استزراع الأسماك في صحراء أبوظبي.. فرص استثمارية واعدة

يعد الاستزراع السمكي أحد المشاريع، التي سترسم بعداً مستقبلياً مغايراً لمفاهيم الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي، والبحث عن حلول مبتكرة لتنويع مصادر الغذاء ونوعيته وجودته، وبات هذا القطاع الواعد في دولة الإمارات، وفي أبوظبي - على وجه الخصوص- مدفوعاً بمبادرات واستثمارات القطاع الخاص، ومحكوماً بسياسات، وباحثاً عن أطر تنظيمية، فاتحاً مجالات أرحب للبحوث والاستثمارات، منقباً عن حاضنات استثمارية، توطد حضوره أكثر، طارحاً سؤالاً محورياً مهماً وهو: كيف يمكن لصحراء أبوظبي أن تحتضن واحات خصبة بالأسماك؟

«البيان» تقف على تفاصيل تجربة استزراع الأحياء المائية في العاصمة أبوظبي والإمارات من مزارع في عمق الصحراء، تنبت من واحاتها أطنان من الثروة السمكية، إلى منشآت متطورة ذات خبرة عالمية، لترسم أبرز السيناريوهات المستدامة لأمن غذائي مستقبلي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي على مدار العام، لتحقيق رؤية تسابق الزمن بأبعاد تطويرية مبنية على أحدث التقنيات الخاصة بالاستزراع السمكي، إذ تظهر الإحصاءات أن الاستهلاك السنوي للمأكولات البحرية في الإمارات يبلغ حالياً نحو 270 ألف طن، كما يبلغ استهلاك الشخص الواحد في الإمارات للمأكولات السمكية نحو 30 كجم سنوياً/ بينما يصل متوسط استهلاك الدولي للفرد 20.5 كجم حسب إحصاء حديثة، وتشكل الجهود والمبادرات المبذولة في تعزيز قدرة قطاع الاستزراع السمكي والأحياء المائية ركيزة أساسية في تحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي، خاصة، حيث استثمرت الإمارات 200 مليون درهم في تطوير منشآت الاستزراع ومراكز الأبحاث، بهدف تحقيق إرساء أسس سلسلة قيمة غذائية مستدامة من بيئات المياه العذبة والمالحة الخاضعة للإشراف والرقابة.

عوائد اقتصادية

وبلغة الاستدامة، والعوائد الاقتصادية الكبيرة، تقرأ وزارة التغير المناخي والبيئة المشهد من منظور مستدام ومستقبل اقتصادي مُجدٍ، وبهذه النظرة أكدت هبة عبيد الشحي، وكيل الوزارة المساعد لقطاع التنوع البيولوجي والأحياء المائية بوزارة التغير المناخي والبيئة، أن قطاع الاستزراع السمكي يمثل إحدى أهم الركائز الأساسية في منظومة تنمية الأحياء المائية والثروة السمكية في الدولة، ما ينعكس على مساهمة هذا القطاع في تعزيز الأمن الغذائي الوطني المستدام. وقالت الشحي، إن قطاع الاستزراع السمكي يمتلك العديد من الفرص الواعدة، التي تدعم رفع مستوى الإنتاج المحلي من الغذاء، فضلاً عن عوائده الاقتصادية الكبيرة، والحفاظ على استدامة الموارد البحرية في الدولة.

استشارة فنية

وأشارت هبة عبيد الشحي إلى أن الإمارات تمتلك 18 مزرعة أحياء مائية مرخصة من وزارة التغير المناخي والبيئة، ويتم تقديم كل سبل الدعم لتلك المزارع، ويتمثل دعم الوزارة للقطاع في الاستشارة الفنية للأفراد والمستثمرين، الذين يرغبون في إقامة مشاريع استزراع الأحياء المائية على مستوى الدولة.

مسرعات

وقالت الشحي: «تقوم الوزارة بالعمل على إعداد مجموعة من المبادرات تحت مظلة «حقيبة مبادرات قطاع استزراع الأحياء المائية في دولة الإمارات»، والتي تهدف إلى تحفيز الاستزراع في الدولة، وتمكين وتعزيز الاستثمار في هذا القطاع عن طريق توفير مجموعة متنوعة من الموارد والأدلة والدراسات. وقامت الوزارة بإعداد برامج وطنية وخدمات ذكية وإلكترونية لترخيص مزارع الأحياء المائية، لرفع كفاءة إنتاج مزارع الأحياء المائية المسجلة لديها».

