راشد بن سعيد.. رؤية سبقت الزمن وصنعت ملامح دبي

في ذكرى رحيل راشد بن سعيد.. التاريخ يستعيد جانباً مضيئاً من النهضة والبناء والإنجازات

الراحل الكبير وضع الأسس الأولى لنهضة إمارة تحولت إلى نموذج عالمي في التنمية

بعد 36 عاماً على رحيله، لا تزال رؤية المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، حاضرة في تفاصيل دبي، شاهدة على مسيرة قائد استشرف المستقبل، ووضع الأسس الأولى لنهضة إمارة تحولت في عقود قليلة إلى نموذج عالمي في التنمية والتجارة وجودة الحياة.

فمن المشاريع الكبرى والبنية التحتية، إلى الاستثمار في الإنسان وبناء المؤسسات، مضى الشيخ راشد في مسيرة بناء متكاملة، انطلقت من إيمانه بأن الإنسان هو الأساس الحقيقي لأي نهضة، وأن المدن لا تكبر باتساع شوارعها ومبانيها فحسب، وإنما بما توفره لأهلها من فرص وخدمات وأمن واستقرار وعمل وتعليم، وبقدرتها على أن تتحول من مكان يعيش فيه الناس إلى مكان يصنعون فيه مستقبلهم.

التاريخ يستعيد في ذكرى رحيل الشيخ راشد بن سعيد، جانباً مضيئاً من تاريخ النهضة والبناء والتشييد والإنجازات في دبي، حيث قاد مسيرة الإمارة بفكر استباقي وتخطيط حضري واستثمار في بناء الأجيال، ورسم خريطة طريق مهدت لتحولها إلى مدينة حديثة ذات حضور عالمي.

وخلال سنوات حكمه، حققت دبي طفرة تنموية شاملة، مستندة إلى رؤية بعيدة المدى أدركت مبكراً أهمية الموقع الجغرافي، وضرورة الاستثمار في البنية التحتية، ودعم التجارة، وبناء المؤسسات والخدمات، إلى جانب الاستثمار في الإنسان وتأهيل الأجيال القادرة على مواصلة مسيرة التطوير.

وساهم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد بدور بارز في قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة ومسيرة نهضتها، وكان أحد رواد وحدة الإمارات وبناء حضارتها، وترسيخ دعائم الدولة وتعزيز علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي والعالم.

النشأة

وحسب الموقع الرسمي لدائرة الضيافة والتشريفات - دبي، ولد الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم في عام 1912، وهو العام الذي تسلم فيه والده الشيخ سعيد بن مكتوم آل مكتوم مقاليد الحكم في إمارة دبي، فنشأ في بيت والده، الذي اشتهر بالورع والزهد والتقوى، والحرص على مصلحة الوطن والمواطنين، وسعة الصدر والحلم والخلق النبيل.

وحسب الموقع الرسمي للأرشيف والمكتبة الوطنية نشأ الشيخ راشد ، طيب الله ثراه، في كنف والدته الشيخة حصة، التي كانت لها مكانة خاصة في قلوب الناس، حيث لُقبت بـ«أم دبي».

وتشرّب الشيخ راشد بن سعيد منذ نعومة أظفاره في هذا البيت الخصال الطيبة والسجايا الحميدة المستقاة من أصيل الثقافة العربية الإسلامية.

وتعلم الشيخ راشد بن سعيد مبادئ اللغة العربية والحساب والقرآن الكريم على يد المطاوعة، ثم التحق بالمدرسة الأحمدية في ديرة، حيث تفقه في العلوم الدينية إلى جانب علوم اللغة العربية والحساب.

وعُرف عنه الجد والاجتهاد، وحبه للعلم والمعرفة، كما اشتهر منذ صغره بسمو الأخلاق وطيب النفس، وحمل في داخله طموحاً كبيراً لجودة حياة المواطنين.

