«بطاقة الخروج».. ورقة استئذان صغيرة صنعت فرقاً كبيراً في المدارس

لطالما كانت عبارة «كنت في الحمّام يا معلمي» كافية لتبرير غياب الطالب عن الحصة، مهما طال زمنه خارج الصف. لكن هذه الذريعة اختفت تدريجياً بعد أن قررت إدارات عديدة تطبيق نظام بطاقة الخروج، الذي لا يسمح لأي طالب بمغادرة الفصل من دونها، سواء للحمّام أو العيادة أو مقابلة المشرف الإداري.

وتبدو البطاقة ورقة صغيرة في يد الطالب، لكنها أحدثت فرقاً كبيراً في ضبط النظام داخل المدارس، وأنهت فوضى الخروج العشوائي، وقللت من التسرب القصير الذي كان يقطع إيقاع الدروس. فقد لاحظ المعلمون غياب بعض الطلبة أثناء الحصص بحجج مختلفة، أبرزها الذهاب إلى الحمّام أو مقابلة المشرف أو مراجعة العيادة، وكان بعض الطلاب يتأخرون عشرات الدقائق دون مبرر، فيما يجد المعلم نفسه عاجزاً عن تتبع أماكنهم. فكانت الفكرة أن يحصل الطالب على بطاقة ورقية يكتب فيها وجهته ووقت خروجه وعودته، لتتحول الورقة الصغيرة إلى وسيلة رقابة تربوية تحفظ النظام وتضبط الوقت.

صوت الفكرة

ترى التربوية ياسمين عبدالحميد مصطفى، أن التربية ليست فقط في الدرس، بل في كل تفصيل من تفاصيل اليوم الدراسي، وتشير إلى أن فكرة البطاقة جاءت من حرص عدد كبير من المعلمين على غرس قيمة الاستئذان والانتظام في السلوك اليومي للطلبة، مؤكدة أن البطاقة لم تكن مجرد ورقة تنظيمية، بل ممارسة تزرع داخل الطفل شعوراً بالمسؤولية والانتماء للصف.

وأضافت أن البطاقة غيرت طبيعة التعامل داخل الحصص؛ فلم يعد الخروج من الفصل أمراً عشوائياً، بل صار سلوكاً منظماً يعلم الطلبة أن الحرية مقرونة بالاحترام، وأن النظام ليس قيداً بل أسلوب حياة. كما عززت ثقافة الانضباط داخل الصفوف، وجعلت الطلبة أكثر وعياً بسلوكهم اليومي؛ فأصبحوا يطلبون الإذن بطريقة مهذبة ويقدّرون الوقت الذي يقضونه خارج الفصل، ما جعل البيئة المدرسية أكثر أماناً وتنظيماً.

الحرية مسؤولية

يشير المعلم محمود أبوالفتوح، إلى أن تطبيق بطاقة الاستئذان أسهم بشكل مباشر في الحد من ظاهرة التسرب داخل المدرسة، مؤكداً أن التعامل مع المراهقين يتطلب أدوات تربوية ذكية تتوازن بين الثقة والرقابة. ويضيف أن البطاقة لم تفقد قيمتها مع كبر سن الطلبة، بل أصبحت أداة تذكرهم بأن الحرية مسؤولية، وأن النظام لا يتعارض مع الشخصية المستقلة.

ويضيف أن الفكرة ساعدت المعلمين على ضبط إيقاع اليوم الدراسي، وتقليل حالات التجول في الممرات أو الخروج المتكرر من الصفوف دون مبرر، ما انعكس على انتظام الطلبة وتحسن تحصيلهم الدراسي. كما رسخت لديهم احترام الوقت والالتزام، وخلقت وعياً جديداً بأن المدرسة ليست مكاناً للعقاب، بل منظومة يتشارك الجميع في الحفاظ على انضباطها. وأكد أن الحد من التسرب لا يتحقق بالقوانين فقط، بل بالممارسات اليومية التي تبني السلوك، كما فعل مشروع بطاقة الاستئذان الذي حول الانضباط من مطلب إداري إلى ثقافة يعيشها الجميع داخل المدرسة.

حماية الصغار

تؤكد الدكتورة رحاب الشافعي، المتخصصة في الطفولة المبكرة، أن بطاقة الاستئذان تكتسب أهمية خاصة في مرحلة رياض الأطفال، لأنها وسيلة لحماية الصغار وتنظيم حركتهم داخل المدرسة. وأوضحت أن هذه الفئة العمرية تحتاج إلى متابعة دقيقة، والبطاقة تساعد على ضمان عدم خروج أكثر من طفل في الوقت نفسه، ما يقلل المخاطر ويحافظ على سلامة الجميع. كما تعمل البطاقة وسيلة بصرية تنبه المعلمة إلى أن أحد الأطفال خارج الصف، ما يمنع نسيانهم في الممرات أو دورات المياه، وهي فكرة بسيطة لكنها فعالة في الوقاية والضبط، خصوصاً مع الأعمار الصغيرة التي يصعب فيها الاعتماد على الانضباط الذاتي وحده.

تقليل التجمعات

وترى المعلمة نعيمة العوضي، أن بطاقة الاستئذان ليست مجرد وسيلة تنظيمية، بل ممارسة يومية تزرع في الطالب قيمة السلوك الإيجابي. وتعويد الطلبة على طلب الإذن قبل مغادرة الصف يعلمهم الانضباط في حياتهم العامة أيضاً، ويساعد في تهذيب السلوك وتقليل حالات الخروج العشوائي والتجمع في الممرات، كما يعزز لغة الاحترام المتبادل بين الطلبة والمعلمين ويجعل البيئة الصفية أكثر هدوءاً وتعاوناً.

أما معلمة رياض الأطفال سهيلة علي الشحي، فتصف البطاقة بأنها أداة تعليمية قبل أن تكون إجراءً تنظيمياً، حيث يتعلم الطفل من خلالها أن الذهاب إلى الحمام ليس تصرفاً فردياً عشوائياً، بل سلوك منظم يعبر عن احترامه للصف والمعلمة. وتضيف أن البطاقة علمت الأطفال احترام الدور، والانتظام، وفهم النظام الجماعي داخل الصف، وأسهمت في رفع مستوى الأمان من خلال متابعة الطلاب وضمان عدم خروج أكثر من طفل في الوقت نفسه، ما يقلل من احتمالات الضياع أو الحوادث داخل الممرات.