استعادة جودة التجربة التعليمية تتصدر أولويات التعليم العالي

شهدت الجامعات خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً لافتاً في النظرة إلى دورها ووظيفتها؛ إذ انتقلت – في نظر كثيرين – من كونها تجربة تعليمية متكاملة تسهم في تشكيل الوعي وتوسيع المدارك، إلى مسار إجرائي ينتهي بالحصول على شهادة تمهيداً لدخول سوق العمل.

هذا التحول، الذي فرضته اعتبارات اقتصادية وتسارع المتغيرات العالمية، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول القيمة الفعلية للتعليم العالي وحدود إسهامه في بناء الإنسان وتنمية المجتمع.

وأكد عدد من الأكاديميين والخبراء لـ«البيان» أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في زيادة أعداد الخريجين أو تحسين ترتيب الجامعات في التصنيفات العالمية، بل في استعادة جودة التجربة التعليمية ذاتها، عبر تحقيق توازن واعٍ بين المعرفة والمهارة، وبين التخصص والرؤية الشمولية، وبين الطموح الفردي والمسؤولية المجتمعية.

وحذروا من اختزال دور الجامعة في تخريج كوادر مهنية فحسب، مشددين على حاجة المجتمع إلى أفراد يتمتعون بوعي أخلاقي، وقدرة على التكيّف، وإحساس بالانتماء، وفهم لدورهم في البناء الاجتماعي؛ وهي مقومات لا تقل أهمية عن الكفاءة التقنية.

ومع مرور الوقت، ترسّخ الفهم الاختزالي لدور الجامعة في الوعي المجتمعي، فأصبحت تُقيَّم بما تمنحه من شهادات لا بما تصنعه من عقول. وتراجعت التوقعات من التعليم العالي، وضعف الارتباط برسالته الاجتماعية، ما أفقد التجربة الجامعية جانباً من معناها وقيمتها.

منظومة متكاملة

وفي هذا السياق، أوضح معالي الدكتور عبد الرحمن بن عبد المنان العور، وزير الموارد البشرية والتوطين ووزير التعليم العالي والبحث العلمي بالإنابة، في تصريح لـ«البيان»، أن قانون التعليم العالي الجديد يستهدف إنشاء منظومة متكاملة لقياس الجودة استناداً إلى المخرجات الفعلية، لا الاكتفاء بتقييم البرامج الأكاديمية، بما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني والمجتمع.

وأكد أن القانون يتمتع بمرونة عالية تعزز أداء مؤسسات التعليم العالي، وتمكّنها من مواءمة مخرجاتها مع الاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، مشيراً إلى أن التقييم يركّز على النوعية لا الكم، ويقيس مدى تقدير السوق لهذه المخرجات بوصفه محوراً أساسياً في الحكم على كفاءة المؤسسة التعليمية.

وأضاف معاليه، أن الوزارة طورت حزمة من الأدوات والمؤشرات، جرى بحثها عبر حوارات موسعة مع شركاء التشريع المحلي ومؤسسات التعليم العالي خلال عام 2025، بهدف توحيد الجهود الرامية إلى تحسين جودة المخرجات وقياس أثرها من منظور سوق العمل. وشدد على أهمية بناء شراكات فاعلة ومستدامة بين الجامعات والقطاعات الاقتصادية، بما يمكّن المؤسسات الأكاديمية من تصميم برامجها وفق احتياجات واقعية تعزز جاهزية الخريجين وقدرتهم على الإسهام في التنمية.

مؤشرات شكلية

ويرى الدكتور يوسف العساف، رئيس جامعة روشستر للتكنولوجيا بدبي، أن التجربة الجامعية أصبحت محكومة بمنطق الإنجاز السريع؛ إذ تتكدس المناهج، وتتسارع التقييمات، وتتزايد الأعباء الإدارية، بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا يكتسب الطالب على مستوى الفهم العميق، والقدرة على التفكير، وتحمل المسؤولية تجاه مجتمعه؟

وأكد أن الجامعة فقدت في حالات كثيرة حضورها كمساحة للتكوين الإنساني، لتحل محلها صورة «جسر نحو الوظيفة» لا أكثر، مضيفاً أن النجاح بات يُقاس بمؤشرات ظاهرية مثل عدد البرامج، والاعتمادات الدولية، والمواقع في التصنيفات العالمية. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها لا تعكس بالضرورة الأثر الحقيقي للمؤسسة في المجتمع والاقتصاد. فالقيمة الأعمق للجامعة تتجلى في نوعية خريجيها، وقدرتهم على التفكير النقدي، والعمل الجماعي، وفهم التعقيدات الاجتماعية والاقتصادية، لا في مجرد شغل وظيفة.

