8 مفاتيح لاستعادة الإيقاع المدرسي

يطرق العام الدراسي الجديد أبوابه اليوم، حاملاً معه انتقالاً يتجاوز العودة إلى الصفوف والمقاعد، إذ يحتاج الطلبة إلى استعادة جاهزيتهم النفسية بعد أسابيع من الإجازة، والانتقال تدريجياً إلى إيقاع مختلف من الالتزام والتعلم والتفاعل اليومي.

وأكد تربويون واختصاصيون نفسيون واجتماعيون لـ«البيان» أن التهيئة النفسية تمثل حجر الأساس لبداية مستقرة، لما لها من دور في تعزيز شعور الطالب بالأمان والانتماء، واستعادة دافعيته وثقته، وتهيئته للتكيف مع متطلبات عام دراسي جديد.

وحددوا 8 مفاتيح رئيسة للتهيئة النفسية للطلبة مع بداية العام الدراسي، تتمثل في استعادة الأمان النفسي، وإيقاظ الدافعية، وبناء توقعات إيجابية، ومنح الطالب مساحة للتعبير، واستعادة الانتماء المدرسي، والتدرج في الانتقال إلى الروتين، وصناعة نجاح مبكر، وبناء جسر نفسي متكامل بين الأسرة والمدرسة، مؤكدين أن البداية الآمنة نفسياً تساعد الطالب على استعادة قدرته على التعلم والتركيز والتفاعل بصورة أسرع.

وأوضحوا أن العودة إلى المدرسة لا تحمل الشعور نفسه لجميع الطلبة، فبينما ينتظر بعضهم لقاء الأصدقاء والمعلمين والعودة إلى الأنشطة، قد يدخل آخرون العام الجديد بمشاعر مختلطة من الحماس والقلق، وخصوصاً الطلبة المنتقلين إلى مدارس جديدة أو مراحل دراسية مختلفة، ما يجعل الأيام الأولى مرحلة مهمة لإعادة بناء الشعور بالأمان والانتماء والثقة.

أمان نفسي

وقالت التربوية فوزية الشيخ، إن التهيئة النفسية تبدأ قبل أن يعبر الطالب بوابة المدرسة، من خلال الصورة التي تبنيها الأسرة لديه عن العام الدراسي الجديد، مشيرة إلى أن الطالب يحتاج في هذه المرحلة إلى رسالة واضحة بأن العودة تمثل بداية جديدة وليست انتقالاً فورياً إلى دائرة الاختبارات والواجبات والدرجات.

وأكدت أن الأسرة تستطيع صناعة حالة نفسية إيجابية من خلال الحديث مع الأبناء عن الجوانب التي يتطلعون إليها في المدرسة، واستعادة الذكريات الإيجابية، ومناقشة أهداف بسيطة يمكن تحقيقها خلال الأسابيع الأولى، بدلاً من وضع سقف مرتفع من التوقعات الأكاديمية منذ اليوم الأول.

وأضافت أن الأمان النفسي يعني أن يعرف الطالب أن الخطأ مسموح وأن طلب المساعدة ليس ضعفاً، وأن تعثره في مادة أو موقف لا يعني فشله، موضحة أن الطالب الذي يشعر بأن أسرته ستسانده في الصعوبة وليس فقط عند التفوق يدخل المدرسة بقدر أكبر من الثقة والاستقرار.

صوت الطالب

من جانبها، أكدت الاختصاصية الاجتماعية فاطمة الظنحاني، أن إحدى أهم وسائل التهيئة تتمثل في منح الطالب «صوتاً» قبل بداية العام، والاستماع إلى ما يشعر به فعلياً بدلاً من افتراض أن شراء المستلزمات الجديدة كافٍ لصناعة الحماس.

وقالت إن الأسرة تستطيع إجراء حوار بسيط مع الأبناء حول أكثر الأشياء التي ينتظرونها في العام الجديد، وما الذي يثير قلقهم، ومن يرغبون في رؤيته، وما الذي يتمنون أن يكون مختلفاً عن العام السابق، موضحة أن مثل هذه الأسئلة قد تكشف مخاوف لا يستطيع الطالب التعبير عنها بصورة مباشرة.

وأشارت إلى أن الجانب الاجتماعي يمثل عنصراً رئيساً في العودة، لأن المدرسة بالنسبة إلى الطالب ليست فصلاً ومناهج فقط، وإنما شبكة من العلاقات والشعور بالانتماء، ولذلك يحتاج الطالب الجديد أو المنتقل إلى مرحلة مختلفة إلى مساعدة أكبر في تكوين العلاقات والتعرف إلى محيطه.

وأضافت أن دور المدرسة يبدأ منذ الاستقبال الأول، من خلال خلق بيئة يشعر فيها الطالب بأنه مرحب به، مع الاهتمام بأنشطة التعارف والتفاعل وإعادة بناء الروابط بين الطلبة، وعدم ترك الطالب الجديد بمفرده في مواجهة مجتمع مدرسي لا يعرفه.

انتقال نفسي

وقالت الاختصاصية النفسية أميرة أحمد، إن الانتقال من الإجازة إلى الدراسة ينبغي النظر إليه باعتباره انتقالاً نفسياً وليس زمنياً فقط، لأن الطالب ينتقل من نمط يومي أكثر مرونة إلى نظام يتطلب الاستيقاظ المبكر والانتباه والتركيز والالتزام والتفاعل لعدة ساعات متواصلة.