واختتمت الشحي: «حرصت دولة الإمارات كذلك على دعم الاستزراع السمكي عن طريق إنشاء مراكز بحثية ومفاقس لإنتاج إصبعيات الأحياء المائية، وكان أولها مركز أبحاث البيئة البحرية بأم القيوين، إضافة إلى مركز استزراع الأحياء المائية والدراسات البحرية بجزيرة أبو الأبيض ومركز الشيخ خليفة للأبحاث البحرية».

تنافسية مستدامة

وعلى صعيد متصل تبحث الطاقات الوطنية عن أنسب الطرق، التي تجعل الاستزراع السمكي عملية مستدامة ومستمرة، ومن هذا المنطلق أكد محمد المرزوقي، مدير إدارة التنوع البيولوجي البحري في هيئة البيئة - أبوظبي، أن قيمة إنتاج مزارع الأحياء المائية بلغت 12.9 مليون درهم خلال العام الماضي، في حين بلغ إجمالي إنتاج هذه المزارع أكثر من حوالي 367 طناً في منشآت مرخصة لاستزراع الأحياء المائية في أبوظبي.

تنوع بيولوجي

وأشار المرزوقي أن سياسة الاستزراع السمكي المستدام، التي أطلقتها الهيئة تهدف إلى تطوير قطاع يتسم بالتنافسية والاستدامة في إمارة أبوظبي، ويسهم في تحقيق النمو الاقتصادي والأمن الغذائي، وتوفير فرص عمل، وتحقيق مكاسب اقتصادية للمواطنين، من خلال إنتاج أغذية بحرية آمنة وذات جودة عالية، تلبي حاجة السوق، وباستخدام تقنيات مستدامة تحافظ على التنوع البيولوجي، وتضمن حماية الأنظمة البيئية. وقال: «إن الهيئة قامت بدراسة متكاملة للنمذجة الهيدروديناميكية والبيئية لاختيار أنسب المواقع لاستزراع الأحياء المائية بشكل مستدام في منطقة الظفرة، وتحديد الحد الأقصى لكميات الأسماك، التي يمكن استزراعها بصورة مستدامة ضمن المواقع المحددة دون التأثير في البيئة».

وتضمنت النمذجة الهيدروديناميكية عناصر لدراسة حركة الأمواج، وجودة المياه البحرية، لضمان الاستدامة البيئية للمواقع المختارة، وأشار أن المشروع يتكون من ستة أقفاص بحرية عائمة، ويهدف إلى إنتاج 100 طن سنوياً من أنواع الأسماك المحلية عالية القيمة.

تطوير القدرات

أوضح محمد بارشيد، رئيس قسم استزراع الأحياء المائية في هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية، أن حكومة أبوظبي أطلقت «برنامج للاستزراع السمكي والمصايد»، الذي يهدف لزيادة إنتاج استزراع الأحياء المائية في البحر والبر، وتعزيز استدامتها للمساهمة في الأمن الغذائي من خلال التخطيط السليم، وصنع السياسات وبناء القدرات والشراكات ودعم البحث والتطوير، وتنفيذاً للبرنامج طورت الهيئة خطة استراتيجية تهدف إلى زيادة عدد مزارع استزراع الأحياء المائية وإنتاجيتها للمساهمة في الاستهلاك المحلي من الأنواع المرغوبة باستغلال الإمكانات المتاحة في المناطق البحرية واليابسة والمزارع، التي تم إهمالها، بسبب ارتفاع نسبة ملوحة المياه أو ارتفاع ملوحة التربة فيها والمزارع التجارية والمشاريع الاستثمارية.

