تفاوت ضوابط استخدام الأجهزة بين المنزل والمدرسة يعرقل التدخل السلوكي
الإفراط في الشاشات يقلّص فرص الأطفال في التواصل والتفاعل
التوعية الأسرية والوقاية المبكرة تعززان سلامة الأطفال الرقمية
يفرض الاستخدام المتزايد للشاشات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي تحديات جديدة على المختصين الاجتماعيين والنفسيين والسلوكيين، من ضعف بعض مهارات التواصل لدى الأطفال إلى صعوبة توحيد ضوابط استخدام الأجهزة بين المنزل والمدرسة، وصولاً إلى الاعتماد على خطط علاجية أو سلوكية مقترحة عبر التطبيقات دون تقييم متخصص.
وأكد مختصون، في استطلاع لـ«البيان»، أن التعامل مع هذه التحديات يتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمختصين، ومواكبة المتغيرات التقنية، مع الحفاظ على التقييم المباشر والعلاقة الإنسانية أساساً لفهم احتياجات الأطفال وتصميم برامج التدخل المناسبة لكل حالة. ورأوا أن الذكاء الاصطناعي يوفر أدوات مفيدة للبحث والاطلاع، لكنه لا يغني عن الخبرة المهنية والملاحظة المباشرة.
مهارات التواصل
وقالت نيرمين بركات، أخصائية اجتماعية، إن الاستخدام المكثف للأجهزة الإلكترونية قد يقلل فرص الأطفال في ممارسة مهارات التواصل والتعبير والمشاركة، وخصوصاً عندما يأتي على حساب اللعب والتفاعل المباشر مع الآخرين.
وأوضحت أنها تلاحظ، من خلال عملها، حالات تعاني ضعفاً في الحصيلة اللغوية والتواصل البصري والاجتماعي، ما يستدعي العمل على تنمية هذه المهارات وتعزيز الثقة بالنفس وتشجيع المشاركة في الأنشطة الجماعية. وأضافت أن بعض الأسر تفضل بقاء الطفل في المنزل منشغلاً بالأجهزة، دون إتاحة فرص كافية للعب والتفاعل مع أقرانه.
وحذرت من أن ضعف التواصل والانعزال قد يتشابهان في بعض مظاهرهما مع أعراض اضطرابات أخرى، ما يستدعي التقييم المتخصص وعدم التسرع في تفسير سلوك الطفل أو تشخيصه.
وأضافت أن اعتماد بعض الأطفال على الذكاء الاصطناعي للحصول على إجابات جاهزة قد يقلل فرص النقاش والتعلم من الآخرين والعمل ضمن فريق، ويزيد صعوبة تحفيزهم على التواصل والمشاركة.
وأكدت أن إعداد خطط التدخل يتطلب فهم سلوك الطفل وبيئته اليومية وأنماط استخدامه للأجهزة، إلى جانب الاستناد إلى التقييمات المتخصصة، مشيرة إلى أهمية الأنشطة الجماعية والتعاون مع المدارس لتوفير مواقف واقعية تساعد الأطفال على ممارسة مهارات التواصل.
ضوابط الاستخدام
من جانبها، قالت لارا صباغ، معالجة سلوكية، إن اختلاف ضوابط استخدام الأجهزة الإلكترونية بين المنزل والمدرسة والجلسات المتخصصة يمثل تحدياً أمام التدخل السلوكي؛ إذ قد يُسمح للطفل باستخدامها بحرية في المنزل، بينما يواجه قيوداً في المدرسة أو خلال الجلسات.
وأوضحت أن غياب الاتفاق بين الأسرة والمدرسة والمعالج بشأن أوقات الاستخدام والمحتوى المسموح به قد يؤثر في استجابة الطفل، وخصوصاً عندما يتوقع إتاحة مقاطع الفيديو أو الألعاب بالطريقة نفسها التي اعتادها في المنزل.
وأشارت إلى أن الأجهزة اللوحية قد تؤدي وظائف مهمة، من بينها مساعدة بعض الأطفال على التواصل باستخدام تطبيقات مخصصة، بالتنسيق مع الأسرة والمدرسة، مع تقييد الوصول إلى التطبيقات الأخرى بما يتناسب مع الغرض من استخدامها.