وأكدت أن العقل والجسم يحتاجان إلى استعادة هذا الإيقاع تدريجياً، ومن هنا تأتي أهمية تنظيم النوم وتقليل السهر وإعادة مواعيد الطعام والأنشطة اليومية إلى نمط أقرب إلى أيام الدراسة، لكن الأهم هو إعادة الطالب ذهنياً إلى فكرة المسؤولية والالتزام دون تحويلها إلى مصدر ضغط.

وأوضحت أن مشاعر القلق البسيطة مع العودة قد تكون طبيعية، وخصوصاً عند الانتقال إلى صف أو مدرسة جديدة، ولذلك ينبغي احتواء هذه المشاعر وعدم تضخيمها أو السخرية منها، ومساعدة الطالب على تسمية ما يشعر به والتحدث عنه.

وأكدت أن جملة بسيطة من ولي الأمر مثل «من الطبيعي أن تشعر ببعض القلق لأنك تبدأ شيئاً جديداً» قد تكون أكثر فاعلية من محاولة إقناع الطالب بأنه لا يوجد أي سبب للقلق، لأنها تمنحه إحساساً بأن مشاعره مفهومة وأنه قادر على التعامل معها.

وأكدت الاختصاصية النفسية سينميس ناجي، أن أحد أقوى عناصر التهيئة النفسية هو منح الطالب فرصة لتحقيق «نجاح مبكر» في بداية العام، لأن التجربة الإيجابية الأولى تساعد على تكوين توقعاته النفسية تجاه الأسابيع التالية.

وأوضحت أن النجاح المبكر لا ينبغي اختزاله في الدرجات، فقد يتمثل في مشاركة الطالب داخل الفصل، أو تكوين صداقة جديدة، أو إنجاز مهمة بسيطة، أو التغلب على رهبة الدخول إلى مدرسة جديدة، أو قدرته على تنظيم أدواته والالتزام بيومه.

وقالت إن تعزيز هذه النجاحات الصغيرة يمنح الطالب شعوراً بالكفاءة، وهو عنصر أساسي في بناء الدافعية، مشيرة إلى أن السؤال الذي توجهه الأسرة للطالب بعد العودة يمكن أن يصنع فارقاً، فبدلاً من الاقتصار على «ماذا أخذتم؟» أو «هل لديكم واجبات؟»، يمكن سؤاله «ما أفضل شيء حدث معك اليوم؟» أو «ما الشيء الذي نجحت في فعله؟».

وأضافت أن الأيام الأولى ينبغي أن تساعد الطالب على تكوين ارتباط إيجابي بالمدرسة، ولذلك فإن الاحتواء والتشجيع وبناء العلاقات يمثل أساساً نفسياً مهماً قبل ارتفاع إيقاع المتطلبات الأكاديمية.

دافعية جديدة

بدورها، أكدت التربوية ياسمين عبدالحميد مصطفى، أن التهيئة النفسية الفاعلة لا تقوم على مطالبة الطالب بالعودة إلى الدراسة فقط، وإنما على إعادة إيقاظ دافعيته، بحيث يجد سبباً شخصياً يجعله متطلعاً إلى العام الجديد.

وأوضحت أن الطالب يمكن أن يضع لنفسه هدفاً بسيطاً في بداية العام، سواء بتحسين مستواه في مادة معينة، أو المشاركة في نشاط، أو تعلم مهارة، أو بناء صداقات جديدة، أو تنظيم وقته بصورة أفضل، مشيرة إلى أن وجود هدف شخصي يحول العودة من التزام مفروض إلى تجربة يشعر الطالب بأنه طرف فاعل فيها.

وقالت إن المدرسة تستطيع دعم ذلك من خلال جعل الأسبوع الأول مساحة لاستعادة العلاقة بين الطالب والتعلم، وتعريفه بما ينتظره من أنشطة ومشروعات وفرص، وإشراكه في وضع أهدافه، وعدم اقتصار البداية على شرح الأنظمة والجداول والمقررات.

وأضافت أن المعلم يمتلك دوراً كبيراً في تشكيل الحالة النفسية للفصل منذ اللقاء الأول، فطريقة الترحيب ونبرة الحديث وإظهار الاهتمام بالطلبة وتذكر أسمائهم والاستماع إليهم جميعها رسائل تمنح الطالب شعوراً بأنه جزء من المكان.

شراكة متكاملة

واتفق المختصون على أن التهيئة النفسية لا يمكن أن تكون مسؤولية الأسرة وحدها أو المدرسة منفردة، وإنما تحتاج إلى تكامل واضح بين الطرفين، بحيث تبدأ الأسرة ببناء الاستعداد النفسي، فيما تستكمل المدرسة المهمة من خلال استقبال يمنح الطالب الأمان والانتماء والدافعية.

وأكدوا أن الأيام الأولى ينبغي أن تتيح مساحة لإعادة تكوين العلاقات واستعادة الإيقاع الدراسي تدريجياً، مع ملاحظة الطلبة الذين يواجهون صعوبة في الاندماج، ولا سيما الطلبة الجدد والمنتقلين.

وصفة تهيئة الطلبة نفسياً للعام الدراسي:

استعادة الأمان النفسي

إيقاظ الدافعية

بناء توقعات إيجابية

منح الطالب مساحة للتعبير

استعادة الانتماء المدرسي

التدرج في الانتقال إلى الروتين

صناعة نجاح مبكر

بناء جسر نفسي بين الأسرة والمدرسة