ما العيد في مدينة كدبي إلا موعدٌ جديد بين الفرح والأمل، يخرج المرء من بيته وفي قلبه بقية من طفولة، فيجد أمامه مدينة لا تقدّم عيدًا واحدًا، بل أعيادًا شتى: عيدًا للذاكرة، وآخر للفن، وثالثًا للمستقبل، ورابعًا للعائلة والطبيعة، وخامسًا للترفيه والمشهد.
من أراد أن يبدأ العيد من أصل الحكاية، فليذهب إلى حي الشندغة، حيث تبدو دبي مدينة بحرٍ وبيوتٍ ومجالس قبل أن تكون مدينة أبراج.
هناك يقف متحف الشندغة ككتابٍ مفتوح على تاريخ الإمارة، بأجنحته التي تحكي حياة البحر واللؤلؤ والتجارة والعادات اليومية ورائحة القهوة في المجالس القديمة.
وفيه يرى الأطفال التاريخ لا في صفحات جامدة، بل في البيوت والأبواب والأدوات والصور، بينما يخرج الكبار بشعورٍ أن المدينة الحديثة قامت على صبرٍ وطموحٍ وذاكرة.
وتبدأ تذاكر المتحف، بحسب الأسعار المتداولة، من نحو 20 درهمًا للطفل أو الشاب و35 درهمًا للبالغ.
ومن الشندغة يمكن أن تمتد الرحلة إلى متحف الاتحاد في جميرا، حيث تُروى قصة قيام دولة الإمارات عبر الوثائق والصور والتجارب التفاعلية، وتُقدّر تذكرته بنحو 35 درهمًا للبالغ، مع ضرورة مراجعة الأسعار الرسمية قبل الزيارة.
الفن والانتماء
أما من كان يرى العيد نافذةً للروح، فليذهب إلى السركال أفنيو في القوز، ذلك الحي الذي خرج من بين المستودعات الصناعية ليصير فضاءً للفن والمقاهي والكتب والتصميم.
هناك يستطيع الزائر أن يبدأ يومه بمعرض فني، ثم ينتقل إلى متجر كتب أو تصميم، ثم يجلس إلى قهوةٍ هادئة بين فنانين وطلاب وسياح وعائلات.
ولا يقتصر السركال على صالات العرض، ففيه ورش عمل للكبار والصغار في الرسم والخزف والتصوير والطباعة والأعمال اليدوية، فيغدو الفن تجربةً يشارك فيها الزائر بيده وخياله لا لوحةً تُرى من بعيد فقط.
وفي قلب هذا النسيج تأتي سينما عقيل، لا كوجهة منفصلة، بل كجزء من روح المكان، تعرض أفلامًا مستقلة عربية وعالمية ووثائقية، فيخرج الزائر من فيلمٍ إلى مقهى، أو من ورشةٍ إلى معرض، أو يجعل من السركال برنامج عيدٍ كاملًا.
الدخول إلى الحي غالبًا مجاني، أما الورش والعروض فتختلف أسعارها، وقد تبدأ بعض الفعاليات من نحو 60 درهمًا.
المستقبل والتكنولوجيا
ومن أراد دهشةً أخرى فليدخل متحف المستقبل، لا بوصفه متحفًا للأشياء الساكنة، بل رحلةً تمشي فيها الأسرة داخل أسئلة الغد.
فالمبنى نفسه حلقة فضية يطوّقها الخط العربي، أما الداخل فيفتح عوالم عن الفضاء والطبيعة والتكنولوجيا والحواس وأحلام الأطفال.
يشعر الزائر في بعض محطاته كأنه يغادر الأرض إلى محطة فضائية، وفي أخرى يرى الطبيعة جمالًا هشًا ينبغي أن يُصان، ثم يجد مساحة للسكينة تذكّره بأن التكنولوجيا يجب أن تخدم الإنسان لا أن تبتلعه.
وتكمن متعة المتحف في أنه يصلح لثلاثة أجيال: الطفل يفرح بالأضواء والشاشات والمهام التفاعلية، والوالدان يجدان وجهة داخلية مكيّفة تناسب حر مايو، والشباب يجدون فيه مادة للتفكير والتصوير.
