خبراء: الذكاء الاصطناعي يحوّل الاحتيال من رسائل عشوائية إلى هجمات شخصية مصممة وفق بيانات الضحايا

WhatsApp Image 2026-10-13 at 11.10.00 AM_edited
WhatsApp Image 2026-10-13 at 11.10.00 AM_edited

دعا خبراء ومتخصصون في الأمن السيبراني إلى إدراج الأمن السيبراني ضمن المناهج الدراسية منذ الصفوف الأولى، وجعله متطلباً تعليمياً أساسياً في مختلف التخصصات الجامعية، دون اقتصاره على طلبة تقنية المعلومات، محذرين من أن التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي نقل الجرائم الإلكترونية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، بات فيها المحتال قادراً على دراسة ضحيته وتحليل بياناته وتصميم هجوم إلكتروني يستهدفه شخصياً، فيما أصبح بإمكان فرد واحد الاستعانة بجيش من الروبوتات لتنفيذ هجمات واسعة النطاق تستهدف أعداداً هائلة من المستخدمين.

وأكدوا أن مواجهة هذه التحولات لم تعد مسؤولية المتخصصين في التقنية وحدهم، بل تتطلب بناء ثقافة مجتمعية تبدأ من المدرسة وتمتد إلى الجامعة ومؤسسات العمل والأسرة، مشددين على أن الوعي الرقمي أصبح مهارة حياتية لا تقل أهمية عن القراءة والكتابة، في ظل قدرة التقنيات الحديثة على تقليد الأصوات واستنساخ المواقع الإلكترونية وإنتاج رسائل احتيالية يصعب اكتشافها بالوسائل التقليدية.

جاء ذلك خلال الجلسة الحوارية الأولى بعنوان «ساحة المعركة المتغيّرة.. المشهد المتغيّر للتهديدات السيبرانية: المخاطر العالمية والإقليمية»، ضمن فعاليات مبادرة «لا تنغش»، التي تنظمها أكاديمية دبي للإعلام الجديد بمبادرة من مركز دبي للأمن الإلكتروني، بمشاركة عبدالله السويدي من مركز دبي للأمن الإلكتروني، ومجد سنان من شركة كاسبرسكي، وسامر الجيوسي من شركة ديل تكنولوجيز، وأحمد الزرعوني من شركة تكفيرم، وأدارها أسامة خمايسة من دبي للإعلام.

التعليم المبكر

وأكد أحمد الزرعوني، من شركة تكفيرم، أن التحولات التي يشهدها عالم الأمن السيبراني تفرض إعادة النظر في موقع الثقافة الرقمية داخل المنظومة التعليمية، داعياً إلى تدريس أساسيات الأمن السيبراني منذ المراحل المدرسية الأولى، بحيث يتعرف الطالب إلى قواعد حماية بياناته وهويته الرقمية بالتزامن مع اكتسابه المهارات التعليمية الأساسية.

وأوضح أن تدريس الأمن السيبراني يجب ألا يتوقف عند التعليم المدرسي، بل يمتد إلى جميع التخصصات الجامعية، سواء كانت تقنية أو علمية أو إنسانية، لأن المخاطر الإلكترونية لم تعد مرتبطة بطبيعة التخصص أو المهنة، وإنما أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لكل فرد يستخدم التكنولوجيا.

ولفت إلى أن طالب الزراعة أو الطب أو الهندسة أو أي تخصص آخر يحتاج إلى معرفة أساسيات الحماية الرقمية، وكيفية التعامل مع محاولات الاختراق والاحتيال، مؤكداً أن الاقتصار على إعداد متخصصين في الأمن السيبراني لا يكفي لمواجهة التهديدات التي تستهدف جميع شرائح المجتمع.

جيش من الروبوتات

وحذر الزرعوني من أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً جذرياً في حجم الهجمات الإلكترونية وقدرة منفذيها على الانتشار، موضحاً أن الهجمات التي كانت تتطلب سابقاً مجموعات منظمة وأعداداً كبيرة من الأشخاص، أصبح من الممكن تنفيذ بعض مهامها باستخدام أنظمة آلية تعمل بتوجيه من شخص واحد.

وضرب مثالاً بإمكانية تشغيل جيش افتراضي من الروبوتات لتنفيذ مهام متزامنة تستهدف مستخدمين ومؤسسات في مناطق ودول مختلفة، مشيراً إلى أن هذا التطور يضاعف حجم التهديدات المحتملة ويجعل مواجهتها أكثر تعقيداً.

وأشار إلى أن هذه القدرات لم تعد مقتصرة على العصابات التي تمتلك إمكانات تقنية ضخمة، إذ أسهمت الأدوات الحديثة في خفض الحواجز التقنية أمام تنفيذ بعض أنواع الهجمات، ما يستدعي تطوير منظومات الحماية ورفع جاهزية المؤسسات والأفراد.

احتيال على المقاس

من جانبه، أكد عبدالله السويدي، من مركز دبي للأمن الإلكتروني، أن أساليب الاحتيال الإلكتروني شهدت تحولاً كبيراً خلال السنوات الخمس الماضية، إذ انتقلت من حملات عشوائية تستهدف أكبر عدد ممكن من المستخدمين إلى عمليات دقيقة تُصمم بناءً على المعلومات الشخصية والمهنية المتاحة عن الضحية.

