انتقاد الخدمات إلكترونياً حق للمستهلك.. والتشهير جريمة

يوسف الشريف
يوسف الشريف
راشد الكيتوب
راشد الكيتوب
علي الحمادي
علي الحمادي
محمد الحايس
محمد الحايس
محمد المنصوري
محمد المنصوري

التقييمات الوهمية وحملات التشويه تضع أصحابها تحت طائلة القانون
التلميح والعبارات المسيئة قد يشكلان سباً وقذفاً إلكترونياً
الاحتفاظ بالفواتير والمراسلات يعزز موقف المستهلك قانونياً


أكد محامون ومستشارون قانونيون أن التقييمات السلبية التي ينشرها المستهلكون عبر المواقع والتطبيقات الإلكترونية، لا تشكل جريمة لمجرد التعبير عن عدم الرضا عن خدمة أو منتج، حتى وإن أثرت في السمعة التجارية للمنشأة، مشددين على أن القانون يكفل حق المستهلك في عرض تجربته الحقيقية، لكنه يضع حدوداً فاصلة بين النقد المشروع، والسب والقذف والتشهير واختلاق الوقائع، التي قد تعرض مرتكبيها للحبس، وغرامات تصل إلى 500 ألف درهم.
وأوضحوا أن المسؤولية القانونية لا ترتبط بعدد النجوم التي يمنحها العميل، أو بمجرد نشر تعليق سلبي، وإنما بمضمون العبارات وصحة الوقائع والظروف المحيطة بالنشر، محذرين من استغلال منصات التقييم في تنظيم حملات وهمية، أو توجيه اتهامات لا تستند إلى أدلة.
وجاءت هذه التأكيدات عقب إعلان شرطة دبي ضبط مجموعة من الأشخاص على خلفية نشر تعليقات سلبية وغير صحيحة عبر تطبيق «خرائط جوجل»، استهدفت إحدى الشركات، بقصد الإضرار بها وتشويه سمعتها. وكشفت التحريات عن قيام محال تجارية بتشكيل مجموعات لنشر تلك التقييمات، فيما أكد الرائد ياسر جمعة محمد رئيس قسم جرائم التواصل الاجتماعي في إدارة الجرائم الإلكترونية والسيبرانية بالإدارة العامة للتحريات والمباحث الجنائية في شرطة دبي، وجود حدود لحرية الرأي والتعبير، وعدم جواز استغلال التعليقات للإضرار بالآخرين ومصالحهم.
وفي السياق ذاته، حذرت حملة «الإمارات آمنة بوعيك الرقمي»، التي أطلقتها وزارة الداخلية، بالتعاون مع القيادة العامة لشرطة دبي، ومركز دبي للأمن الإلكتروني، من مخاطر السب والقذف عبر منصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن المادة 43 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021، بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، تقرر عقوبة الحبس والغرامة التي تتراوح بين 250 ألفاً و500 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، عند توافر أركان جريمة السب أو القذف الإلكتروني.


حماية حق المستهلك


وأكد الدكتور يوسف الشريف، المحامي والمستشار القانوني، أن التعامل مع التقييمات الإلكترونية ينبغي أن ينطلق من حماية حق المستهلك في التعبير عن تجربته، بالتوازي مع حماية المنشآت من الافتراء والإساءة، محذراً من أن المبالغة في التركيز على العقوبات قد تدفع المستهلكين إلى الصمت عن الخدمات التي لم يحصلوا عليها بالمستوى المطلوب، وتحول منصات التقييم إلى مساحات للمديح، تفقد معها دورها في مساعدة الجمهور على الاختيار.


وأوضح أن المادة 30 من الدستور الإماراتي تكفل حرية الرأي والتعبير في حدود القانون، فيما تقرر المادة 54 من قانون الجرائم والعقوبات، إباحة الفعل الذي يقع بنية سليمة، استعمالاً لحق مقرر قانوناً وفي نطاقه، بما يدعم حق المستهلك في وصف تجربة حقيقية بعبارات تتصل بمستوى الخدمة.


وأشار إلى أن قانون حماية المستهلك يعزز هذا التوجه، من خلال إقرار حق المستهلك في الحصول على المعلومات الصحيحة، واختيار السلع والخدمات المناسبة، لافتاً إلى أن تداول التجارب الصادقة يساعد الجمهور على التعرف إلى مزايا الخدمات وأوجه القصور فيها.


