علي جابر لـ"البيان": لا غنى عن الصحفي الإنسان.. والذكاء الاصطناعي لن يكتب نهايته

مع تسارع التطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وقدرتها المتزايدة على إنتاج الأخبار وصياغة التقارير والتحقق من البيانات خلال ثوانٍ، يطرح المشهد الإعلامي سؤالاً يبدو أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل نحن أمام نهاية عصر الصحفي داخل المؤسسات الإعلامية؟.

وهل يمكن أن يأتي اليوم الذي تستغني فيه غرف الأخبار عن الصحفي، وتكتفي بأدوات مثل «تشات جي بي تي» لإنتاج الأخبار والتقارير؟ وأين سيكون موقع الصحفي في هذه المعادلة الجديدة؟

الإجابة، بحسب علي جابر، كانت بالنفي.

ويؤكد جابر أن التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي لا يعني اختفاء الصحفي من غرفة الأخبار سواء في المؤسسات الإعلامية أو  الحكومية، بقدر ما يفرض إعادة تعريف دوره وطبيعة المهام التي يقوم بها.

وأضاف أن القدرة على إنتاج نص إخباري خلال ثوانٍ لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على ممارسة الصحافة بكل أبعادها المهنية والإنسانية.

ويقول جابر إن الصحافة ليست مجرد كتابة خبر أو صياغة تقرير، فالآلة تستطيع التعامل مع المعلومات وإعادة ترتيبها وصياغتها بسرعة كبيرة، لكن جوهر العمل الصحفي يتجاوز النص المكتوب إلى البحث والسؤال والتحقق والفهم والتحليل، وربط الأحداث بسياقاتها، والقدرة على الوصول إلى مصادر المعلومات وقراءة ما وراء الخبر.

الصحفي ليس مجرد «كاتب»

ويرى جابر أن الخطأ يكمن في اختزال دور الصحفي في عملية الكتابة، وكأن مهمته تنتهي بمجرد تحويل المعلومات إلى نص، لافتا إلى أن الصحفي، في جوهر عمله، هو من يقرر ما الذي يستحق أن يكون خبراً، وما السؤال الذي يجب طرحه، ومن المصدر الذي ينبغي الوثوق به، وما المعلومات التي تحتاج إلى مزيد من التحقق.

وهنا تحديداً، بحسب جابر، تكمن القيمة التي يصعب على الذكاء الاصطناعي أن يلغيها، إذ إن الصحفي لا ينتج كلمات فقط، بل يمارس حكماً مهنياً وأخلاقياً، ويتحمل مسؤولية ما ينشره أمام الجمهور والمؤسسة والمجتمع.

أدوات شريكة

ويؤكد جابر أن أدوات الذكاء الاصطناعي، ومن بينها «تشات جي بي تي»، يمكن أن تكون شريكاً مهماً للصحفي، وأن تختصر كثيراً من الوقت في المهام الروتينية، وتساعد في معالجة كميات ضخمة من البيانات وتلخيص المعلومات وصياغة المسودات، لكن استخدامها لا يعني إلغاء الصحفي.

ويضيف أن المستقبل ليس لغرفة أخبار بلا صحفيين، وإنما لغرفة أخبار يعمل فيها الصحفيون جنباً إلى جنب مع أدوات الذكاء الاصطناعي، بحيث تتولى التكنولوجيا ما تجيده من سرعة ومعالجة، بينما يركز الإنسان على ما يتطلب فهماً وحساً نقدياً وحكماً مهنياً وإبداعاً.

فقد تستطيع الخوارزمية أن تكتب خبراً في ثوانٍ، لكن من يقرر أهمية الخبر؟ ومن يسأل السؤال الذي لم يخطر على الخوارزمية؟ ومن يكتشف التناقض في رواية مصدر ما؟ ومن يتحمل مسؤولية نشر المعلومة أمام الجمهور؟.

تحد

وبحسب جابر، فإن التحدي أمام الصحفي اليوم لا يتمثل في محاولة التفوق على الذكاء الاصطناعي في السرعة، لأن هذه معركة خاسرة من الأساس، وإنما في تطوير مهارات جديدة تجعله قادراً على استخدام هذه التقنيات لصالح العمل الصحفي.

ومن هنا، فإن الصحفي الذي سيبقى في صدارة المشهد ليس بالضرورة الأسرع في الكتابة، وإنما الأكثر قدرة على طرح الأسئلة، والتحقق من المعلومات، وتحليل البيانات، وصناعة الأفكار، وبناء القصص الصحفية، واستخدام التكنولوجيا باعتبارها أداة تعزز قدراته ولا تلغي وجوده.

ويختصر جابر المشهد بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي قد يغير شكل الصحافة، لكنه لن يلغي الحاجة إلى الصحفي الإنسان، لأن الصحافة في النهاية ليست مجرد إنتاج نصوص، وإنما مسؤولية ووعي وسؤال وموقف وحكم مهني.

فالآلة تستطيع أن تكتب الخبر، لكن الصحفي هو من يعرف لماذا يستحق هذا الخبر أن يُكتب، وكيف يجب أن يُروى، وما الذي يعنيه للناس.