وأضافت أن تعليم الأطفال الأكبر سناً مهارات رقمية، مثل إرسال البريد الإلكتروني، يتطلب الموازنة بين تنمية قدراتهم وحمايتهم من المحتوى غير الملائم لأعمارهم، مؤكدة أن وضوح القواعد والتنسيق المستمر بين الأسرة والمدرسة والمختصين يساعدان على تحقيق هذه الموازنة.
شراكة الأسرة
بدورها، أشارت أماني رباح لغريسي، أخصائية نفسية، إلى أن تفاوت مستويات تعاون أولياء الأمور من التحديات التي تواجه العمل مع الأطفال، لافتة إلى أن الأعباء المالية والاجتماعية واختلاف الخلفيات الثقافية ومستويات الوعي قد تؤثر في قدرة الأسر على المشاركة في معالجة الصعوبات التي يواجهها أبناؤها.
وأوضحت أن بعض الأسر تحتاج إلى إرشاد عملي لمعرفة كيفية دعم الطفل، فيما تجد أسر أخرى صعوبة في تقبّل حاجته إلى التقييم أو المساندة المتخصصة. وقد تدرك بعض الأسر احتياجات أبنائها، لكنها تعجز عن توفير معلم مساند داخل الصف بسبب تكلفته.
وأكدت أن توعية أولياء الأمور لا تقتصر على تقديم المعلومات، بل تشمل مساعدتهم على فهم احتياجات الطفل وأدوارهم في دعمه، وذلك من خلال اللقاءات الحضورية والافتراضية والاتصالات الهاتفية والرسائل التوعوية.
وأضافت أن الحوار والتدرج في التوعية قد يساعدان الأسر على تقبّل التقييمات المتخصصة والأخذ بتوصيات المختصين، مع مراعاة اختلاف ظروف كل أسرة وإمكاناتها.
الذكاء الاصطناعي
وأكدت سديم حسونة، مرشدة اجتماعية في عيادة همّة، أن الذكاء الاصطناعي يوفر أدوات مفيدة في الحياة اليومية والعمل المهني، إلا أن الاعتماد عليه وحده لإعداد خطط للتدخل الاجتماعي أو النفسي قد يؤدي إلى مقترحات لا تلائم احتياجات الحالة.
وأوضحت أن الإجابات تتأثر بالمعلومات التي يقدمها المستخدم وسياق المحادثة، وقد تبدو مقنعة من دون أن تكون الأنسب للمشكلة المطروحة، مشددة على أن اتباع الخطط المقترحة عبر التطبيقات من دون تقييم متخصص قد لا يحقق احتياجات الطفل أو الشخص المعني.
وشددت على أهمية بقاء تقييم الحالة وتحديد احتياجاتها وإعداد خطة التدخل المناسبة من مسؤولية الأخصائي، مع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي أداةً مساندة للبحث والاطلاع. وأشارت إلى أن طلب المشورة من المختصين لا يرتبط بوجود مشكلة بالضرورة، بل قد يكون خطوة استباقية للحصول على التوجيه المناسب.
ورأت أن مواكبة التطور التقني تستلزم الجمع بين الأدوات الحديثة والخبرة الإنسانية، بما يضمن توظيف التكنولوجيا لخدمة المستفيد، لا إحلالها محل التقييم المهني.
التقييم أولاً
من جهتها، قالت تريشا كرسر، معالجة سلوكية، إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد المختصين على البحث عن الدراسات وأساليب التدخل الداعمة للأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، ويوسع نطاق الخيارات التي يمكن دراستها قبل اختيار ما يلائم كل طفل.
وأوضحت أن الخطط التي يحصل عليها الأهالي عبر التطبيقات قد توفر تصوراً عاماً، لكنها لا تغني عن التقييم المباشر والملاحظة المهنية، اللذين يساعدان على تحديد احتياجات الطفل وترتيب أولويات التدخل.