وشدد على أن مجرد تضرر المنشأة تجارياً من تقييم سلبي، لا يكفي لإثبات تجاوز المستهلك أو تعسفه، موضحاً أن هناك فرقاً بين عميل يذكر تأخر تنفيذ طلبه أسبوعين عن الموعد المتفق عليه، وآخر يوجه اتهامات بالسرقة والاحتيال، أو يختلق وقائع، أو ينظم حملة تقييمات بمشاركة أشخاص لم يتعاملوا مع المنشأة.
وأضاف أن النقد المشروع لا يشترط أن يتضمن اقتراحات لتحسين الخدمة، فمن حق العميل التعبير عن عدم رضاه، شريطة تجنب الإهانات وانتهاك الخصوصية، أو نشر الصور والبيانات والمحادثات بصورة مخالفة للقانون.


ودعا إلى الاحتفاظ بالفواتير والمراسلات التي تثبت حقيقة التعامل، وإحالة الاتهامات التي تستدعي التحقيق إلى الجهات المختصة، مؤكداً أن تقديم شكوى ضد صاحب التقييم لا يعني ثبوت ارتكابه جريمة، وأن حماية السمعة لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة من النقد أو وسيلة لإسكات المستهلكين.
التقييمات الوهمية


من جهته، أكد المستشار القانوني محمد الحايس، أن خطورة بعض التقييمات الإلكترونية لا تكمن في انخفاض عدد النجوم أو حدة الانتقاد وحدهما، وإنما في استخدامها للإضرار المتعمد بالمنشآت والأشخاص، من خلال نشر وقائع مختلقة، أو تنظيم حملات تقييم وهمية.
وأوضح أن التقييم الإلكتروني يستمد أهميته من ارتباطه بتجربة حقيقية، بينما تختلف المسؤولية القانونية عندما ينشر أشخاص تعليقات عن خدمات لم يحصلوا عليها، أو ينسقون في ما بينهم لنشر اتهامات تستهدف الإساءة إلى منشأة أو الضغط عليها.
وأشار إلى أن المادة 43 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021، بشأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، تتناول السب والقذف عبر الوسائل التقنية، وتقرر عقوبة الحبس والغرامة من 250 ألفاً إلى 500 ألف درهم، أو إحدى العقوبتين، متى توافرت الأركان القانونية للجريمة.


وبيّن أن تطبيق المادة لا يكون لمجرد نشر تقييم سلبي، أو منح المنشأة درجة منخفضة، بل يتطلب النظر في طبيعة العبارات، وما إذا كانت تتضمن سباً، أو إسناد وقائع من شأنها أن تجعل الشخص محلاً للعقاب أو الازدراء، وفقاً للشروط التي حددها القانون.


وأضاف أن التقييمات الوهمية والحملات المنسقة قد تثير صوراً أخرى من المسؤولية القانونية، بحسب طبيعة الأفعال، ومضمون المنشورات والأدلة المتوافرة، مشيراً إلى أن المسؤولية قد تمتد إلى من يعيد نشر التعليقات المسيئة، إذا شكلت مشاركته فعلاً مجرّماً، وتوافرت عناصره القانونية.


ولفت إلى أن المادة 44 من القانون ذاته تنظم صور الاعتداء على الخصوصية باستخدام وسائل تقنية المعلومات، بما في ذلك نشر معلومات أو صور على نحو مخالف للقانون.


وأكد أهمية احتفاظ المستهلك بالفواتير، ورسائل الحجز والمراسلات المتعلقة بالخدمة، واللجوء إلى الجهات المختصة عند الاشتباه في الغش أو الاحتيال، بدلاً من إطلاق اتهامات علنية، قد تعرضه للمساءلة، مشدداً على أن اعتراض المنشأة على تقييم لا يعني ثبوت كذبه، مثلما لا يعني تقديم شكوى ضد صاحبه ثبوت ارتكابه جريمة.


السب والقذف والتلميح
من جانبه، أوضح المحامي علي الحمادي أن الفارق بين النقد المشروع والإساءة، يكمن في الكلمات المستخدمة لوصف التجربة، وما إذا كان المستهلك يعرض وقائع حدثت بالفعل، أم يوجه إهانات واتهامات إلى مقدم الخدمة.


وقال إن المادة 425 من قانون الجرائم والعقوبات تنظم القذف، الذي يقوم على إسناد واقعة إلى الغير بطريق العلانية، من شأنها أن تجعله محلاً للعقاب أو الازدراء، فيما تتناول المادة 426 السب الذي يمس شرف الشخص أو اعتباره دون إسناد واقعة محددة، موضحاً أن التكييف القانوني يتوقف على معنى العبارات وسياقها.
وضرب أمثلة توضح الفارق بين النقد والإساءة، منها أن يذكر المستهلك أنه انتظر ساعة بعد الموعد المحدد، بدلاً من وصف العاملين بأنهم محتالون، أو أن المبلغ لم يُسترد رغم طلبه، بدلاً من اتهام المنشأة بالسرقة، أو أن العطل عاد بعد الصيانة بيومين، بدلاً من اتهام الفني بتعمد إتلاف الجهاز.


