دبي تنقل رحلة المسافر إلى عصر العبور الذكي بلا وثائق

البوابات الذكية رحلة تطوير متواصلة
البوابات الذكية رحلة تطوير متواصلة

«إقامة دبي» سابقت الزمن لتوسيع حضور التقنيات والذكاء الاصطناعي

من طوابير الانتظار الطويلة إلى عبور لا يتجاوز 3 ثوانٍ، أعادت دبي تعريف تجربة المسافر في منافذها الجوية، فلم يكن رهانها لمواكبة النمو القياسي في أعداد القادمين والمغادرين زيادة منصات مأموري الجوازات، بل الانتقال إلى منظومة ذكية تختصر الإجراءات قبل وصول المسافر إلى نقطة العبور.

وخلف هذا التحول، تقف رحلة ممتدة، قادتها الإدارة العامة للهوية وشؤون الأجانب في دبي، انتقلت خلالها من الإجراءات التقليدية القائمة على تقديم الوثائق والتدقيق اليدوي، إلى منظومة تعتمد الذكاء الاصطناعي والأنظمة البيومترية والتدقيق المسبق، لتتحول رحلة السفر من عملية تتطلب التوقف والانتظار، إلى تجربة سلسة تنجز خلال ثوانٍ.

السجادة الحمراء ثورة تقنية في إنجاز إجراءات السفر
السجادة الحمراء ثورة تقنية في إنجاز إجراءات السفر

تغيير مفهوم السفر

على مدى أكثر من عقدين، خاضت «إقامة دبي» سباقاً مستمراً مع الزمن، لمواكبة النمو المتسارع في حركة المسافرين، لكن اللافت في هذا السباق، أن ارتفاع أعداد العابرين لم يقابله توسع في منصات مأموري الجوازات، بل اتجهت التجربة في مسار مختلف تماماً، عبر تقليص الاعتماد على المنصات التقليدية، وتوسيع حضور التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي والأنظمة البيومترية.

وتكشف الأرقام حجم التحول الذي شهدته منافذ دبي الجوية، ففي عام 2011 بلغ عدد المسافرين والقادمين عبرها نحو 28 مليون مسافر، فيما تجاوز العدد بنهاية عام 2024 حاجز 63 مليون مسافر، أي أكثر من ضعف العدد خلال 13 عاماً فقط.

لكن الزيادة الكبيرة في أعداد المسافرين لم تنتج عنها طوابير انتظار أطول، ولم تكن مضاعفة الكاونترات التقليدية هي الحل، بل حدث العكس تماماً، إذ تراجع زمن إنجاز إجراءات المسافر، بالتوازي مع ارتفاع أعداد العابرين، وصولاً إلى مستويات غير مسبوقة من السرعة والكفاءة.

من دقائق إلى ثوانٍ

في المراحل الأولى، ركزت «إقامة دبي»، بالتعاون مع الجهات العاملة في المنافذ الجوية، على تطوير الأنظمة التي يعمل عليها مأمورو الجوازات، ورفع جاهزيتهم ومهاراتهم لإنجاز الإجراءات في أسرع وقت ممكن، باعتبار أن تقليل زمن انتظار المسافر يمثل أولوية رئيسة.

إلا أن النمو المتواصل في حركة مطار دبي، فرض معادلة جديدة، أكدت أن الحل لا يكمن في زيادة عدد منصات الجوازات، وإنما في إعادة تصميم رحلة المسافر بالكامل.

وانسجاماً مع توجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بشأن توظيف التقنيات الحديثة في إسعاد الناس وتسهيل حياتهم، بدأت رحلة طويلة من التطوير، قلصت زمن إنجاز الإجراءات من دقائق في المراحل التقليدية، إلى أقل من 30 ثانية، ثم إلى أقل من 15 ثانية، وصولاً إلى 10 ثوانٍ، وانتهاء بـ 3 ثوانٍ، في أحدث مراحل التطوير.

البوابات الذكية.. البداية الأولى للتحول

لم يبدأ التحول التقني في «إقامة دبي» خلال السنوات الأخيرة، بل يعود إلى عام 2002، مع تشغيل البوابات الذكية، التي شكلت بداية مرحلة جديدة في التعامل مع حركة المسافرين، قبل أن تخضع لعمليات تحديث وتطوير متواصلة.

وبحلول عام 2014، تجاوز عدد المسجلين في منظومة البوابات الذكية 1.5 مليون شخص، فيما بلغ عدد مستخدميها نحو 25 ألف مسافر يومياً، من أصل نحو 130 ألف مسافر كانوا يعبرون مطارات دبي يومياً في تلك الفترة.

ومع استمرار التطوير، وصل عدد مستخدمي البوابات الذكية إلى أكثر من 33 مليون مسافر سنوياً، فيما بلغ إجمالي عدد البوابات 127 بوابة موزعة في المنافذ الجوية.

ولم يقتصر أثر هذه المنظومة على السرعة فقط، بل امتد إلى الجانب الإنساني، حيث وفر مطار دبي في المبنى رقم 3 بوابة مخصصة للمسافرين من أصحاب الهمم، بما يمنحهم تجربة سفر أكثر سهولة ومرونة.

التدقيق قبل الوصول إلى نقطة العبور

مثّل مشروع «جيل المغادرة القادم» مرحلة أكثر تطوراً في رحلة التحول، إذ نقل جانباً كبيراً من عمليات التدقيق إلى ما قبل وصول المسافر إلى مأمور الجوازات.

