20 عاماً في متاهات الإدمان.. و«إرادة» بوصلة التعافي

مركز إرادة وجهة كل مثقل من الإدمان
مركز إرادة وجهة كل مثقل من الإدمان

لم تكن تلك الجرعة كسابقاتها، كانت الضربة التي صفعت غفلته، والشرارة التي أحرقت ما تبقّى من وهمه.. في لحظة خاطفة، رأى ابنه يسقط من بين ذراعيه، وهو تحت تأثير المخدر، جسد يتلوّى تحت نوبة تشنّج قاسية، وروح مهددة بأن تُسلب إلى الأبد.

عند هذا المشهد، انكسرت مرآة الإنكار التي احتمى خلفها أكثر من 20 عاماً، وظهرت الحقيقة عارية: الطريق الذي بدأه منذ عام 2003 لم يعد يدمّر مستقبله وحده، بل امتدّ ليحاصر قلوب من يحب.. هناك بين ذهول الأب وارتجاف الابن، ولد قرار العودة من حافة الهاوية، وكانت وجهته مركز «إرادة» للعلاج والتأهيل في دبي، خطوة أولى نحو نجاة تأخرت كثيراً لكنها جاءت في موعدها مع الحياة.

يحكي المتعافي قصته كرحلة سقوط طويلة، بدأت بخيط رفيع من الفضول حين جلس بين أقارب يتعاطون المخدرات، ظنّها تجربة عابرة، فإذا بها باب يفتح على ظلام لا قرار له، جرّب مرة، ثم مرة، حتى وجد نفسه أسير الاعتياد، يتدرّج من الاستهلاك العرضي إلى الارتباط الكامل، يشتري السموم من ماله الخاص، ويعيش تحت هيمنة رغبة واحدة لا تشبع: تأمين الجرعة التالية.

كان إنساناً آخر قبل أن يبتلعه الإدمان؛ شاباً رياضياً، مليئاً بالطموح، عماداً لعائلته، غير أن المخدرات نزعت عنه ملامحه قطعةً قطعة، حتى صار ظلّاً يمشي، مثقلاً بالعجز، يطارد سراب النسيان. تسلل إليه اليأس حتى فكّر في أن يطوي صفحة حياته نهائياً، بعد أن شعر أنّه فقد السيطرة على ذاته، وأن المسافة بينه وبين ما كان عليه يوماً تتّسع كل يوم.

غير أنّ مشهد سقوط ابنه من بين يديه كان لحظة كسر كبرى، لم تكن حادثة عابرة بقدر ما كانت نداء أخيراً من الحياة. رأى في عيني طفله صورة نفسه وهو يهوي، ففهم أن الإدمان لم يعد قضيته الفردية، بل أصبح خطراً يطوّق أسرته بأكملها، عندها تخلّى عن كبرياء الإنكار، وقرّر أن يمدّ يده إلى طوق النجاة، متوجهاً إلى مركز «إرادة للعلاج والتأهيل» في دبي، وفي قلبه خليط من خوف وأمل، من خجل ورغبة في الخلاص.

في «إرادة»، لم يجد دواء فحسب، بل وجد حضناً علاجياً أعاد ترتيب شتات روحه. دخل بخطوات متعثرة، لا يصدق أنه قادر على التعافي بعد أكثر من عقدين من الغرق، لكنه شيئاً فشيئاً تعلّم أن يثق، أن يتعافى، أن يغفر لنفسه، تحوّل العلاج إلى رحلة عودة تدريجية إلى إنسانيته:

التزام بالعمل، توازن في المشاعر، نوم بلا هواجس، ونهار لا يطارده فيه شبح الجرعة، بعد سنتين من التعافي، يمضي اليوم بثبات، كأنما خرج من نفق طويل إلى فضاء مفتوح، يلتفت إلى الوراء فيرى كم كان قريباً من فقدان كل شيء.

أصبحت قصته اليوم مصباحاً يضيء دروب الآخرين؛ من عرفوه في قاع الإدمان، باتوا يرونه واقفاً على قدميه، فيسألونه عن عنوان «إرادة» وكيفية الوصول إليه، علّهم ينالون نصيبهم من هذا التحوّل الكبير والإيجابي، يوجّه رسالته لكل من ما زال عالقاً في الدوامة نفسها:

لا تستسلموا لليأس. دخلت العلاج وأنا لا أؤمن بأنني سأشفى، واليوم أعيش التعافي حقيقة لا حلماً، الإدمان مرض، وليس قدراً أبدياً، وطلب العون ليس ضعفاً، بل شجاعة لمن يريد أن يستعيد حياته.

أما مركز «إرادة» للعلاج والتأهيل، فقد غدا بيتاً أول لكل من أثقلته المخدرات، يقدّم منظومة علاجية تحيط بالمريض من جميع الجهات؛ من برامج إزالة السموم للمدمنين بشدة، إلى برامج الإقامة المكثفة والجزئية، والعيادات الخارجية التي تراعي درجات الإدمان المختلفة ومسارات كل حالة.

وقد حقق المركز نتائج لافتة، وخاصة عبر العلاج التعويضي المتخصص بإدمان المواد الأفيونية كالهيروين، ضمن نموذج متكامل يراعي الأبعاد الدوائية والاجتماعية والنفسية والسلوكية، ليقود المتعافين إلى شاطئ الأمان بأقل قدر من الألم وأكبر قدر من الرجاء، إلى جانب ذلك، يواصل المركز جهوده التوعوية، يطرق باب الوعي في المجتمع، ويهمس لكل من يتألم في صمت: ما زال هناك متسع للعودة، فالتعاطي مرض يستوجب العلاج، لا وصمة تستوجب الاختباء.