محمد حارب لـ«البيان»: الذكاء الاصطناعي يعيد رسم صناعة الرسوم المتحركة

بين أدوات ذكاء اصطناعي تختصر شهوراً من العمل وقصص محلية تحمل ذاكرة المكان تقف صناعة الرسوم المتحركة والسينما الخليجية أمام لحظة تحول كبيرة فالتكنولوجيا تفتح أبواباً غير مسبوقة أمام الإنتاج لكنها في الوقت ذاته ترفع سقف المنافسة وتجعل السؤال أكثر إلحاحاً حول من يستطيع تحويل سهولة الأدوات إلى محتوى يمتلك الجودة والهوية والقدرة على البقاء

وفي لقاء مع «البيان» أكد المخرج والمنتج السينمائي محمد سعيد حارب أن الذكاء الاصطناعي بدأ بالفعل في تغيير آليات العمل داخل صناعة الرسوم المتحركة بعدما وفر العديد من الخطوات التي كانت تستغرق وقتاً طويلاً ومنح صناعها قدرة أسرع على استشراف الشخصيات والمنتج النهائي إلا أن هذه القفزة التقنية لن تلغي دور المبدع بل ستجعل الحرفة والخبرة والرؤية الفنية أكثر أهمية في التمييز بين الكم المتزايد من المحتوى.

ويرى حارب أن السينما الخليجية تمتلك في الوقت نفسه فرصة حقيقية للعبور إلى العالم بما تحمله المنطقة من ثراء بصري وسمعي وشفاهي وخصوصية اجتماعية وثقافية مؤكداً أن الوصول إلى الجمهور الدولي لا يتطلب التخلي عن المحلية وإنما تحويلها إلى عنصر قوة داخل قصة إنسانية تستطيع تجاوز الحدود.

وقال حارب، إن أثر الذكاء الاصطناعي بات واضحاً بصورة خاصة في صناعة الرسوم المتحركة حيث وفر العديد من الخطوات التي كان على فرق الإنتاج المرور بها للوصول إلى الشكل النهائي للشخصيات

وأوضح أن عملية تطوير الشخصية كانت في السابق تحتاج إلى وقت طويل وقد تستغرق شهوراً قبل الوصول إلى تصور واضح لشكلها النهائي بينما أصبح من الممكن اليوم الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مراحل مبكرة لرؤية احتمالات متعددة واستشراف الاتجاه الذي يمكن أن يصل إليه المنتج، ووضع حارب فاصلاً واضحاً بين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي وبين تسليم العملية الإبداعية إليه موضحاً أن استخدام شخصية مولدة بالتقنية لا يعني بالضرورة نقلها مباشرة إلى المسلسل وإنما الاستفادة منها كوسيلة للتصور والتطوير قبل أن يستكمل أصحاب الخبرة والحرفة بناءها فنياً

ومع اتساع استخدام هذه الأدوات يرى حارب أن صناعة الرسوم المتحركة مقبلة على زيادة كبيرة في حجم المحتوى بعدما أصبحت تقنيات الإنتاج متاحة أمام شريحة أوسع من المستخدمين. وقال إن «الكل صار يقدر يطرح كرتون» في إشارة إلى التحول الذي أحدثته التكنولوجيا في خفض بعض الحواجز أمام الدخول إلى المجال إلا أن سهولة الإنتاج لن تعني بالضرورة أن جميع ما سيطرح سيكون قادراً على المنافسة

وأكد أن المرحلة التالية ستكشف بصورة أوضح قيمة صاحب الصنعة لأن الجمهور سيجد نفسه أمام كم كبير من المحتوى بينما ستبقى الأعمال التي تقف خلفها خبرة حقيقية ورؤية إبداعية أكثر قدرة على إثبات حضورها والاستمرار

وبذلك لا ينظر حارب إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلاً عن المبدع وإنما أداة تعيد توزيع الوقت والجهد داخل عملية الإنتاج وتتيح لصانع العمل الوصول بصورة أسرع إلى الاحتمالات التي كان يحتاج سابقاً إلى وقت أطول لاكتشافها

وعلى الجانب الآخر من التحول التقني يضع حارب الهوية في قلب مستقبل السينما الخليجية مشيراً إلى أن المنطقة تمتلك الكثير من العناصر الجميلة في تراثها البصري والسمعي والشفاهي فضلاً عن المدن القديمة والحديثة وما تحمله من تفاصيل يمكن تحويلها إلى مادة سينمائية ثرية

ويرى أن هذه العناصر يجب ألا تبقى مجرد خلفية بصرية للعمل بل ينبغي أن تدخل في صميم القصة والشخصيات لأن ما يمنح العمل الخليجي اختلافه الحقيقي هو قدرته على التعبير عن مجتمعه من الداخل.