وأضافت أن البرامج الفردية تُبنى وفق قدرات كل طفل والصعوبات التي يواجهها، لذلك لا يمكن افتراض صلاحية خطة واحدة لجميع الأطفال، حتى في الحالات المتشابهة. وأكدت أن اللقاء المباشر يساعد المختص على رصد السلوك وفهم الاستجابات وتحديد المهارات التي تحتاج إلى دعم.
ولفتت إلى أن دور المعالج لا يقتصر على تطبيق الخطط، بل يشمل بناء علاقة إنسانية مع الطفل ومساندته ومتابعة تقدمه، وهي جوانب لا يمكن للتطبيقات أن تحل فيها محل المختص. وشددت على أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في البحث والمعرفة، مع إبقاء التقييم وإعداد البرامج ومتابعتها ضمن المسؤولية المهنية للمختصين.
وقاية رقمية
وعلى مستوى الجهود المؤسسية، يأتي تنظيم وصول الأطفال إلى منصات التواصل الاجتماعي ضمن التدابير الرامية إلى تعزيز سلامتهم الرقمية. فقد حدد قرار مجلس الوزراء رقم (106) لسنة 2026 سن الخامسة عشرة حداً أدنى لإنشاء الحسابات الشخصية واستخدامها على المنصات المشمولة بالقرار، مع إخضاع حسابات من أتموا 15 عاماً ولم يبلغوا 16 عاماً لتدابير حماية معززة، تشمل ضوابط للمحتوى والتفاعل وأوقات الاستخدام، إلى جانب أدوات الرقابة الأبوية.
وفي دبي، تواصل هيئة تنمية المجتمع تنفيذ برامج ومبادرات وقائية موجهة للأطفال والأسر عبر مركز «صون»، بهدف تعزيز الوعي الاجتماعي وترسيخ القيم الإماراتية الأصيلة وتنمية المهارات الحياتية والسلوكيات الإيجابية، ضمن جهود دعم البيئة الأسرية والمجتمعية الحاضنة لنمو الأطفال.
وتنسجم هذه الجهود مع مستهدفات «أجندة دبي الاجتماعية 33»، التي تضع الأسرة في صميم التنمية المجتمعية تحت شعار «الأسرة أساس الوطن»، وتؤكد أهمية تكامل الأدوار في الحماية والرعاية والتمكين وتعزيز الوقاية المبكرة.
وأكدت شمسة الهاشمي، رئيس فريق أول بقسم الوقاية والتنسيق المجتمعي في مركز «صون» في الهيئة، أهمية مواكبة المتغيرات الرقمية بتعزيز الوعي بالاستخدام الآمن والمسؤول لمنصات التواصل الاجتماعي، وتوعية الأطفال واليافعين بمخاطر المحتوى غير الملائم والسلوكيات الرقمية غير الآمنة، إلى جانب تمكين أولياء الأمور من التوجيه والمتابعة.
وقالت إن الوقاية الاجتماعية تبدأ ببناء الوعي قبل ظهور التحديات، من خلال تزويد الأطفال بالمعرفة والمهارات التي تساعدهم على فهم محيطهم والتعامل مع المواقف المختلفة بثقة ومسؤولية، وتعزيز دور الأسرة شريكاً أساسياً في هذه الجهود.
وأوضحت أن برامج مركز «صون» تشمل المبادرات التوعوية والورش التثقيفية واللقاءات المجتمعية، وتركز على تعزيز الثقافة القانونية والاجتماعية وترسيخ الهوية الوطنية والقيم الإماراتية، إلى جانب توعية الأطفال بالمخاطر الاجتماعية والسلوكيات غير الآمنة، وتنمية قدرتهم على التمييز بين الممارسات الإيجابية وتلك التي قد تهدد سلامتهم.
وأضافت أن البرامج تتضمن تنمية المهارات الحياتية والاجتماعية وتعزيز الثقة بالنفس، وتشجيع الأطفال واليافعين على المشاركة في الأنشطة الرياضية والثقافية والبرامج الهادفة التي تساعدهم على استثمار أوقاتهم واكتشاف مواهبهم وتنمية قدراتهم.







