الإمارات وألمانيا.. شراكة في الذكاء الاصطناعي

فيصل البناي
فيصل البناي

طرحت دولة الإمارات على ألمانيا رؤية لشراكة واسعة في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، تقوم على الجمع بين ما تمتلكه ألمانيا من قاعدة صناعية وبيانات وخبرات هندسية، وما تتمتع به الإمارات من بنية تحتية واستثمارات ضخمة وقدرة عالية على تنفيذ المشروعات واختبار التقنيات الجديدة بسرعة.

جاء ذلك في حوار لصحيفة «هاندلسبلات» الألمانية مع معالي فيصل البناي، مستشار رئيس الدولة لشؤون الأبحاث الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة، الذي يشارك في الوفد المرافق لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، خلال زيارة الدولة إلى ألمانيا.

وقال البناي إن أحد الأسئلة الاستراتيجية التي تشغل قيادة دولة الإمارات يتمثل في كيفية الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على ترسيخ موقعها بين الدول الرائدة عالمياً في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.

وأوضح أن الإمارات، رغم طموحاتها الكبيرة في المنافسة العالمية على تقنيات المستقبل، تدرك حاجتها إلى بناء شراكات دولية قوية، لافتاً إلى أن زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، إلى ألمانيا توفر فرصة لتعميق العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية، ووضع الذكاء الاصطناعي في صميم مجالات التعاون الجديدة بين البلدين.

نقاط قوة متكاملة

وأكد البناي أن ألمانيا تمتلك نقاط قوة مهمة، من بينها قاعدة صناعية متطورة، وكفاءات هندسية ومواهب بشرية، فيما تتمتع الإمارات بمرونة كبيرة وقدرة على تحويل الأفكار والابتكارات إلى مشروعات قابلة للتطبيق بوتيرة سريعة.

وقال: «الإمارات لا تخشى تبنّي الأفكار والمفاهيم الجديدة والقيام بدور ريادي»، مضيفاً أن الجمع بين نقاط القوة المتكاملة لدى البلدين يمكن أن يحقق نتائج تفوق ما يستطيع كل طرف إنجازه منفرداً.

وتقوم رؤية الشراكة التي يطرحها البناي بصورة أساسية على موردين حاسمين في تطوير الذكاء الاصطناعي، هما البيانات والبنية التحتية.

وبحسب الصحيفة، بلغت الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي أعلنتها الإمارات عن العامين السابقين، بنهاية 2025، ما يعادل نحو 127 مليار دولار، وهو ما أتاح للدولة بناء بنية تحتية واسعة تشمل مراكز البيانات وإمدادات الطاقة اللازمة لتشغيلها.

وفي المقابل، تتمتع ألمانيا بقاعدة صناعية متنوعة وكمية كبيرة من البيانات المتخصصة التي يمكن استخدامها في تدريب نماذج ذكاء اصطناعي موجهة لقطاعات بعينها، على غرار التعاون القائم بين شركات ألمانية كبرى وشركات التكنولوجيا العالمية.

وقال البناي: «ألمانيا لديها البيانات، وفي الإمارات نستثمر بكثافة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، كما نستطيع بناء التطبيقات والنماذج».

استقلال تقني أكبر

ويرى البناي أن مثل هذا التعاون يمكن أن يمنح الإمارات وألمانيا قدراً أكبر من الاستقلالية عن الولايات المتحدة والصين، على الأقل في بعض مجالات الذكاء الاصطناعي، في وقت تتصدر فيه القوتان السباق العالمي لتطوير النماذج وتشغيلها، وتستخدمان تفوقهما التقني لتعزيز مصالحهما الاقتصادية والجيوسياسية.

وقال إن الولايات المتحدة والصين لديهما حساباتهما الجيوسياسية الخاصة، مضيفاً: «يمكننا أن نقضي وقتنا في مراقبة تنافسهما، أو أن نستفيد من ذلك لبناء قوتنا الذاتية».

