أكدت مؤسسة دبي لخدمات الإسعاف أن دعم المسعفين نفسياً لم يعد خياراً ثانوياً أو جانباً مكملاً للعمل الإسعافي، بل يشكل ركناً أساسياً لضمان استدامة المنظومة الإسعافية وجودة خدماتها، مشددة على أن الاستثمار في صحة مقدمي الرعاية النفسية هو استثمار مباشر في سلامة المجتمع واستقراره.
وتبنت المؤسسة عدداً من المبادرات العملية، التي تعنى بصحة العاملين النفسية، من أبرزها تشكيل فريق للدعم النفسي يقدم جلسات تفريغ نفسي بعد الحوادث الحرجة، وتنفيذ ورش توعوية لتعزيز الصحة النفسية في بيئة العمل، إلى جانب اعتماد سياسات تضمن الخصوصية، وتشجع الموظفين على طلب المساندة.
وذكرت الدكتورة بشاير عبدالرحمن محمد، أخصائي دراسات طبية رئيسي، ورئيسة لجنة الدعم النفسي، أن بحثها الذي حمل عنوان «تصميم تدخلات مخصصة للحد من تأثير المواقف الصادمة على أفراد خدمات الطوارئ الطبية في دولة الإمارات» جاء نتاج خبرة ميدانية وبحثية عميقة، وقناعة راسخة بأن الأثر النفسي للحوادث الحرجة لا يقتصر على المرضى وذويهم، بل يمتد إلى مقدمي الرعاية أنفسهم.
وبينت أن المسعفين يواجهون ضغوطاً نفسية متكررة نتيجة التعامل اليومي مع حالات حرجة، لا سيما الإصابات الجسيمة، وحالات الأطفال، والوفيات المفاجئة، إلى جانب الإرهاق الناتج عن المناوبات، مشيرة إلى أن «هذه الضغوط إذا لم يتم التعامل معها بشكل مهني ومنهجي فقد تتراكم وتتحول إلى إجهاد نفسي مزمن أو صدمات ثانوية، تؤثر في الأداء وجودة الحياة.
وأضافت: «أظهرت نتائج البحث أن التعامل مع الصدمات في بيئة العمل الإسعافي يعتمد في كثير من الأحيان على الجهد الفردي والخبرة الشخصية، في ظل غياب بروتوكولات موحدة وواضحة للدعم النفسي والتفريغ بعد الحوادث الحرجة، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً أمام استدامة الأداء المهني للمسعفين.
وأكدت أن من أبرز التحديات التي رصدها البحث عدم ملاءمة بعض النماذج الغربية للدعم النفسي عند تطبيقها في البيئة المحلية، مشددة على أنه لا يمكن نقل التجارب الغربية كما هي إلى بيئتنا، فالثقافة ودور الأسرة وطريقة التعبير عن الضغوط النفسية تختلف، وهذا يتطلب تصميم تدخلات مخصصة، تنطلق من فهم عميق لخصوصية المجتمع الإماراتي وطبيعة العمل الميداني فيه.
وتطرقت إلى الوصمة المرتبطة بطلب الدعم النفسي، مشيرة إلى أن بعض المسعفين يترددون في طلب المساندة النفسية خوفاً من الوصم أو من أن ينظر إليهم على أنهم أقل قدرة على التحمل، ما يمثل عائقاً كبيراً أمام نجاح أي برامج دعم، ويؤكد الحاجة إلى بناء ثقافة مؤسسية تطبع الحديث عن الصحة النفسية، وتعيد تعريف طلب المساعدة على أنه قوة وليس ضعفاً.
وحول التوصيات أوضحت أن البحث اقترح مقاربة شاملة، تقوم على ثلاثة مستويات، قائلة: «على المستوى الفردي من المهم أن يدرك المسعف أن التأثر بالمواقف الصعبة أمر طبيعي، وأن يحرص على التفريغ النفسي والعناية بنفسه.
وعلى المستوى الجماعي يجب تعزيز ثقافة الدعم المتبادل بين الزملاء، وخلق بيئة آمنة للحوار، أما على المستوى المؤسسي فتبرز أهمية وجود سياسات واضحة، وتدخلات منظمة بعد الحوادث الحرجة، وضمان السرية، وتشجيع طلب الدعم دون أي تبعات مهنية».
واقترحت الدكتورة بشاير عبدالرحمن محمد، حزمة متكاملة من التدخلات، تبدأ بتنظيم جلسات تفريغ نفسي بعد الحوادث الحرجة، إلى جانب برامج توعوية مستمرة، تساعد المسعفين على فهم الضغوط النفسية، والتعامل معها بأساليب صحية،.
كما تبرز أهمية توفير مسارات آمنة وسرية لطلب المساندة النفسية، وتدريب الكوادر على مهارات إدارة الضغط وبناء المرونة النفسية، إلى جانب تعزيز بيئة عمل تشجع على الحوار والدعم المتبادل بين الزملاء، ولا يقل عن ذلك أهمية اعتماد سياسات مؤسسية واضحة، تحمي رفاه الموظف، وتتابع حالته النفسية بشكل مستمر، بما يضمن استدامة هذه البرامج وفعاليتها على المدى الطويل.