لم يعد السؤال: من يملك حضوراً أكبر على منصات التواصل؟ بل: من يستحق ثقة الناس حين يتعلق الأمر بصحتهم؟، هذا السؤال شكّل محور جلسة «الطبيب أم المؤثر.. من نصدّق؟» ضمن أجندة قمة الإعلام العربي 2026، بمشاركة الدكتور أنور الحمادي، استشاري الأمراض الجلدية، والدكتور طلال المحيسن، استشاري الأمراض الجلدية، والدكتور منذر الهريني، طبيب وصانع محتوى.
وأكد الدكتور أنور الحمادي أن الجمهور بات يمتلك قدراً أكبر من الوعي، إلا أن هذا الوعي يحتاج إلى خطاب طبي مسؤول يعزز قدرته على التمييز بين المعلومة الموثوقة والمادة الترويجية، مشدداً على أن الطبيب الذي يحضر في الفضاء الرقمي لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد مسوّق، بل أن يبقى صاحب رسالة معرفية تستند إلى أخلاقيات المهنة والصدق في نقل المعلومات.
وأشار إلى أن كلمة الطبيب يجب أن تكون موضع ثقة، لأن الممارسة الطبية تحكمها ضوابط لا ينبغي تجاوزها تحت ضغط الانتشار أو الإعلانات التجارية، مؤكداً أن الطبيب يمكنه تقديم رأي مهني واضح، لكنه لا ينبغي أن يروّج لمنتجات بعينها بطريقة تفقده استقلاليته أو تحوّله إلى واجهة دعائية.
وقال الحمادي، إن الإعلانات التجارية أصبحت في كثير من الأحيان مدفوعة ومكثفة، ما يجعل الحاجة إلى الرقابة الذاتية أكثر إلحاحاً إلى جانب دور الجهات التنظيمية، مشدداً على أن المعلومة الطبية قد تؤثر مباشرة في قرارات الناس وسلوكهم الصحي، وبالتالي فإن الخطأ فيها لا يُقاس بعدد المشاهدات بل بحجم الضرر المحتمل.
وحذّر الحمادي من أن هناك أطباء أصبحوا ضحايا لفبركات الذكاء الاصطناعي، مع انتشار مقاطع مصورة أو تسجيلات صوتية تُنسب إليهم من دون أساس حقيقي، بينها فيديوهات تروّج لمنتجات باستخدام صوت الطبيب أو صورته بعد تركيبها أو تعديلها، بما يوهم المتلقي بأنه قدّم توصية فعلية. وقال إن الخوارزميات لا تميّز بين الطبيب المختص وغيره، ولا تتحقق من التخصص أو مرجعية المعلومة، إذ يبقى معيارها الأساسي حجم الانتشار والتفاعل، ولذلك قد تحظى معلومة غير دقيقة بملايين المشاهدات.
وأضاف أن تصحيح بعض المعلومات الخاطئة قد يحتاج إلى أشهر، خصوصاً عندما تتحول الإشاعة إلى قناعة راسخة لدى الجمهور، مستشهداً بمحتوى يزعم أن استخدام الليزر يسبب السرطان، ومؤكداً أن مثل هذه الادعاءات تستدعي رداً فورياً ودقيقاً من المختصين، لأن تركها دون توضيح قد يؤدي إلى خوف غير مبرر. وشدد على ضرورة التحقق من المصدر والسياق والتخصص، وعدم التعامل مع عبارة «صانع محتوى طبي» بوصفها وصفاً كافياً في ذاته، مؤكداً أن الدقة العلمية يجب أن تكون الأساس قبل أي وصف إعلامي أو رقمي.
واتفق الدكتور طلال المحيسن مع أهمية الرقابة على المحتوى الطبي، لكنه طرح سؤالاً جوهرياً: كيف تصل المعلومة الدقيقة إلى الناس في ظل حضور كثيف ومتواصل لمؤثرين غير متخصصين يكون هدف بعضهم الأساسي حصد المشاهدات والتفاعل؟
وقال، إن أصوات المؤثرين تبدو أعلى أحياناً من أصوات الأطباء، ليس لأن معلوماتهم أفضل بالضرورة، بل لأنهم أكثر حضوراً وتكراراً على المنصات، مضيفاً: نشرتُ نحو ألف منشور خلال 12 عاماً، بينما ينشر بعض المؤثرين كميات كبيرة من المحتوى خلال فترة قصيرة، ما يجعل مواكبة تدفقهم المستمر أمراً صعباً على الطبيب المنشغل بممارسة مهنته ومسؤولياته العلاجية.
وأشار إلى أن التجارب الشخصية تحظى برواج كبير لأنها تُقدّم للجمهور في قالب قريب وعاطفي ومباشر، إلا أنها تصبح خطرة عندما تتحول إلى قاعدة عامة، فالطب لا يقوم على تجربة فردية مهما بدت ناجحة، بل على الأدلة والدراسات والتقييمات العلمية المتراكمة. وأكد أن الرهان الحقيقي يجب أن يكون على وعي الناس وتقديم محتوى طبي يجمع بين التشويق والمعلومة الصحيحة، لا على مطاردة عدد المتابعين، مشيراً إلى أن عنصر الجذب مطلوب لنشر الوعي، لكن لا ينبغي أن يأتي على حساب الدقة أو يختزل الطب في عناوين مثيرة ووعود سريعة.
بدوره، قال الدكتور منذر الهريني إن وصول الأطباء إلى المنصات الرقمية لم يعد سهلاً كما قد يبدو، إذ توجد فجوة بين القيمة العلمية للمعلومة وبين قدرتها على الصعود في فضاء تحكمه الخوارزميات وسرعة التفاعل.
وأضاف أن الطبيب يحتاج إلى أن يكون قريباً من الناس، وأن يقدّم التوعية بلغة سهلة الوصول من دون أن يفقد محتواه دقته أو مسؤوليته. وأكد الهريني أن الطبيب غير مطالب بمطاردة كل «ترند» أو مجاراة كل موجة رائجة، لكنه مطالب بأن يكون صوت الوعي حين تظهر معلومة قد تؤثر في صحة الناس، وأن يقدم تفسيراً واضحاً وعلمياً ومتوازناً يضع المعلومة في سياقها الصحيح، وبين أن تبسيط الخطاب الطبي ضرورة وليس تنازلاً عن العلم، مؤكداً أن المطلوب ليس الانغلاق داخل اللغة الطبية، بل إعادة صياغة المعرفة العلمية بلغة يفهمها الناس يستطيعون تطبيقها بوعي.