الحكم

وانخرط الشيخ راشد بن سعيد في العمل السياسي منذ نعومة أظفاره، إذ اعتاد حضور مجلس والده، وكان يبدي اهتماماً بالغاً بما يدور فيه، ويصغي إلى الآراء والأفكار التي يطرحها الحضور، الأمر الذي أتاح له التعرف عن قرب إلى شؤون الحكم وإدارة المنطقة، والتدرب على تحمل المسؤولية.

وعُيّن الشيخ راشد بن سعيد ولياً للعهد عام 1939، وساند والده في تسيير شؤون المنطقة، وأثبت بحنكته قدرته على تحمل المسؤولية، كما أسهم في مواجهة أزمات اقتصادية عديدة، كان من أبرزها انهيار تجارة اللؤلؤ والحصار البحري الذي فرضته بريطانيا على موانئ الخليج العربي بعد الحرب العالمية الثانية.

وبعد وفاة والده الشيخ سعيد بن مكتوم، طيب الله ثراه، عام 1958، تولى الشيخ راشد حكم إمارة دبي، وامتدت سنوات حكمه 32 عاماً، شهدت خلالها الإمارة تطوراً ونمواً سريعاً في مختلف المجالات.

ومنذ توليه الحكم، عمل على تثبيت مركز دبي التجاري، ولا سيما أن عوائد البترول في ذلك الوقت لم تكن تفي بالتزامات الإمارة، فاهتم بالأسواق، ودعم التجار، وشجع الاستثمار التجاري، وخطط لآفاق بعيدة ورؤى مستقبلية للمدينة.

كما اهتم بإنشاء الدوائر التي تقدم خدماتها للسكان، وتسهم في تطوير الإمارة، ومنها البلدية والأراضي والشرطة والجمارك والمحاكم والكهرباء والمياه وغيرها من الدوائر، لتنطلق دبي إلى بناء منظومة مؤسسية تواكب طموحاتها المستقبلية.

أساس النهضة

وآمن الشيخ راشد بن سعيد بأن الازدهار الاقتصادي لا ينفصل عن بناء الإنسان، وأن التعليم والرعاية الصحية يمثلان ركيزتين أساسيتين لنهضة المجتمع والدولة، لذلك حرص على دعم المدارس النظامية التي بدأت في الظهور، ومن بينها «المدرسة الأحمدية» التي كان من أوائل الملتحقين بها في صغره.

كما حرص على إرسال الطلاب للدراسة في الخارج على نفقته الخاصة، ليعودوا قادة ومتخصصين يسهمون في بناء الدولة، واهتم في الوقت نفسه بتأسيس المستشفيات والمراكز الصحية، انطلاقاً من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن، وأن بناء الأجيال يمثل استثماراً في المستقبل.

ملامح المستقبل

وأطلق الشيخ راشد بن سعيد، طيب الله ثراه، العديد من المشاريع التنموية في دبي، وحرص على توفير الخدمات الأساسية لسكان الإمارة، مستفيداً من الإمكانات والفرص المتاحة في ذلك الوقت، وموجهاً إياها نحو التخطيط لحاضر دبي ومستقبلها.

ولم يكن يكتفي بمتابعة المشاريع من خلال التقارير، بل كان حريصاً على الوقوف عليها بنفسه، حيث كان يقوم بجولتين في مدينة دبي يومياً، يتابع خلالهما المشاريع، ويطلع على أدق التفاصيل في أي مشروع قيد التنفيذ، ويتابع العمل خطوة خطوة.

وكانت هذه الجولات فرصة أيضاً للالتقاء بعامة الناس عن قرب والاستماع إليهم وتلبية مطالبهم، وبعد عودته كان يمضي كثيراً من الوقت في أعماله الرسمية من خلال مجلسه، حيث يلتقي بالناس ويشاركهم قضاياهم ويصغي إلى مطالبهم ويعمل على تلبيتها.

وشهدت دولة الإمارات ودبي على وجه الخصوص في السبعينيات حركة عمرانية واسعة النطاق، استطاع خلالها الشيخ راشد بن سعيد أن يضع حجر الأساس للاستقرار والتنمية والازدهار، من خلال توظيف خبرته السياسية في إدارة شؤون الإمارة، ثم في رئاسة مجلس الوزراء بعد قيام الاتحاد.

