تعاملت فرق الإنقاذ البحري في شرطة دبي مع 175 بلاغاً خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري، مقابل 186 بلاغاً خلال عام 2025، شملت حوادث غرق وطلبات مساعدة في عرض البحر وتعطل وسائل بحرية، إلى جانب بلاغات سقوط مقتنيات ثمينة في قاع البحر، في حين نجحت الفرق في إنقاذ أم وطفلها من الغرق على شاطئ أم سقيم 3 بمنطقة جميرا، خلال دورية اعتيادية ودون تلقي أي بلاغ مسبق عن الحادث.
وقال المقدم مروان خلف الكعبي، رئيس قسم الإنقاذ البحري في إدارة البحث والإنقاذ بشرطة دبي، إن سرعة استجابة الفرق الميدانية وجاهزيتها أسهمتا في التعامل مع عدد من الحوادث الاستثنائية، من بينها إنقاذ أم وطفلها من الغرق أثناء قيام أفراد الإنقاذ بدورية عامة في منطقة اختصاصهم على شاطئ أم سقيم 3 في جميرا، دون ورود بلاغ مسبق عن الحادث، مشيراً إلى أن أفراد الفريق أظهروا حسن التصرف وسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة، ما أسهم في إنقاذ حياة الشخصين.
جاهزية ميدانية
وأوضح الكعبي أن القسم يضم قرابة 70 عنصراً يتوزعون بين فريق دوريات بحرية وفريق دوريات برية، حيث يتعامل القسم مع أي مكان توجد فيه تجمعات مائية كالسدود (مثل سد حتا)، بالإضافة إلى التغطية الميدانية للفعاليات والسباقات المائية المختلفة.
وبيّن أن أبرز العمليات التي نفذتها الفرق شملت إنقاذ شخص عالق في وادٍ شديد الانجراف، وآخرين احتموا فوق شجرة هرباً من السيول، فضلاً عن إنقاذ غريق على شاطئ جميرا وإجراء الإنعاش له حتى استقرت حالته، لافتاً إلى أن نجاح هذه العمليات ارتبط بسرعة الاستجابة وجاهزية المعدات والمركبات وخبرة المنقذين والغواصين والتنسيق مع فرق الإسعاف والطوارئ.
تحديات الإنقاذ
وأشار إلى أن عمليات البحث عن الأشخاص المفقودين في عرض البحر دون معرفة مواقعهم بدقة تمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه فرق الإنقاذ، إلى جانب حوادث غرق اليخوت أو انقلابها وعلى متنها أشخاص عدة، والحوادث التي تقع ليلاً في ظل اضطراب البحر وضعف الرؤية، فضلاً عن الحوادث البعيدة عن الساحل التي تتطلب وقتاً وجهوداً إضافية للوصول والتنسيق.
وأكد الكعبي أن القسم يعمل على تطوير جاهزيته التشغيلية من خلال توظيف التقنيات الحديثة، ومنها أجهزة السونار التي تتيح رصد التفاصيل تحت الماء بدقة، وأجهزة «رايمارين» وكاميرات الرصد الحراري، إلى جانب برامج داخلية لمتابعة الحوادث والمهام والإحصاءات، والتمارين اليومية لقياس جاهزية المنتسبين.
والدورات التدريبية لتعزيز المعرفة والمهارات التخصصية؛ حيث يخضع الفريق بشكل دوري لتدريبات لياقة واختبارات تخصصية عالية في السباحة والجري والغوص. كما أشار إلى أن شرطة دبي تولي اهتماماً كبيراً بكافة التفاصيل التي تخص كوادرها، ومن ذلك تقديم الدعم النفسي لكل فرد من أفراد الفريق عند الحاجة.
مؤشرات استجابة
وذكر الكعبي أن من أبرز الأهداف الاستراتيجية للقسم هو تقليل زمن الاستجابة؛ حيث يحدد المؤشر الأول زمن الاستجابة للمناطق التي تبعد أقل من 6 أميال بحرية بـ 12 دقيقة، في يحدد المؤشر الثاني الاستجابة للمناطق التي تبعد أكثر من 12 ميلاً بحرياً بنصف ساعة، مبيناً أن القسم يسعى بحلول عام 2027 إلى تخفيض دقيقة واحدة في كل مؤشر منهما.
وفي ما يتعلق بحوادث الغرق، أوضح أن أبرز أسبابها تتمثل في ضعف الرقابة الأسرية، والسباحة في أوقات وأماكن غير مخصصة، وسوء الأحوال الجوية، وضعف مهارات السباحة وعدم الإلمام بإجراءات السلامة، إلى جانب السلوكيات المتهورة وتناول المشروبات الكحولية، مشيراً إلى أن الفئة العمرية من 25 إلى 35 عاماً من أكثر الفئات تعرضاً لهذه الحوادث وفق بيانات القسم.
وحذر من خطورة قيادة الدراجات المائية دون خبرة كافية، وعدم ارتداء سترات النجاة، والقيادة المتهورة التي قد تتسبب في وقوع حوادث تصادم، مؤكداً أهمية التزام مرتادي الشواطئ وممارسي الرياضات البحرية بإرشادات السلامة، خصوصاً أن قيادة الدراجات المائية تنطوي على مخاطر بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يمتلكون الخبرة اللازمة.
مبادرات إنسانية
وفي جانب المبادرات الإنسانية، كشف الكعبي عن تحقيق أمنية أحد أصحاب الهمم في تعلم الغوص، من خلال التنسيق مع المعنيين في مكتب الغوص للتدريب، حيث جرى تدريبه على الغوص الحر، وتمكن من إتمام الدورة والحصول على شهادة معتمدة.
