القرصنة تهدد استثمارات البث العربي.. وخبراء يدعون إلى حجب فائق السرعة

المتحدثون خلال جلسة «تحديات القرصنة في سوق البث العربي»  | تصوير: إبراهيم صادق
المتحدثون خلال جلسة «تحديات القرصنة في سوق البث العربي» | تصوير: إبراهيم صادق


حذر خبراء في حماية المحتوى وحقوق البث من تصاعد التأثير الاقتصادي للقرصنة الرقمية على صناعة الإعلام والترفيه، مؤكدين أنها لم تعد تقتصر على سرقة المحتوى وحقوق الملكية الفكرية، بل أصبحت عائقاً أمام الاستثمار وتهديداً لخصوصية المستخدمين، في ظل استخدام القراصنة تقنيات أكثر تطوراً، من بينها الذكاء الاصطناعي.

وأكدوا، خلال جلسة «تحديات القرصنة في سوق البث العربي»، ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي 2026، أن المواجهة تتطلب سرعة فائقة في حجب مصادر البث غير المشروع، وتشريعات قادرة على مواكبة تطور الجريمة الرقمية، إلى جانب تعزيز التعاون بين الحكومات والمنصات وأصحاب الحقوق والاستثمار في تقنيات الرصد والحماية.

وشدد المتحدثون على أن مواجهة القرصنة في سوق البث العربي تتطلب منظومة متكاملة تجمع بين سرعة الحجب وتطوير التشريعات والتعاون بين الحكومات والمنصات وأصحاب الحقوق، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا وتبادل الخبرات، بما يحمي صناعة المحتوى ويعزز ثقة المستثمرين ويحافظ على حقوق المبدعين والمستخدمين.

وقال فارس معاني، رئيس قسم مكافحة القرصنة في «يانغو بلاي»، إن القرصنة تمثل «العدو رقم واحد للاقتصاد»، لأنها تعني بصورة مباشرة سرقة الأموال من صانعي المحتوى، مؤكداً الحاجة إلى تنظيمات وآليات أكثر قوة لحماية الاستثمارات في هذا القطاع ومواجهة التطور المتسارع في أساليب القرصنة.

وأشار إلى المستوى المتقدم من التعاون مع وزارة الاقتصاد في دولة الإمارات، خصوصاً في مجال مواجهة قرصنة البث الحي، لافتاً إلى دور فريق «إنستا بلوك» والجهود المبذولة لتسريع التعامل مع مصادر المحتوى المخالف. وأكد أن نجاح المبادرات لا يقاس بإطلاقها فقط، وإنما باستمرارية العمل عليها ومتابعتها وتطوير أدواتها.

وأضاف، أن الجهات المختلفة العاملة في صناعة المحتوى وحماية حقوق البث يجمعها هدف واحد يتمثل في مكافحة القرصنة، ما يتطلب تبادل الحالات والخبرات والاستفادة من تجارب بعضها بعضاً للوصول إلى حلول أكثر فاعلية. وأشار إلى أن حجم المصادر التي تم وقفها كبير، مؤكداً أهمية الاستفادة من التجربة وتوسيع نطاق تطبيق أنظمة مماثلة، في ظل الحاجة إلى آليات أكثر سرعة وفاعلية في التعامل مع المحتوى المقرصن.

وحذر معاني من أن خطورة القرصنة لا تتوقف عند سرقة المحتوى أو الخسائر الاقتصادية، وإنما تمتد إلى اختراق خصوصية المستخدمين وتعريضهم لمخاطر رقمية مختلفة، ما يجعل مكافحتها قضية ترتبط بحماية المستخدم والأمن الرقمي أيضاً. وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح «سيفاً ذا حدين» في هذه المواجهة، إذ يستخدمه القراصنة لتطوير أساليبهم، بينما تستخدمه المنصات في المقابل لرصد محاولات الاعتداء على محتواها والكشف عنها.

من جانبه، وصف الدكتور عبدالله آل ناصر، مؤسس مجموعة آراء للمحاماة والاستشارات القانونية، القرصنة بأنها «سرطان الاقتصاد»، مشدداً على أن مواجهتها تتطلب استجابة حاسمة وسريعة، فإما التعافي من آثارها والتصدي لانتشارها، أو مواجهة تداعياتها المتزايدة على الاقتصاد والقطاعات القائمة على المحتوى والملكية الفكرية.