يفتح عادة من 10 صباحًا إلى 7 مساءً، وآخر دخول في 5 مساءً، وتبلغ التذكرة العامة نحو 169 درهمًا لمن هم في الرابعة فما فوق.
الخيال والأضواء
أما AYA Universe" في وافي سيتي، فهي تجربة غامرة من الضوء والصوت والحركة، لا مدينة ألعاب تقليدية ولا متحفًا مألوفًا.
يدخلها الزائر كأنه يعبر إلى حلمٍ رقمي، فالجدران تتبدل، والأرض تستجيب للخطوات، والألوان تحيط به حتى يصبح المكان قصيدةً مصنوعة من التكنولوجيا.
تضم التجربة اثني عشر عالمًا، منها “أرورا” حيث تبدأ الرحلة بألوان الشفق، و“ذا سورس” حيث يبدو كل شيء مولودًا من نقطة ضوء، و“درفت” الذي يمنح إحساس الطفو، و“أوت لاند” كأرضٍ خيالية بعيدة.
ثم تأتي عوالم الماء والانعكاس: البركة، والنهر، والشلالات، قبل أن يقترب الزائر من أجواء النجوم في “سيليستيا”، ومن الغابة الرقمية في “فلورا”، ومن المد والجزر في “تايدز”، ومن هدوء القمر في “لونا”، وصولًا إلى “هارمونيا” حيث تتآلف الأصوات والألوان والحركة.
تصلح هذه الوجهة للعائلات ومحبي التصوير، وتتراوح أسعارها غالبًا بين 90 و135 درهمًا، مع استحسان الحجز المسبق في العيد.
الطبيعة والعائلة
وليس كل عيد يحتاج إلى سقفٍ من زجاج أو شاشة مضيئة، فقد يكفي ظل شجرة وضحكة طفل.
وفي هذا الموسم تتوهج شجرة الشعلة بأزهارها الحمراء بين مايو ويوليو، كأنها تحمل قطعًا صغيرة من الغروب على أغصانها، لذلك تصلح حدائق دبي، ولا سيما حديقة المشرف، لعيدٍ عائلي هادئ: بساطٌ خفيف، وطعامٌ بسيط، ومساحة يركض فيها الأطفال بعيدًا عن زحام المراكز.
وتشير الأسعار المتداولة إلى أن دخول حديقة مشرف يقارب 3 دراهم للفرد أو 10 دراهم للسيارة.
ومن أراد شيئًا من الحركة، ففي الحديقة Aventura Parks بمسارات الحبال والتسلق والانزلاق بين الأشجار، وهي تجربة تناسب الأطفال والعائلات الباحثة عن مغامرة خضراء.
المشهد والترفيه
ومن أراد أن يرى دبي بين زمنين فليصعد إلى برواز دبي، حيث تظهر دبي القديمة من جهة، والحديثة من جهة أخرى، في مشهدٍ واحد وممرٍ زجاجي وصورٍ لا تُنسى.
وتبلغ التذكرة نحو 50 درهمًا للبالغين و20 درهمًا للأطفال من 3 إلى 12 عامًا.
وبعد البرواز يمكن أن تمتد النزهة إلى الخور وأسواق ديرة وبر دبي، حيث للعطور والبهارات والذهب لغةٌ لا تشبه لغة المراكز التجارية.
أما ختام المساء فقد يكون في “La Perle” بالحبتور سيتي، حيث يختلط المسرح بالماء والضوء والحركة البهلوانية، وتبدأ بعض تذاكره من نحو 220 درهمًا.
وللعائلات التي تفضل الوجهات الداخلية، تبقى خيارات مثل The Green Planet وIMG Worlds of Adventure وDubai Parks and Resorts مناسبة، على أن تُراجع أسعارها قبل الحجز لكثرة تغيّر العروض.
هكذا تبدو دبي في العيد: مدينة لا تفتح بابًا واحدًا، بل أبوابًا كثيرة. ومن عرف كيف يختار وجهته، عرف أن العيد ليس في المكان وحده، بل في النية التي نحملها إليه، فإن اصطحبنا أبناءنا إلى متحف، أو معرض، أو حديقة، أو شاشة سينما صغيرة، فقد منحناهم أكثر من نزهة، منحناهم ذكرى لا تبهت.