وشملت تلك النهضة إنشاء الطرق والجسور التي تربط شطري الإمارة، وتوسيع خور دبي، وتعزيز موقعها التجاري، وإنشاء مزيد من الموانئ، لتتحول دبي تدريجياً إلى مركز تجاري بين الشرق والغرب.

حيث قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في كتابه «قصتي»: «أحد أهم أسرار تفوق دبي هي القيم التي أرساها الشيخ راشد بن سعيد في منظومة الحكم».

الموقع الجغرافي

وأدرك الشيخ راشد بن سعيد مبكراً أن الموقع الجغرافي لدبي يمكن أن يكون ثروة بحد ذاته، فحرص على استثماره، انطلاقاً من قناعة بأن المدينة الواقعة بين الشرق والغرب يمكن أن تصبح محطة للتجارة وحركة البضائع والأعمال، وأن الموقع وحده لا يكفي من دون بنية تحتية قادرة على تحويل هذه الميزة إلى قوة اقتصادية.

ومن هذه الرؤية جاء الاهتمام بالموانئ والمطارات والطرق والاتصالات، وهي مشاريع أثبتت السنوات التالية أهميتها في مسيرة دبي الاقتصادية.

وأعلن الشيخ راشد بن سعيد عن رغبته في بناء مطار دبي، وتم الاختيار بين جبل علي والقصيص، قبل أن يقع الاختيار على القصيص، وافتتح المطار في 30 سبتمبر 1960، ما أسهم في جعل دبي مركزاً إقليمياً لحركة الطيران.

كما ارتبطت رؤيته بتطوير الموانئ، إذ تم إنجاز مشروع خور دبي في نهاية عام 1960، وبدأت بعد ذلك خطوط الملاحة تتوافد إلى الإمارة، فيما أطلق الشيخ راشد بن سعيد الأعمال الإنشائية لميناء جبل علي عام 1976، وتم إنشاء الميناء عام 1979، ليصبح لاحقاً واحداً من أهم موانئ المنطقة والعالم.

وكان الشيخ راشد بن سعيد ينظر إلى الخور باعتباره أكثر من مجرد مجرى مائي؛ فقد رآه بوابة يمكن أن توسع حركة التجارة وتفتح دبي على العالم، ولذلك ارتبطت مرحلة حكمه بمشاريع أساسية في الخور والموانئ والمطار والطرق وسائر البنية التحتية.

وفي مجال الكهرباء، تم إنشاء شركة الكهرباء العامة بدبي عام 1959، وحصلت الإمارة على أول إمداد كهربائي عام 1961، فيما أمر الشيخ راشد بن سعيد عام 1960 بإنشاء شركة التليفون والبرق واللاسلكي، جنباً إلى جنب مع شركة كهرباء دبي، ومارس إشرافاً دقيقاً على شركة التليفون باعتباره رئيساً لمجلس إدارتها.

وبهدف توفير مناخ ملائم للتجارة وجذب الشركات العالمية إلى دبي، بذل الشيخ راشد جهوده في افتتاح «إمبريال بنك»، الذي عرف بعد ذلك باسم «البنك البريطاني للشرق الأوسط»، عام 1954، واشترط في اتفاقية الإنشاء تشغيل موظفين من أبناء الإمارة، لتبدأ بعد ذلك مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي.

وفي عام 1963 أصدر الشيخ راشد بن سعيد مرسوماً بتأسيس أول بنك وطني، هو بنك دبي الوطني المحدود، برأسمال قدره مليون جنيه إسترليني، بعد أن كانت التعاملات المالية والمصرفية تعتمد بصورة أساسية على المصارف الأجنبية، وكانت دبي تفتقر إلى مؤسسة مالية وطنية من هذا النوع.

وفي مجال الإسكان، الذي تصدر أولوياته، أنشأ الشيخ راشد بن سعيد دائرة الأراضي والأملاك عام 1960، وأسند رئاستها إلى أكبر أنجاله، المغفور له بإذن الله الشيخ مكتوم بن راشد، طيب الله ثراه، ليصبح الإسكان جزءاً من المشاريع العديدة التي بدأت دبي العمل عليها في مرحلة التحول التنموي.