وأكد أن العامل الأكثر أهمية في مكافحة قرصنة البث يتمثل في تنفيذ الحظر «بسرعة فائقة»، خصوصاً في حالات البث المباشر، حيث يمكن لأي تأخير أن يقلل من فاعلية إجراءات الحماية ويضاعف الضرر الذي يلحق بأصحاب الحقوق.

وأكد أن التشريعات في دولة الإمارات تواكب التغير المتسارع في أنماط الجرائم والانتهاكات الرقمية، مشيراً إلى أن المشرعين يسعون إلى أن يسبقوا المجرمين «بخطوة أو خطوتين»، من خلال التشريعات والقرارات السريعة التي يتم اتخاذها لمواجهة الأساليب الجديدة المستخدمة في القرصنة.

وأوضح أن سرعة التطور التقني تفرض على المنظومة التشريعية التحرك بالسرعة نفسها، بحيث لا تترك مساحة للقراصنة لاستغلال الفجوة بين ظهور أساليب جديدة للقرصنة وبين الأدوات القانونية اللازمة للتعامل معها.

بدوره، قال جان بيير أندرو، رئيس قسم حماية المحتوى ومكافحة القرصنة في «ستارزبلاي»، إن القرصنة تمثل تحدياً كبيراً أمام الشركات التي تستثمر في شراء حقوق المحتوى والبث، مشيراً إلى اتساع نطاق المشكلة واختلاف حجمها بين سوق وأخرى. ولفت إلى أن أسواقاً من بينها مصر والمغرب تواجه تحديات مرتبطة بانتشار القرصنة، موضحاً أن المشكلة تصبح أكثر تعقيداً في بث الأحداث الرياضية، نظراً إلى ارتباط قيمة المحتوى بعامل الوقت والمشاهدة المباشرة.

وأكد ضرورة الانتقال إلى حلول أكثر استباقية، بحيث لا يقتصر التعامل مع القرصنة على التحرك بعد وقوع المخالفة، وإنما يشمل تطوير آليات تحديد المصادر التي ينبغي حظرها وتحسين الحلول التقنية المستخدمة بصورة مستمرة. وأشار إلى أن النمو المتسارع في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي يوفر فرصاً لتطوير أدوات مكافحة القرصنة، في ظل توجه الشركات إلى الاستثمار في هذه التقنيات ونمو الوظائف والأعمال المرتبطة بها.

وقال خوسيه إغناسيو، مسؤول مكافحة الاحتيال وحماية الحقوق في «لاليغا»، إن القرصنة تشكل عائقاً أمام الاستثمار في صناعة المحتوى وحقوق البث، مشيراً إلى أن حجم الخسائر السنوية الناجمة عنها يصل إلى نحو 700 مليون. وأكد أن المبادرات الحكومية تمثل عنصراً رئيسياً في الحد من هذه الخسائر، مستشهداً بالتعاون مع وزارة الاقتصاد الإماراتية في مكافحة القرصنة، ومؤكداً أن المبادرة المشتركة أحدثت أثراً قوياً في التصدي للمحتوى غير المشروع.

وأشار إلى أن حجب نحو 68 ألف موقع وتطبيق مخالف في الإمارات يعكس، وفق قوله، حجم الدعم الحكومي والجهود المبذولة لمحاربة القرصنة، مؤكداً أهمية استمرار التعاون بين الجهات الحكومية وأصحاب حقوق المحتوى والبث.

وتطرق إغناسيو إلى المخاوف المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن هناك محاولات للاستفادة من هذه التقنيات في تقليد أو نسخ المحتوى، بما في ذلك المحتوى المرتبط بألعاب الفيديو. وأكد أن هذه المخاوف لا تعني أن الذكاء الاصطناعي يمثل تهديداً في حد ذاته، إذ يمكن في المقابل أن يتحول إلى أداة مهمة في تطوير الحلول المضادة للقرصنة، شريطة الاستثمار فيه وتطبيقه بصورة صحيحة وإيجابية.

ودعا القنوات والمنصات إلى مواصلة تطوير إجراءاتها المضادة للقرصنة وتطبيقها بصورة مستمرة، خصوصاً في ظل إمكانية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تدريب أنظمة قادرة على نسخ المحتوى، ما يفرض في المقابل تطوير أدوات حماية تستخدم التقنية نفسها لرصد الانتهاكات والتعامل معها.