منهج تعليمي متكامل، يعيد تشكيل تجربة التعلم داخل الصف.
ويؤكد مختصون أن العودة الحضورية لا تعني العودة إلى الأساليب التقليدية، بل تمثل فرصة لإعادة ضبط مسار العملية التعليمية، من خلال التركيز على جودة التعلم بدلاً من كميته، وتنمية مهارات التفكير والتحليل والتواصل، باعتبارها مهارات أساسية لمواكبة التغيرات المتسارعة في المعرفة وسوق العمل.
إعادة بناء الفهم
ويؤكد التربوي الدكتور محمد البستاوي، أن المرحلة الحالية تتطلب التركيز على إعادة بناء المفاهيم لدى الطلبة، مشيراً إلى أن بعضهم قد يمتلك معلومات متفرقة، دون فهم حقيقي لها، نتيجة ظروف التعلم عن بُعد.
ويوضح أن التعلم النشيط يمثل مدخلاً مناسباً لمعالجة هذه الفجوات، من خلال إشراك الطلبة في تحليل المحتوى ومناقشته وربطه بالحياة اليومية، بما يعزز ترسيخ المفاهيم بشكل أعمق وأكثر استدامة.
ويضيف أن هذا الأسلوب يمنح المعلم قدرة أكبر على تشخيص مستويات الفهم لدى الطلبة، وليس فقط قياس الحفظ، ما يتيح تقديم دعم تعليمي موجّه، يسهم في معالجة نقاط الضعف تدريجياً، ورفع جودة المخرجات.
استعادة التفاعل
من جانبها، توضح التربوية حنان محمود بوادي، أن أحد أبرز التحديات بعد العودة الحضورية، يتمثل في استعادة التفاعل داخل الصفوف، بعد فترة من التعلم عبر الشاشات. وتؤكد أن الطالب يحتاج إلى بيئة صفية قائمة على الحوار والمشاركة، تتيح له التعبير عن أفكاره، ومناقشة زملائه، بدلاً من الاكتفاء بالاستماع.
وتشير إلى أن التعلم النشيط يوفر هذه البيئة من خلال أنشطة جماعية وتفاعلية تعيد الحيوية إلى الصف، وتزيد من مستوى التركيز والانتباه، لافتة إلى أن التفاعل المباشر بين المعلم والطلبة، عنصر أساسي في تحسين جودة التعلم.
تحول عميق
ويؤكد التربوي عبدالرزاق حاج مواس، أن التعلم النشيط يمثل تحولاً في فلسفة التعليم، إذ ينقل الطالب من الحفظ إلى التفكير والتحليل، موضحاً أن الحفظ لم يعد كافياً في ظل الانفجار المعرفي. ويشير إلى أهمية تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الطلبة، لفهم المعلومات وتوظيفها بفاعلية.
ويضيف أن أنشطة حل المشكلات وتحليل المواقف والمناقشات الصفية تسهم في بناء هذه المهارات عملياً، وتؤهل الطلبة لمراحل تعليمية أعلى، تتطلب فهماً عميقاً، لا معرفة سطحية.
بناء شخصية الطالب
وتوضح التربوية وفاء الشامسي، أن التعلم النشيط لا يقتصر على الجانب الأكاديمي، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب، وتعزيز ثقته بنفسه. وتبين أن مشاركته في الأنشطة الصفية، ومنحه مساحة للتعبير، يعزز حضوره، ويشعره بالمسؤولية تجاه تعلمه.
كما تشير إلى دوره في تنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي، وتعزيز قيم التعاون واحترام الرأي الآخر، ما ينعكس إيجاباً على سلوك الطلبة داخل المدرسة وخارجها.
تعلم مستدام
ويؤكد التربوي أيمن النقيب، أن التعلم النشيط يسهم في تحقيق تعلم مستدام، حيث تبقى المعرفة لدى الطالب لفترة أطول، نتيجة مشاركته الفعلية في بنائها. ويوضح أن هذا النهج يعزز قدرة الطالب على استرجاع المعلومات وتطبيقها في مواقف مختلفة.
ويضيف أن التعلم يتحول بذلك من تجربة مرتبطة بالاختبارات، إلى عملية مستمرة ذات أثر طويل المدى.
تعزيز الدافعية
وفي السياق ذاته، يشير الخبير التربوي الدكتور عبداللطيف السيابي، إلى أن التعلم النشيط يعد من أهم الأدوات لتعزيز دافعية الطلبة، إذ يشعر الطالب بأنه عنصر فاعل داخل الحصة، ما يزيد من حماسه وتفاعله.
ويؤكد أن هذا الأسلوب يخلق بيئة تعليمية محفزة، تقوم على الاكتشاف والتجربة، ويجعل الحصة الدراسية تجربة تفاعلية ممتعة، بدلاً من كونها واجباً تقليدياً.
محور النجاح
ويختتم التربوي الدكتور ماهر حطاب، مدير عام مدارس الأهلية الخيرية، بالتأكيد على أن نجاح التعلم النشيط يرتبط بدور المعلم الذي يشهد تحولاً جوهرياً في مهامه، من ناقل للمعلومة، إلى موجه وميسر للتعلم.
ويوضح أن المعلم بات مطالباً بتصميم أنشطة تفاعلية، وتحفيز التفكير لدى الطلبة، بما يعزز الحوار داخل الصف، ويمنح المتعلمين مساحة للاكتشاف والتجربة. ويشير إلى أهمية توفير الدعم والتدريب المستمر للمعلمين، لضمان التطبيق الفعال لهذا النهج داخل الفصول الدراسية.