كما شهدت الإمارة توسعاً في إنشاء الطرق والمطار والموانئ، وفي أكتوبر عام 1972 افتتح ميناء راشد البحري، الذي شكل دعماً اقتصادياً قوياً لإمارة دبي والإمارات عامة، في وقت كان الشيخ راشد يشجع التجارة والتجار، ويطمح إلى زيادة الموارد وتشجيع الخطوط العالمية على المرور بدبي، حتى أصبحت مركزاً تجارياً بين الشرق والغرب.

وتوافقت رؤية الشيخ راشد مع رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بشأن قيام الاتحاد.

وأسفرت الجهود بينهما عن توقيع اتفاقية السميح الشهيرة في فبراير عام 1968 باتحاد الإمارتين، قبل أن تتواصل الجهود وصولاً إلى اتحاد الإمارات السبع وإعلانه رسمياً في الثاني من ديسمبر 1971.

وتولى الشيخ راشد منصب نائب رئيس الدولة، إضافة إلى رئاسة مجلس الوزراء، وواصل من موقعه الاتحادي الإسهام في ترسيخ دعائم الدولة ودعم مسيرتها التنموية.

كما تم تكليفه بقرار من المجلس الأعلى للاتحاد بتشكيل مجلس الوزراء الجديد في 30 أبريل 1979، وأعلن عقب تشكيل الحكومة في الأول من يوليو 1979 الخطوط العريضة للسياسة التي تنتهجها الحكومة.

وتميز المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم بمواقفه الوطنية الداعمة للقضايا العربية والإسلامية، وبجهوده في التنمية وبناء الدولة، إضافة إلى دعمه الإنساني ومساهماته في تعزيز مكانة الإمارات إقليمياً ودولياً.

وكان، رحمه الله، حريصاً على مصالح دولة الإمارات وقضايا الأمة العربية والإسلامية، ومدافعاً عن عدالة قضاياها.

كما دعم الشيخ راشد العديد من المشاريع الإنسانية والتنموية، فقدم مساعدات مالية لبناء المستشفيات والمساكن في فلسطين، إضافة إلى عدد من الدول في أفريقيا وآسيا. وحرص على تعزيز العلاقات مع دول الخليج والدول الأخرى، واهتم بمناقشة القضايا التي تهم أمته العربية والإسلامية. كما دعا إلى إنشاء مجلس يضم دول الخليج العربي، وهو ما تجسد لاحقاً في قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

وواصل الشيخ راشد، رحمه الله، مسيرة البناء والتنمية بإرادة وعزيمة راسختين، مستنداً إلى إيمان عميق بإمكانية تحقيق الأحلام وتحويل المستحيل إلى تحدٍّ يمكن مواجهته وتجاوزه.

ومن خلال رؤيته في القيادة، ومتابعته للمشاريع، واهتمامه بالإنسان، واستثماره في البنية التحتية والتجارة والمؤسسات، وضع الأسس التي قامت عليها دبي، ورسّخ نهجاً ظل حاضراً في مسيرتها التنموية.

وبعد 36 عاماً على رحيله، لا تزال ملامح ذلك النهج حاضرة في دبي، التي واصلت البناء على الأسس التي أرساها الشيخ راشد، لتصبح المدينة التي حلم بها مكاناً يصنع فيه الإنسان مستقبله، وتتحول رؤيته التي سبقت زمنها إلى إرث مستمر في مسيرة دبي ودولة الإمارات.

الراحل الكبير قاد مسيرة دبي بفكر استباقي وتخطيط حضري واستثمار في بناء الأجيال

توافقت رؤيته مع الشيخ زايد لتتواصل الجهود إلى قيام الاتحاد

أدرك أهمية الموقع الجغرافي لدبي واستثمره إلى قوة اقتصادية تربط الشرق بالغرب

المتابعة الميدانية اليومية للمشاريع والاستماع إلى الناس نهجه في القيادة