فبدلاً من بدء الإجراءات عند الوقوف أمام الموظف، أصبحت البيانات تخضع للتدقيق المسبق، ليتركز دور نقطة العبور على مطابقة هوية المسافر مع البيانات الموجودة في النظام، ما خفض زمن الإجراء إلى نحو 10 ثوانٍ فقط.

ولم يكن هذا التحول مجرد اختصار للوقت، بل إعادة توزيع للعملية بالكامل، إذ انتقل جزء كبير من الإجراءات من الكاونتر إلى منظومة رقمية تعمل في الخلفية.

ومع هذا التطور، تهدف «إقامة دبي» مستقبلاً إلى تقليص نحو 95 % من منصات مأموري الجوازات المستخدمة، والتي يعمل عليها قرابة 2000 موظف، مع الإبقاء على كوادر متخصصة للتعامل مع الحالات التي تحتاج إلى تدخّل بشري، ومتابعة الأنظمة التقنية والبوابات الذكية.

«السجادة الحمراء».. نهاية نقطة التوقف

مع نجاح تجربة البوابات الذكية، انتقلت دبي إلى مرحلة أكثر تقدماً، تقوم على إزالة مفهوم نقطة التوقف نفسها، عبر مشروع الممر الذكي المعروف باسم «السجادة الحمراء».

وتقوم فكرة المشروع على إنهاء إجراءات المسافر أثناء مروره، من دون الحاجة إلى التوقف عند نقطة تقليدية، أو إبراز جواز السفر. وبدأت الاختبارات الأولية للمشروع عام 2018، قبل أن يمر بمراحل متعددة من التطوير، وصولاً إلى تشغيله رسمياً عام 2025، بقدرة استيعابية تفوق البوابات الذكية بنحو 10 أضعاف، إذ يتيح إنجاز إجراءات ما يصل إلى 10 مسافرين في الوقت نفسه.

واعتمد المشروع على الذكاء الاصطناعي، وقواعد بيانات المسافرين، وتقنيات التعلم الآلي والخصائص البيومترية، بما في ذلك بصمة العين، للتعرف إلى هوية المسافر، وإنهاء إجراءاته تلقائياً أثناء مروره.

ونجحت «إقامة دبي» في تقليص زمن الإجراءات عبر الممر الذكي من 6 ثوانٍ إلى 3 ثوانٍ، في مؤشر يعكس استمرار تطوير المشاريع النوعية وتسريعها.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي الإنسان

لم تكتفِ «إقامة دبي» بإطلاق المشاريع الذكية، بل واصلت تحديث الأنظمة وتسريع الإجراءات، بالتزامن مع تأهيل الموظفين للتعامل مع التقنيات الحديثة، والتنوع الثقافي الكبير للمسافرين القادمين من مختلف دول العالم.

وأصبح مأمور الجوازات في منافذ دبي الجوية، يمتلك القدرة على التواصل بعدة لغات، تشمل العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والروسية والأردية والفارسية، إضافة إلى البرتغالية والصينية، بما يعزز التواصل مع الزوار، وفق ثقافاتهم المختلفة.

ورغم التوسع الكبير في استخدام الذكاء الاصطناعي، لم يختفِ العنصر البشري من المشهد، بل تغير دوره، إذ أصبحت الأنظمة الذكية تتولى الجزء الأكبر من الإجراءات، فيما يركز الموظف على الحالات التي تحتاج إلى خبرته وتدخله.

وفي حال الاشتباه في وثيقة سفر، تنتقل الرحلة من المسار الآلي إلى المسار المتخصص، حيث يتولى خبراء تزوير الوثائق التحقق من صحتها، لتتكامل سرعة التقنية مع دقة الخبرة البشرية.

تجربة سفر أكثر إنسانية

في قلب هذا التحول التقني، لم تغفل «إقامة دبي» الجانب الإنساني، إذ تحظى الأمهات المصطحبات لأطفالهن وكبار السن والفئات التي تحتاج إلى مساعدة بالأولوية في إنجاز الإجراءات.

كما خصصت دبي للأطفال أول كاونتر جوازات من نوعه، في مبادرة لا تقاس فقط بعدد المعاملات التي ينجزها، وإنما بالأثر الذي تتركه تجربة السفر في ذاكرة الطفل.

وأسهمت هذه المنظومة المتكاملة في رفع مستويات رضا المسافرين، وتحقيق «صفر شكوى»، بحسب إحصاءات «إقامة دبي» خلال عام 2024، والأشهر الأربعة الأولى من عام 2025، التي تعاملت خلالها مع أكثر من 86 مليون مسافر.

وهكذا لم تعد تجربة السفر في دبي تقوم على انتظار المسافر حتى تنتهي الإجراءات، بل على إنجاز الإجراءات قبل أن يشعر المسافر بوجودها، في نموذج يجمع بين سرعة التقنية، ودقة الأمن وإنسانية الخدمة.

منصة أقل وكفاءة أعلى.. التكنولوجيا تعيد تعريف دور الجوازات

التدقيق يبدأ قبل الوصول.. منظومة ذكية تختصر زمن العبور

«السجادة الحمراء».. ممر ذكي يلغي نقطة التوقف التقليدية

الذكاء الاصطناعي يعزز السرعة ويحافظ على دقة الإجراءات الأمنية