وأكد أن القصة الإنسانية تتجاوز الحدود بطبيعتها بينما تمنحها الثقافة المحلية خصوصيتها فطريقة التعبير عن الحب والغضب والعلاقات والتعامل بين الناس تختلف من مجتمع إلى آخر وهذه التفاصيل تحديداً هي التي تمنح الشخصية صدقها وتجعل المشاهد أمام عالم له ملامحه الخاصة، ومن هنا فإن العالمية لا تبدأ بمحاولة إنتاج قصة بلا هوية بل من قصة شديدة المحلية في تفاصيلها وعالمية في إحساسها الإنساني.

ولكن امتلاك الهوية والمواهب لا يحسم وحده سباق الوصول إلى العالم إذ يرى حارب أن إحدى الفجوات الرئيسية تتمثل في القدرة على تأسيس منظومة إنتاج تحقق الجودة والزخم والاستمرارية، وأشار إلى أن المشاهد بات أمام تدفق أسبوعي كبير من الأعمال والمسلسلات القادمة من أسواق مثل كوريا وتركيا وسوريا وغيرها ما يجعل المنافسة أصعب من أن يحسمها نجاح فيلم أو مسلسل واحد، فالمنافسة الحقيقية أصبحت بين منظومات تستطيع إنتاج المحتوى بصورة مستمرة وبناء جمهورها والمحافظة عليه وبين تجارب قد تحقق نجاحاً لافتاً لكنها لا تتبعها بالضرورة سلسلة متواصلة من الأعمال، ولهذا يؤكد حارب أهمية إيجاد آلية تجعل المنطقة قادرة على تقديم أعمال بجودة مرتفعة وبزخم أكبر بحيث تنتقل السينما الخليجية من منطق النجاحات الفردية إلى صناعة تمتلك دورة إنتاج مستدامة.

ووضع حارب التعاون بين الجهات المنتجة في المنطقة ضمن الحلول الأساسية لتجاوز هذه الفجوة إذ يمكن لتكامل المنتجين وصناع المحتوى والطاقات الإبداعية في المدن والدول الخليجية أن يوسع حجم السوق ويمنح المواهب فرصاً أكبر ويرفع القدرة على إنتاج أعمال تنافس خارج المنطقة، فالصناعة لا تبدأ عند تشغيل الكاميرا ولا تنتهي بانتهاء التصوير وإنما تقوم على سلسلة مترابطة تبدأ بالفكرة والنص وتطوير الشخصيات وتمتد إلى الإنتاج والتقنيات والتوزيع والوصول إلى الجمهور، ومن هنا يصبح بناء بيئة أكثر تكاملاً عاملاً أساسياً لتحويل الإمكانات المتوافرة في المنطقة إلى قوة إنتاجية تستطيع المحافظة على الجودة وفي الوقت نفسه تحقيق الاستمرارية المطلوبة للمنافسة عالمياً.

وتبدو المرحلة المقبلة أمام صناعة الرسوم المتحركة والسينما الخليجية مختلفة عن كل ما سبقها فالأدوات أصبحت أسرع والحواجز التقنية أقل والجمهور أصبح أكثر انفتاحاً على القصص القادمة من ثقافات مختلفة لكن المنافسة أصبحت في المقابل أشد

وبين هذه التحولات يختصر حارب معادلة المستقبل في 3 عناصر مترابطة: هوية تمنح العمل صوته وحرفة تمنحه جودته وتكنولوجيا تختصر الطريق أمام المبدع دون أن تحل مكانه لتبقى الفرصة الحقيقية أمام السينما الخليجية في أن تستخدم أدوات المستقبل لصناعة قصص تنطلق من المنطقة وتجد مكانها على شاشة العالم.