مركز للتدريب

وأكد بارشيد أن في إطار تعزيز الابتكار القائم على البحث العلمي تقوم هيئة أبوظبي للزراعة والسلامة الغذائية بإنشاء مزرعة نموذجية وبحثية لاستزراع الأحياء المائية، وسوف تركز المزرعة النموذجية على اختبار تقنيات جديدة لاستزراع الأحياء المائية، وتقييم ملاءمتها لظروف إمارة أبوظبي، كما ستكون المزرعة بمثابة مركز للتدريب والتعليم لبناء قدرات موظفي الهيئة ومربي الأحياء المائية المحتملين وطلاب المدارس والجامعات والمعاهد التخصصية والمستثمرين.

كما ستعمل المزرعة على إنتاج إصبعيات الأسماك وذريعة الروبيان، بحيث تكون مصدراً للمزارع الأخرى، واستزراع الأنواع المهددة بالانقراض وإعادة إطلاقها في البحر لزيادة المخزون الطبيعي، والمحافظة على التنوع البيولوجي، وستوفر المزرعة أيضاً البنية التحتية للبحوث، التي تقوم بها الجامعات والمعاهد المتخصصة في قطاع الأحياء المائية محلياً وإقليمياً، بما فيها الأبحاث المتصلة الجينوم الزراعي في الشق المتعلق باستزراع الأحياء المائية.

وأوضحت الهيئة أنها تسلمت عدة طلبات لمشاريع استثمارية في مجال استزراع الأحياء المائية، وما زالت قيد الدراسة، وهنالك مشروعان تم تبنيهم بواسطة شركة أبوظبي القابضة ADQ وهما: مشروع لإنتاج الروبيان، وآخر لإنتاج أسماك التراوت.

فجوة سوقية

وريثما تؤسس فرص مشاريع استزراع الأحياء المائية قاعدة صلبة تستند إليها تبقى التحديات عائقاً يحول دون انتشار هذه المشاريع على المستوى الوطني كما يجب، حيث يتم استيراد 95 % من هذه المستلزمات الخاصة ببناء هذه المنشآت من خارج الدولة، مما يعني وجود فجوة سوقية في مجال تصنيع وإنتاج هذه الأدوات والمستلزمات، واستخدام تقنيات حديثة في المشروع، للمساهمة في تغطية جزء كبير من احتياج السوق المحلي، وتبحث هذه التحديات عن فرص استثمارية واعدة، لتحقيق قصب السبق في الاستثمار المستدام بهذا المشروع، الذي يعب ضرورة لتحقيق الأمن الغذائي الوطني.

استغلال

كما تشير الدراسات الاجتماعية والاقتصادية في الدولة - وفقاً لهيئة البيئة - أبوظبي، إلى أن أحد الضغوط الرئيسية على المخزون السمكي يكمن في وجود عدد هائل من الصيادين يفوق الطاقة الاستيعابية لقطاع المصائد التجارية والترفيهية، حيث تتعرض أنواع الأسماك القاعية مثل الهامور والشعري- التي تشكل أغلب كميات السمك المصطادة - إلى استغلال مفرط بمستويات تفوق مستوى الصيد المستدام بحوالي خمسة أضعاف، أما الأنواع السطحية مثل الكنعد فهي تتعرض إلى استغلال مفرط بمستويات تصل إلى ثلاثة أضعاف مستوى الصيد المستدام.

35 ألف طن

وعلى أرض أبوظبي، حيث الفرص الاستثمارية الواعدة، فشركة بيور سلمون، الشركة العالمية المتخصصة بتربية الأحياء المائية على الأرض، والتي اتخذت من أبوظبي مقراً عالمياً لها، يؤكد ستيفان فروز، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة «بيور سلمون» أن المرحلة الأولى من الإنتاج سيشتمل على أربع مزارع للأحياء المائية بطاقة إنتاجية سنوية إجمالية تبلغ 35 ألف طن من سمك السلمون، وأوضح أن «بيور سلمون» ستسهم على نحو مستدام في تزويد المنطقة بالبروتينات المغذية والصحية والمنتجة محلياً.

وأشار فروز أن الشركة تستخدم العديد من التقنيات الحديثة والصديقة للبيئة مثل تقنية إعادة تدوير الأحياء المائية لاستزراع أسماك السلمون الأطلسي بأسلوب مستدام وصحي وقابل للتتبع، وعلى مقربة من المستهلك النهائي، الأمر الذي يساهم في التقليل بشكل كبير من عمليات النقل، ويحد من البصمة الكربونية والتأثير السلبي على النظم البيئية للمحيطات، كما يحد بشكل كبير من استهلاك الموارد الطبيعية.

