اختُتمت فعاليات اليوم الأول من منتدى هيلي في نسخته الثالثة بجلسة حوارية مع معالي جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، أدارها الدكتور سلطان محمد النعيمي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وتناولت خلاصات المرحلة التي أعقبت الاعتداءات الإيرانية على دول المجلس، ومسارات العمل الخليجي المشترك التي تولّدت عنها، وحدود ما يمكن بناؤه مع طهران في المدى المنظور.
استهلّ البديوي حديثه بما وصفه بأنه أبرز ما خرج به من تلك المرحلة، وهو مستوى التنسيق بين دول المجلس الذي رآه غير مسبوق في تاريخ العمل الخليجي المشترك، ممتداً على المستويات العسكرية والاقتصادية والأمنية والصحية والإدارية، وصولاً إلى ملفي المياه والكهرباء. وقال إن ما شاهده من قرب خلال تلك الأسابيع يبعث على الاعتزاز بالانتماء الخليجي، مشيراً إلى أن الجهد الذي بُذل في الأمانة العامة وفي الدول الأعضاء استمرّ على مدار الساعة، وأن كثيراً من تفاصيله لم يصل إلى الرأي العام بالقدر الذي يستحقه.
وتوقّف عند نموذج عملي لهذا التنسيق، حين تعذّرت الملاحة في مضيق هرمز فوجدت كل من مملكة البحرين ودولة قطر ودولة الكويت نفسها أمام مأزق لوجستي، فتحرّكت دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان لتوفير البديل، ففُتحت الموانئ والمنصات، وسُيّرت الشاحنات، وعُلّقت أنظمة ولوائح محلية كانت ستعرقل مرور البضائع، حتى لم ينقص السوق الخليجي شيء. ووصف البديوي ما جرى بأنه اختبار عملي أثبت أن التكامل الخليجي قادر على العمل تحت الضغط.
وانتقل إلى ما تحوّل إليه هذا الدرس من قرارات مؤسسية، موضحاً أن قادة دول المجلس عقدوا في 28 أبريل من العام الجاري لقاءً تشاورياً استثنائياً في مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية، خرج بحزمة قرارات تستند إلى الدروس المستفادة من الأحداث، وكُلّفت الأمانة العامة بالتنسيق مع اللجان الوزارية المعنية ومع الدول الأعضاء بإنجاز دراسات في شأنها ورفعها إلى القادة خلال الربع الثالث من العام. وعدّد البديوي هذه المسارات: تعزيز الدعم اللوجستي المشترك وإيجاد طرق وممرات بديلة، والربط المائي بين دول المجلس، والخزن الاستراتيجي بالاستفادة من المواقع الجغرافية المتميزة في بعض الدول الأعضاء بحيث تودع دولة مخزونها الاستراتيجي في أراضي أخرى، وإيجاد بدائل لمدّ أنابيب النفط والغاز، وزيادة الطاقة الاستيعابية لشبكة الربط الكهربائي. وأفاد بأن العمل في هذه الملفات بلغ مستويات إنجاز تراوح بين 50 و70 في المئة، وأن الأمانة العامة تعمل عليها مع أكثر من 50 لجنة وزارية.
وفي ما يتصل بالموقف الدولي من الأزمة، قال البديوي إن الثقل الخليجي ترجم نفسه في سلسلة اجتماعات وزارية استثنائية عُقدت مع الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومصر والأردن والمغرب، إلى جانب لقاءات ثنائية على المستوى الوزاري. وردّاً على سؤال عمّا إذا كانت الدول الغربية والآسيوية قد فضّلت انتظار انتهاء الحرب قبل التحرك، نفى ذلك، وقال إن ما لمسه هو العكس تماماً؛ سعي دولي واسع إلى المساندة، شمل عروض مساعدة ومشاركة في المعلومات، وإن دولاً أوروبية عدة وقفت مع دول المجلس وقفة يستحق أصحابها التقدير.