من جهتها، أشارت الدكتورة غادة عبيدو، أستاذة الإعلام الرقمي بجامعة عين شمس بالقاهرة، إلى أن من أبرز التحديات انفصال الجامعة عن بيئتها، حيث يُنظر إلى البحث العلمي باعتباره إنجازاً فردياً، لا مسؤولية مجتمعية. مشيرة إلى أن تعزيز البعد التطبيقي والمعرفي للبحث ضرورة لضمان استدامة دور الجامعة في التنمية. بدورها، أكدت الدكتورة داليا هارون، أستاذة مشاركة في قسم علوم الصحة بجامعة زايد، أن تصاعد التركيز على مواءمة التعليم مع متطلبات سوق العمل يعكس تحولات اقتصادية متسارعة وتغيراً دائماً في المهارات المطلوبة، مشددة على أن الجامعة ليست مؤسسة تعليمية فحسب، بل رافعة أساسية للتنمية البشرية، وكلما اقتربت من هذا الدور ازدادت قيمتها في مسار المجتمع.

جودة التجربة التعليمية

ويرى الدكتور عبد الله إسماعيل الزرعوني، أستاذ الهندسة الكهربائية بجامعة روشستر للتكنولوجيا، أن الإفراط في التعويل على التصنيفات العالمية أعاد توجيه أولويات بعض الجامعات نحو تحسين صورتها الخارجية، على حساب الاستثمار في جودة التجربة التعليمية. فمعظم هذه التصنيفات تركّز على مؤشرات كمية سريعة القياس، ولا تمنح الأثر الاجتماعي نصيبه الكافي من الاعتبار.

و يمتد هذا التحول – بحسب الزرعوني – إلى البحث العلمي، الذي شهد توسعاً كمياً ملحوظاً مقابل محدودية في الأثر التطبيقي. وفي السياق ذاته، لفت البروفيسور محمد أحمد عبد الرحمن، مدير جامعة الوصل بدبي، إلى أن كثيراً من الأبحاث تتميز بدقة منهجية، لكنها تبقى حبيسة الأدراج أو المجلات الأكاديمية، دون أن تجد طريقها إلى التطبيق أو معالجة قضايا المجتمع. وأضاف: «مع ضعف الارتباط بين البحث واحتياجات الواقع، تتحول المعرفة إلى غاية بذاتها، ويشوبها أحياناً قصور في أخلاقيات الممارسة، بدلاً من أن تكون أداة للفهم وصناعة الحلول».

دور يتجاوز الشهادة

من جانبه، أكد فادي الكردي، مؤسس ورئيس مجلس إدارة إحدى الشركات في دبي، أن دور الجامعات يتجاوز منح الشهادات إلى إعداد خريجين قادرين على النجاح في بيئة عمل متغيرة، «فالمطلوب ليس تزويد الطالب بالمعرفة الأكاديمية فحسب، بل تنمية قدرته على التفكير التحليلي، وحل المشكلات، والتعلم المستمر، بما يضمن جاهزيته للتكيف مع التحولات الاقتصادية».

وترى رزان العقروق، رئيسة تمكين الأفراد والاستدامة في شركة «جي إم جي»، أن ردم الفجوة بين التعليم وسوق العمل يتطلب شراكات مؤسسية حقيقية تنتقل بالعلاقة من إطارها النظري إلى تعاون مستدام ينعكس على تطوير البرامج الدراسية. كما يستدعي تعزيز الجانب التطبيقي عبر مشاريع واقعية وتدريب نوعي، وربط المخرجات بمهارات مطلوبة فعلاً، مع التركيز على المهارات العابرة للتخصصات مثل التواصل الفعال، والعمل ضمن فريق، والتفكير النقدي، والمرونة المهنية.

وبذلك، تتبلور الحاجة إلى إعادة تعريف دور الجامعة بوصفها فضاءً للتكوين المعرفي والإنساني معاً، لا محطة عبور إلى الوظيفة فقط؛ فالتعليم العالي، في جوهره، مشروع لبناء الإنسان قبل أن يكون مساراً مهنياً.