وأوضح أن المحتال يستطيع اليوم الاستفادة من البيانات المنشورة عبر منصات التواصل المهني، ومنها «لينكد إن»، للتعرف إلى طبيعة عمل الشخص واهتماماته وعلاقاته المهنية، ثم إعداد رسالة احتيالية تبدو مرتبطة بظروفه الفعلية، ما يزيد احتمالات اقتناعه بمصداقيتها.

وأشار إلى أن المحتالين لم يعودوا يعتمدون بالضرورة على الرسائل التقليدية التي تتضمن أخطاء لغوية أو روابط مشبوهة يسهل اكتشافها، بل أصبحوا يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج محتوى متقن ومواقع إلكترونية تحاكي المواقع الرسمية بدرجة عالية من الدقة.

ولفت إلى أن بعض عمليات الاحتيال تعتمد على استنساخ واجهات المواقع البنكية وطريقة عرض خدماتها ومحتواها، بحيث يجد المستخدم نفسه أمام صفحة تبدو مألوفة، رغم أنها صُممت للاستيلاء على بياناته أو دفعه إلى إجراء تحويل مالي.

وأكد أن خطورة هذه الممارسات تكمن في انتقال الاحتيال من محاولة إقناع المستخدم برسالة عامة إلى بناء سيناريو متكامل يستند إلى معلومات حقيقية عنه، ما يجعل التحقق من مصدر الرسائل والروابط ضرورة أساسية قبل اتخاذ أي إجراء.

الإنسان هو الهدف

بدوره، أكد مجد سنان، من شركة كاسبرسكي، أن العنصر البشري لا يزال محوراً رئيسياً في عمليات الاحتيال الإلكتروني، رغم التطور الكبير في الأدوات التقنية المستخدمة لتنفيذ الهجمات.

وأوضح أن المحتال يسعى في المقام الأول إلى التأثير في قرارات الضحية ودفعها إلى اتخاذ إجراء يخدم أهدافه، سواء بالضغط على رابط أو مشاركة معلومات حساسة أو الاستجابة لطلب مالي، مشيراً إلى أن جودة المحتوى الاحتيالي وطريقة تقديمه تلعبان دوراً كبيراً في زيادة فرص نجاح الهجوم.

وأضاف أن الذكاء الاصطناعي مكّن المحتالين من بناء قصص أكثر إقناعاً حول الأشخاص المستهدفين، بدلاً من الاكتفاء برسائل قصيرة ومباشرة، بحيث تتضمن محاولة الاحتيال تفاصيل تجعلها تبدو جزءاً من موقف حقيقي يمر به المستخدم.

وشدد على أن الحماية لا تتطلب بالضرورة أن يكون كل مستخدم خبيراً في الأمن السيبراني، وإنما أن يمتلك القدرة على التوقف والتفكير والتحقق قبل الاستجابة لأي طلب غير معتاد، مؤكداً أهمية ترسيخ مبدأ «توقف وتحقق» بوصفه ممارسة يومية لدى الأفراد.

الصوت لم يعد دليلاً

وأكد سامر الجيوسي، من شركة ديل تكنولوجيز، أن تطور تقنيات التزييف العميق فرض تحديات جديدة على مفهوم الثقة في المحتوى الرقمي، بعدما أصبح من الممكن إنتاج أصوات وصور ومقاطع تبدو حقيقية، رغم أنها مصطنعة أو جرى التلاعب بها.

وأوضح أن الاحتيال لم يعد يستهدف المستخدمين العاديين وحدهم، بل يمكن أن يطال أصحاب الخبرات التقنية والمهنية، خصوصاً عندما تعتمد المحاولة على تقليد صوت شخص معروف أو انتحال صفة جهة موثوقة.

وأشار إلى أن سماع صوت شخص مألوف لم يعد كافياً للتأكد من هويته، إذ قد يتلقى المستخدم اتصالاً يبدو صادراً عن شخص يعرفه، ويتضمن طلباً للحصول على معلومات مصرفية أو بيانات سرية، بينما يكون الصوت قد جرى توليده باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولفت إلى أن الحل لا يتمثل في الابتعاد عن التكنولوجيا، وإنما في تطوير قواعد استخدامها وتعزيز الوعي بمخاطرها، مع ضرورة التحقق من الطلبات الحساسة عبر القنوات الرسمية والموثوقة، وعدم مشاركة البيانات الشخصية أو المصرفية استناداً إلى مكالمة أو رسالة فقط.

وخلصت المناقشات إلى أن التحدي الأكبر لم يعد مقتصراً على تطوير تقنيات قادرة على اكتشاف الهجمات الإلكترونية، وإنما يمتد إلى إعداد أجيال تمتلك القدرة على التمييز والتحقق واتخاذ القرارات الآمنة في البيئة الرقمية.

وأبرزت الجلسة أهمية الانتقال من التوعية الموسمية إلى التعليم المستدام، بحيث تصبح مبادئ الأمن السيبراني جزءاً من المعرفة الأساسية للطلبة، وتتحول داخل المؤسسات إلى ممارسات يومية، فيما تتعزز مسؤولية الأسرة في تعليم الأبناء حماية بياناتهم وعدم الثقة المطلقة في كل ما يشاهدونه أو يسمعونه عبر الإنترنت.

وشدد المشاركون على أن التطور التقني، مهما بلغت قدراته، لا يلغي دور الإنسان في حماية نفسه، وأن بناء الوعي وتطوير مهارات التحقق يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة جيل جديد من عمليات الاحتيال التي أصبحت أكثر قدرة على المحاكاة والتخصيص والإقناع.