وأشار التقرير إلى أن منطقة الشرق الأوسط لم تنتج بعد شركة تطور نماذج تنافس بصورة مباشرة أبرز الشركات الأمريكية والصينية، فيما تعمل الإمارات على تنويع مصادر التقنية وعدم الارتهان إلى مزود واحد، من خلال استخدام مزيج من النماذج المفتوحة والمغلقة، الأمريكية والصينية والوطنية، مع اهتمام خاص بالنماذج الملائمة للغة العربية.

ووصف البناي نفسه بأنه مؤيد للبرمجيات مفتوحة المصدر، مع تأكيده في الوقت ذاته أن هناك مجالاً للنماذج مغلقة المصدر أيضاً.

وأشار إلى أن معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي كان من أوائل الجهات التي طورت نماذجها الخاصة وأتاحتها بصورة مفتوحة، لكنه يركز حالياً بصورة أكبر على النماذج الأصغر والأقل كُلفة، التي يراها البناي أكثر أهمية للاستخدامات الصناعية.

وقال: «الأمر لا يتعلق ببناء نموذج ضخم واحد يجمع كل شيء»، موضحاً أن العديد من الاستخدامات العملية تحتاج إلى نماذج أصغر وأكثر تخصصاً.

مختبر بحجم دولة

وتطرح الإمارات، في إطار الشراكة مع ألمانيا، ميزة أخرى تتمثل في قدرتها على توفير بيئة واسعة لاختبار التقنيات الجديدة في ظروف واقعية.

وقال البناي: «ننظر إلى أنفسنا باعتبارنا بيئة تجريبية للذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والروبوتات بحجم دولة كاملة»، في إشارة إلى مفهوم «Sandbox» الذي يتيح اختبار التقنيات الجديدة ضمن بيئات منظمة وخاضعة للرقابة قبل تطبيقها على نطاق أوسع.

ووجه البناي رسالة مباشرة إلى الشركات الألمانية قائلاً: «هل لديكم روبوتات؟ يمكنكم اختبارها على نطاق واسع لدينا».

وأوضح أن التنظيم في الإمارات لا يُنظر إليه بوصفه غاية في حد ذاته، وإنما أداة لبناء الثقة وتسريع الابتكار وتحقيق الأهداف المنشودة، مشيراً إلى أن الأطر التنظيمية ينبغي أن تقوم على مبادئ عامة قابلة للتطوير بالتعاون مع القطاع الصناعي.

10 آلاف مركبة توصيل ذاتية

وتضع الإمارات أهدافاً طموحة في مجال الأنظمة الذاتية، إذ كشف البناي عن خطة لنشر أكثر من 10 آلاف مركبة توصيل ذاتية القيادة بحلول عام 2027، بما قد يضع الدولة في المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين من حيث عدد الأنظمة الذاتية المنتشرة، رغم صغر حجمها السكاني والجغرافي مقارنة بالقوى الكبرى.

وتوقع أن تصبح آثار هذا التحول واضحة في الحياة اليومية خلال فترة قصيرة، موضحاً أن المسافرين عبر مطار أبوظبي سيتمكنون مستقبلاً من استخدام سيارات أجرة ذاتية القيادة، فيما ستتيح خدمات التوصيل الذاتية طلب الطعام وتسليمه بواسطة الروبوتات، إلى جانب استخدام أنظمة آلية في عمليات التفتيش والفحص الأمني داخل المجمعات والمباني.

ولخص البناي سرعة التحول المتوقعة بقوله إن من يزور الإمارات في سبتمبر الجاري ثم يعود في سبتمبر من العام المقبل «سيرى تغيراً جذرياً».

وتعكس هذه الرؤية توجهاً إماراتياً لتحويل الشراكة مع ألمانيا من علاقات اقتصادية واستثمارية تقليدية إلى تعاون في بناء تقنيات المستقبل، مستفيداً من تكامل عناصر القوة لدى الطرفين: الصناعة والبيانات والخبرات الألمانية، مقابل الاستثمار والبنية التحتية والطاقة وسرعة التنفيذ في الإمارات.