وأكد أن هذه الصياغات لا تمنح حصانة تلقائية، إذ يجب أن تكون الوقائع صحيحة، وأن تعرض بدقة، كما أن إضافة عبارة «هذا رأيي الشخصي»، لا تلغي المسؤولية إذا تضمن التعليق إهانة أو اتهاماً مجرّماً.
وأشار إلى أن المسؤولية قد تمتد إلى من يعيد نشر تعليق مسيء إذا شكلت مشاركته سباً أو قذفاً، وتوافرت عناصر الجريمة، مؤكداً أن عبارة «منقول» لا تعفي صاحبها تلقائياً من المسؤولية، وفي المقابل، لا تعد كل مشاركة جريمة، لأن العبرة بالمحتوى والسياق والغرض من النشر.
ولفت إلى أن المادة 430 من قانون الجرائم والعقوبات تنظم الحماية المرتبطة بالإبلاغ بحسن نية إلى السلطات القضائية أو الإدارية عن أمر يستوجب مسؤولية فاعله، مشدداً على أهمية تقديم الوقائع والمستندات إلى الجهات المختصة، بدلاً من تحويل الاشتباه إلى اتهام علني.
بدوره، قال المحامي الدكتور راشد الكيتوب إن التقييمات الإلكترونية تمنح المستهلكين مساحة مهمة لعرض تجاربهم، لكنها تفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية، تتعلق بمضمون ما ينشرونه، مؤكداً أن النقد المشروع ينبغي أن يتناول الخدمة أو العمل في حدود موضوعه، دون تجريح أو تشهير.
وأوضح أن السب قد يقع بالتلميح، كما يقع باللفظ الصريح، ما يعني أن تجنب الشتائم المباشرة لا يكفي إذا كانت العبارات تحمل في مضمونها إهانة أو مساساً بكرامة الأشخاص وسمعتهم، مشيراً إلى أن عبارة «رأي شخصي» لا تحصن التعليق من المساءلة، إذا تضمن إساءة أو اختلاقاً للوقائع.
وأضاف أن المادة 44 من قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، تتناول الاعتداء على الخصوصية أو حرمة الحياة الخاصة أو العائلية باستخدام الوسائل التقنية دون رضا وخارج الأحوال المصرح بها قانوناً، وقد تشمل المسؤولية نشر معلومات صحيحة بقصد الإضرار بالشخص، متى توافرت الشروط القانونية للجريمة.
ونصح المستهلكين بكتابة الوقائع بدقة، والاحتفاظ بالفواتير والمراسلات، وتجنب نشر صور العاملين وبياناتهم الشخصية، مؤكداً أهمية عرض المطالبات المتعلقة باسترداد الأموال، أو معالجة العيوب على الجهات المختصة، بلغة موضوعية، تحفظ الحقوق وكرامة الآخرين.
الاستجابة المهنية تحمي السمعة
وأكد المحامي محمد العوامي المنصوري، أن التقييمات الإلكترونية أصبحت جزءاً أساسياً من العلاقة بين المستهلك والمنشأة، وأداة مؤثرة في قرارات الشراء واختيار الخدمات، ما يفرض مسؤولية مشتركة على الطرفين في التعامل معها بوعي.
وأوضح أن حصول المنشأة على تقييم سلبي لا يعني بالضرورة تعرضها لإساءة يعاقب عليها القانون، إذ قد يكون المستهلك غير راضٍ عن جودة الخدمة أو سرعة إنجازها أو طريقة التعامل معه، ومن حقه التعبير عن تجربته الحقيقية ضمن الحدود القانونية، حتى لو انعكس ذلك على الصورة التجارية للمنشأة.
وأشار إلى أن تقييم المسؤولية القانونية يجب أن يستند إلى مضمون التعليق، وطبيعة العبارات والظروف المحيطة بنشره، وليس إلى عدد النجوم أو حجم الضرر التجاري الذي تدعي المنشأة تعرضها له.
وأكد أن حماية السمعة التجارية لا تقتصر على الإجراءات القانونية، بل تتحقق أيضاً من خلال الاستجابة لشكاوى العملاء، وتوضيح الملابسات، وتصحيح الأخطاء عند ثبوتها، لافتاً إلى أن الرد المهني على التقييمات السلبية، قد يعزز ثقة الجمهور بالمنشأة أكثر من محاولة إسكات أصحابها.
واعتبر أن وجود تقييمات إيجابية وسلبية يعزز مصداقية المنصات الإلكترونية، ويساعد المستهلكين على اتخاذ قرارات أكثر وعياً، كما يوفر للمنشآت فرصة لاكتشاف أوجه القصور ومعالجتها.