وأضاف أن القسم حقق كذلك أمنية طفل كان يحلم بركوب زورق «جت كار»، وهو زورق صغير مصمم على هيئة سيارة، وذلك استجابة لرسالة رسمية وردت إلى القيادة العامة لشرطة دبي، حيث اصطحب الفريق الطفل في رحلة بحرية انطلقت من نقطة تمركز الإنقاذ البحري في دبي هاربر وصولاً إلى منطقة عين دبي.
وأشار إلى أن المبادرات المجتمعية والتوعوية تشمل «أبحر بأمان»، وتنظيف قاع البحر، والتوعية بمواقع التيارات البحرية باللغات العربية والإنجليزية والأوردية، إلى جانب مبادرة «سواحل نظيفة» في جزر العالم تحت رعاية اللواء طيار أحمد بن ثاني، والمشاركة في اليوم العالمي للوقاية من الغرق، وتنظيم ورش تدريبية للمتطوعين حول الوقاية من الغرق في أحواض السباحة، فضلاً عن التوعية بمخاطر المياه الجارفة.
شراكة استراتيجية
وجّه الكعبي رسالة مهمة حول أهمية التطوع، وخاصة التطوع التخصصي، مشيراً إلى أن وجود متطوع مدرب ولديه إلمام بالإسعافات الأولية أو القدرة على التعامل مع التجمعات يساعد كثيراً ميدانياً؛ إذ إن أي حادث يتصادف فيه وجود متطوع تكون نسبة النجاح والإنقاذ فيه عالية جداً لأن كل ثانية تحدث فارقاً، فالمتطوع يسهم في إبعاد الناس ومنع التجمهر وتقديم معلومات دقيقة عن الحادثة. ولفت إلى وجود تعاون وثيق مع منصة «ساند» كونها منصة تطوعية تضم مختلف التخصصات.
البحث عن المفقودات
وكشف الكعبي أن فرق الإنقاذ البحري تعاملت مع 25 حالة مفقودات خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، مقابل 36 حالة خلال عام 2025، شملت مقتنيات سقطت في المياه، من بينها خواتم وهواتف ومفاتيح ومبالغ مالية وساعات. وأوضح أن الناس يطلبون المساعدة في حالات بسيطة مثل «تلفوني وقع بالماء»، مؤكداً: «نحن قريبون من المجتمع ونسعى لتقديم الخدمات بشتى الطرق».
وأوضح أن عمليات البحث عن المقتنيات الصغيرة تواجه تحديات تتعلق بانعدام الرؤية، خصوصاً خلال الليل، ما يستدعي الاعتماد على حاسة اللمس ولمعان المقتنيات للوصول إليها. واستشهد ببعض التصرفات والسلوكيات الواقعية، كأن يفقد شخص محفظته وفيها مبلغ مالي كبير أثناء قيادة دراجة مائية في عرض البحر، مستطرداً بالتوجيه للجمهور: «ننصح جمهورنا بعدم حمل أشياء ثمينة أو ساعات ذات ماركات عالمية أثناء الخروج في رحلة بحرية».
خط الدفاع الأول
ونوه الكعبي بأن عدم الوعي وغياب أبسط إجراءات الأمن والسلامة يضاعفان الحمل على فرق الإنقاذ، مشدداً على أن «خط دفاعنا الأول هو الجمهور، وبالتالي نعول كثيراً على دورهم ووعيهم». وأوضح أن بعض الأسر على سبيل المثال تبلغ عن ضياع طفل على الشاطئ، وبعد وقت قصير تتوجه الفرق فوراً للمكان، إلا أن الأهالي يجدون الطفل أحياناً بعد الإبلاغ مباشرة دون أن يعاودوا الاتصال بالفرق لإبلاغهم بذلك.
وأوضح أن التنسيق مع خفر السواحل والإسعاف والجهات المعنية بالسلامة البحرية يجري عبر غرفة العمليات وتبادل البلاغات والبيانات والاجتماعات التنسيقية، إلى جانب توحيد خطط الاستجابة للطوارئ، وتوزيع الأدوار الميدانية وتنفيذ التمارين المشتركة والافتراضية لتعزيز الجاهزية وسرعة التعامل مع الحوادث الكبرى.
توسع مستقبلي
وأكد أن خطط القسم حتى عام 2030 تركز على توسيع نطاق التوعية بالسلامة البحرية لمواكبة تنوع الجنسيات والثقافات بين مرتادي الشواطئ، وزيادة نقاط تمركز فرق الإنقاذ، مشيراً إلى وجود خطط لإضافة نقاط جديدة في منطقتي جبل علي وعين دبي.
ودعا الكعبي أفراد الجمهور إلى طلب النجدة فور مشاهدة شخص يتعرض للغرق، ومحاولة مساعدته من مكان آمن باستخدام طوق نجاة أو عصا دون النزول إلى الماء متى أمكن، موضحاً أن منهجية الإنقاذ المعتمدة تبدأ بالتواصل مع الغريق ومحاولة الوصول إليه أو رمي وسيلة طفو، قبل اللجوء إلى وسائل الإنقاذ الأخرى وفق طبيعة الحالة.
وحذر من القفز العشوائي إلى الماء لإنقاذ الغريق دون امتلاك مهارات السباحة والإنقاذ، أو النزول دون سترة نجاة، مشدداً على ضرورة تقييم الظروف المحيطة قبل التدخل، وتجنب السماح للغريق المذعور بالتشبث برأس المنقذ أو رقبته، لما قد يشكله ذلك من خطر على حياة الطرفين.