أما عن إيران، فقد اختار البديوي أن يبدأ الإجابة بمقارنة رقمية، قال إن أصغر ثلاث دول في المجلس مساحةً وسكاناً، وهي البحرين وقطر والكويت، يبلغ مجموع سكانها نحو 9 ملايين نسمة، ويبلغ ناتجها القومي المشترك 421 مليار دولار أمريكي في عام 2025، في مقابل إيران التي يتجاوز عدد سكانها 90 مليون نسمة ويبلغ ناتجها نحو 363 مليار دولار. وخلص إلى أن المفارقة تطرح سؤالاً عن حصيلة النظام الإيراني منذ عام 1979، رغم ما تملكه البلاد من موارد ومياه وأراض زراعية وموقع استراتيجي.
وشدّد على أن إيران جار قائم لا مفرّ من التعامل معه، وأن دول المجلس نقلت رسائلها إليه في أكثر من مناسبة، أبرزها الاجتماع الوزاري الخليجي - الإيراني الأول الذي عُقد في أكتوبر 2024 وشارك فيه شخصياً، وطُرح فيه مساران؛ مسار التحديات القائمة في العلاقة، ومسار الفرص الممكنة. غير أن الخطوات المطلوبة لبناء الثقة لم تُتخذ، وجاءت الاعتداءات لتعيد العلاقة إلى المربع الأول. وقال إن الترسانة التي استُخدمت وُجّه معظمها إلى دول المجلس، وأن ما جرى كان مخططاً له وليس ارتجالاً، وأن دول المجلس كانت طوال الوقت في موقع من يسعى إلى التهدئة وإقناع الأطراف بالكفّ عن الخيار العسكري. وخلص إلى أن الكرة اليوم في ملعب إيران، وأن عليها أن تتبنّى سياسات وإجراءات تثبت بها حسن نيتها لدول المجلس وللمجتمع الدولي.
وحين سُئل عن جدوى الحوار في ظل تعدد الجهات الإيرانية، أجاب بأن هذا شأن داخلي لا تتدخل فيه دول المجلس، وأن ما يعنيها هو السلوك وردود الأفعال، وأن على الجانب الإيراني، إن كان جاداً في التهدئة، أن يرسل من يملك صلاحية التفاوض والالتزام بما يُتفق عليه.
وفي ملف مضيق هرمز، حذّر من الانزلاق إلى تدويل الممرات المائية، ومن انتقال المسألة من هرمز إلى باب المندب ثم إلى مضائق أخرى، مؤكداً أن القانون الدولي قائم ومحترم ومطبّق طوال العقود الماضية، وأن مطلب دول المجلس هو تفعيله والعودة بالوضع إلى ما كان عليه، من دون إعادة اختراع ما هو موجود أصلاً.
واختتم بسؤال المحاور عن الرسالة التي تودّ الأمانة العامة إيصالها إلى العالم من منتدى ينعقد تحت عنوان «الخليج عند مفترق طرق»، فأجاب بأنها رسالة واضحة ومختصرة؛ الخليج شريك موثوق على كافة المستويات، مجرَّب ومختبَر، تسبقه مصداقيته ويسبقه أداؤه، وإذا أعطى كلمة وفى بها. واستشهد بحجم الاستثمارات الأجنبية في دول المجلس البالغ 792 مليار دولار، معتبراً أنه رقم كبير تحقق في فترة وجيزة ويعكس ثقة العالم بالمنطقة. كما أشار إلى ما لمسه صباح اليوم نفسه لدى إلقائه كلمة افتتاحية في مؤتمر «إيم» للاستثمار في أبوظبي من حضور كثيف لرؤساء دول ووزراء ومستثمرين. وختم بأن الثروة الحقيقية لدول المجلس هي شبابها وشاباتها، وأن ما تحقق إنما جاء بفضل رؤية القادة المؤسسين والقيادات الحالية.