260 ألف طن

ويشار أن المقر الرئيسي للشركة في إمارة أبوظبي سيعمل على إدارة مرافق الإنتاج العالمية الرئيسية للشركة في بولندا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وستتمكن «بيور سلمون» من خلال شراكتها مع «مكتب أبوظبي للاستثمار» من توظيف نخبة من المواهب والكفاءات العالمية، إلى جانب توسيع عملياتها بالتزامن مع تطلعات الشركة لأن تصبح أكبر منتج عالمي مستدام لأسماك السلمون، بإنتاج مستهدف يبلغ 260,000 طن سنوياً، هذا بالإضافة إلى إرساء علاقات تعاون أكاديمية قائمة على القاعدة المعرفية الخاصة بأكاديمية بيور سلمون، بهدف مشاركة خبراتها ومعارفها في مجال تربية الأحياء المائية مع منظومة الأعمال والتكنولوجيا في إمارة أبوظبي.

نموذج استثنائي

ومن مزرعته الشاملة في منطقة العراد بمدينة العين، يقدم عبدالرحمن راشد الشامسي نموذجاً استثنائياً في زراعة الأحياء المائية بطريقة مستدامة، منتجاً أكثر من 24 طناً من الأسماك سنوياً، كما أنه استطاع أن يوفر أكثر من 56 ضعفاً من المياه المستخدمة في الاستزراع، وحالياً يبلغ إنتاج مزرعته من سمك البلطي أكثر من 13 طناً سنوياً، كما يباع حالياً عبر تجار الأسماك في مختلف أسواق الدولة من مزرعته المرخصة، التي تطبق أحدث المعايير، في حين يبلغ العدد الإجمالي للأسماك في المزرعة حالياً إلى 200 ألف سمكة.

ويشير الشامسي أن ابتكار تقنية «الأكوابونيك» ساعدته بشكل كبير في دعم تجربته بالاستزراع السمكي، وهي ما يعرف بالزراعة التكاملية بين النبات والأسماك معاً معتمدين على مخلفات الأسماك في تغذية النبات، ومعتمدين على تغذية الأسماك عبر أحواض لإنتاج الطحالب عبر مياه الأسماك، بحيث تضخ المياه العذبة، التي تنتج من ماكينات مخصصة لتحلية المياه في أحواض الأسماك، وعبر قنوات يتنقل المياه إلى أحواض الطحالب المائية التي تحتوي على 40 % من البروتين كغذاء للأسماك.

تواجه استدامة مزارع الأحياء المائية 13 تحدياً تشمل: ندرة المصادر المحلية لتوفير لأعلاف وارتفاع أسعارها، وعــدم توفر مصادر محلية كافية لإصبعيات الأحياء المائية، وصعوبة الحصول على أراضٍ لإنشاء مشاريع استزراع الأحياء المائية، وشح الموارد المائية الجوفية، مما يؤثر أيضاً على تشغيل مزارع الأحياء المائية، وموسمية تفريخ الأحياء المائية لمعظم السلالات الموجودة بدولة الإمارات، بالإضافة إلى قلة الشركات المتخصصة في مجال استزراع الأحياء المائية، وقلة خبرة المزارعين في مجال استزراع الأحياء المائية، وضعف استغلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج والإدارة، والتكلفة الإنشائية العالية لأنظمة استزراع الأحياء المائية الفاعلة والظروف البيئية والمناخية القاسية (ارتفاع معدلات درجات الحرارة والرطوبة)، مما تؤدي لزيادة في التكاليف الإنشائية، وقلة الأبحاث حول تكيف بعض أنواع الأحياء المائية المرغوبة محلياً مع أنظمة الاستزراع في الأسر (المزارع)، وعدم وجود قنوات كافية للتسويق تغطي احتياجات مزارع الأحياء المائية، وقلة مصادر تمويل مشاريع استزراع الأحياء المائية (التأسيس والتشغيل).