على هامش جلسة "آفاق جديدة: التعاون الاقتصادي الخليجي - العالمي"، تبرز دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي ليس فقط كمزود رئيسي للطاقة، بل كلاعب محوري وصوت استراتيجي فاعل في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي. إن التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة مؤخراً، من تنويع مصادر الدخل، والاستثمار الكثيف في اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة، وصولاً إلى تعزيز الشراكات العابرة للحدود، فتحت الباب أمام مرحلة غير مسبوقة من التكامل والتعاون الدولي.
لم تعد الشراكات الخليجية-العالمية تقتصر على الأطر التقليدية للتجارة وتصدير الطاقة، بل امتدت لتشمل سلاسل الإمداد العالمية، والأمن الغذائي، والتحول الأخضر، مما يضع الخليج على مفترق طرق واعد نحو آفاق اقتصادية جديدة تعزز الاستقرار والازدهار المتبادل على نطاق واسع.
وتتجسد هذه التحولات الاستراتيجية في الاقتصاد الخليجي عبر الانتقال المدروس من الاعتماد الأحادي على النفط إلى اقتصادات متنوعة ومستدامة تدعمها رؤى التنمية الوطنية، وصعود قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة كركائز للنمو المستقبلي. وفي هذا السياق، أكد الدكتور باسم قمر، المدير التنفيذي للسياسات الاقتصادية في صندوق النقد العربي (دولة الإمارات)، أن ريادة دولة الإمارات في مجال الابتكار المالي وتسخير التقنيات الحديثة تؤهلها للاضطلاع بدور المحرك الرئيسي لتعميق التكامل المالي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وتمتد هذه الرؤية لتشمل إعادة هندسة سلاسل الإمداد والممرات التجارية عبر تثبيت أهمية الموقع الجغرافي الخليجي كحلقة وصل حيوية بين الشرق والغرب، وتطوير الممرات البديلة وتوسيع طاقة الموانئ وشبكات النقل لضمان استقرار التجارة العالمية. وتعليقاً على ذلك، أشار الدكتور كريستيان باوليتو، المستشار أول في مكتب معالي الدكتور ثاني الزيودي (دولة الإمارات)، إلى أن الدولة تتجه إلى مدّ جسور التواصل الاقتصادي عبر القارات، بما يجسد رؤية "من مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى العالم، أو من الإمارات إلى العالم"، ويعزز ارتباطها بالمراكز التجارية والمالية الكبرى في آسيا وأوروبا وإفريقيا والأمريكتين.
إلى جانب ذلك، يبرز أمن الطاقة والأمن الغذائي كركيزتين أساسيتين للتعاون من خلال ضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية بالتوازي مع الاستثمار في مشاريع الحياد الكربوني وبناء شراكات دولية لتأمين السلع الاستراتيجية كالأسمدة والإنتاج الزراعي. وفي هذا السياق، لفت الدكتور أحمد الصفتي، المستشار الاقتصادي في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، إلى أن "الواقع العالمي الجديد يفرض على منتجي الطاقة ومستهلكيها تعزيز قدراتهم على مواجهة الأحداث غير المتوقعة، عبر توسيع نطاق التنويع، وتعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وتوثيق التعاون".
وهذا يتكامل مع الانتقال من التعاون المعاملاتي إلى الشراكات الاستراتيجية الشاملة عبر صياغة تحالفات اقتصادية مع القوى الكبرى والأسواق الناشئة قائمة على المصالح المتبادلة والابتكار. وفي هذا الإطار، أوضح أنيليش ماهاجان، نائب أول لرئيس تحرير مجلة "إنديا توداي" (الهند)، أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين دولة الإمارات والهند، في ظل تجاوز حجم التجارة الثنائية 100 مليار دولار، باتت نموذجاً لتعميق الانخراط الاقتصادي الهندي في منطقة الخليج وتوظيف التكامل بين رؤوس الأموال الإماراتية والقدرات الهندية لاغتنام الفرص في أسواق دول أخرى.
وختاماً، ترتكز هذه الجهود على تعزيز الاستقلالية الاقتصادية والمرونة المؤسسية عبر بناء اقتصاديات قادرة على امتصاص الصدمات الجيوسياسية العالمية وتوجيه الاستثمار الأجنبي المباشر نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مما يجعل استقرار المنطقة جزءاً لا يتجزأ من منظومة الاستقرار المالي العالمي.





