هناك أماكن تكون قوتها في اتساعها، وهناك أماكن تستمد قوتها من العكس تماماً ومضيق هرمز واحد منها. شريط مائي صغير نسبياً، لكنه يستطيع أن يؤثر في سعر الوقود والغذاء والشحن والتأمين والتضخم على بعد آلاف الكيلومترات.
قبل 28 فبراير 2026، كان يعبر هرمز نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، بما يعادل قرابة 25% من تجارة النفط البحرية العالمية، إلى جانب نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً.
وكشف الدكتور سلطان محمد النعيمي، مدير عام مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أمام منتدى هيلي 2026 في أبوظبي في السابع من سبتمبر الجاري، أنه عندما تعطلت الملاحة فإن أكثر من 10 ملايين برميل من النفط يومياً خرجت من الإمدادات ونحو 500 مليون متر مكعب من الغاز.
وحسب تداولات النفط خلال الأزمة التي انطلقت السبت 28 فبراير الماضي جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلي في إيران، قفزت أسعار خام برنت من نحو 72 دولاراً إلى أكثر من 100 دولار، وارتفعت أسعار الغاز الأوروبية 60%، وأقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بأكثر من 1000% في بعض الحالات، وتكاليف النقل البحري بين 30 و50%.
وقدّر سلطان النعيمي كلفة الحرب على الاقتصاد العالمي بنحو 2.2 تريليون دولار.
هذه الأرقام تقول شيئًا أكبر من النفط، إنها تشرح قوة الاختناق، فحين يمر الكثير عبر القليل، يكتسب القليل قوة هائلة.
وحين يعتمد نظام كامل على طريق واحد، لا تعود قوة النظام مساوية لحجم موارده، بل قد تصبح مساوية لقدرة أضيق نقطة في الطريق على الصمود، وهذا هو هرمز، لكنه ليس هرمز الوحيد.
هرمز غزة
إذا كان مضيق هرمز قد أصبح علامة على قوة نقطة الاختناق في الاقتصاد العالمي، فقد أصبحت غزة علامة في التاريخ الإنساني على معنى آخر للاختناق؛ حين لا يضيق طريق واحد فقط، بل تضيق في الوقت نفسه طرق الحركة والغذاء والدواء والماء والأمان والسياسة والمستقبل.
في هرمز، رأينا ماذا يحدث عندما يعتمد تدفق هائل من الطاقة على ممر جغرافي ضيق.
وفي غزة، نرى الصورة الإنسانية الأكثر قسوة: ماذا يحدث عندما تصبح الطرق التي تستمر عبرها الحياة نفسها محدودة وهشة.
وفي منتدى هيلي في أبوظبي، حذر نيكولاي ملادينوف، الممثل السامي لغزة في مجلس السلام، من أن استمرار الوضع الراهن في غزة بالتزامن مع التطورات في الضفة الغربية يمكن أن يجعل حل الدولتين مستحيلاً عملياً.
وأشار إلى أن أكثر من 50 % من قطاع غزة كان وقت حديثه تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي، مقابل أقل من 50% تحت سيطرة حماس، معتبراً أن استمرار هذا الواقع من دون تغيير في المسار يهدد بإغلاق الطريق أمام حل سياسي قابل للحياة.
وهنا يظهر "هرمز غزة"، ليس بوصفه تشبيهاً بين معاناة البشر وحركة ناقلات النفط، فالفارق الإنساني بينهما جوهري، وإنما بوصفه تطبيقاً شديد الوضوح لمبدأ واحد: كلما تقلص عدد الطرق المتاحة للحياة، ازدادت قوة من يتحكم في تلك الطرق، وازدادت هشاشة من يعتمد عليها. ولهذا فإن الطريق البديل في غزة ليس طريقاً جغرافياً واحداً. إنه تعدد مسارات استمرار الحياة نفسها: طريق للمساعدات، وآخر للماء والغذاء والدواء، وللأمن، ولإعادة الإعمار، وطريق سياسي يبقي المستقبل ممكناً.
فالاستقرار لا يبدأ عندما تختفي الأزمة فقط، بل عندما يمتلك المجتمع من الطرق والخيارات والمؤسسات ما يكفي لكيلا تصبح حياته ومستقبله رهينين لمسار واحد. وهذا ينقلنا من "هرمز غزة" إلى هرمز كل إنسان.
هرمز الحياة
لا نعيش جميعاً عند مضيق استراتيجي واحد ، ولا نعيش التجربة الاستثنائية والقاسية التي يعيشها أهل غزة، لكن مبدأ نقطة الاختناق يمكن أن يظهر، بدرجات مختلفة تماماً، في حياة كل واحد منا.
فنحن نبني حياتنا من مجموعة طرق: طريق للعمل، للدخل، للعلاقات، للمعرفة، للشعور بالقيمة، للأمان، وطريق للمعنى.
المشكلة تبدأ عندما يمر الكثير من حياتنا عبر طريق واحد، فحين تصبح الوظيفة مصدر الدخل والهوية والمكانة والعلاقات في الوقت نفسه، أو يصبح شخص واحد مصدر الحب والأمان والانتماء كله، أو يصبح النجاح المهني المصدر الوحيد للشعور بالقيمة، أو تصبح منصة واحدة نافذتنا الوحيدة إلى العالم.
عندها نصنع، من دون أن ندرك، هرمزاً داخل حياتنا، وما دام الطريق مفتوحاً، يبدو كل شيء مستقراً. تماماً كما تبدو سلاسل الطاقة مستقرة عندما تعبر الناقلات هرمز كل يوم، لكن الاختبار الحقيقي لا يأتي أثناء التدفق، بل عند الانقطاع.
والسؤال الآن : ماذا يحدث لنا عندما يُغلق الطريق؟
هنا يمكن أن نعيد تعريف الاستقرار الشخصي، فالاستقرار ليس أن نضمن بقاء الوظيفة إلى الأبد، أو استمرار العلاقة إلى الأبد، أو نجاح الفكرة إلى الأبد، فذلك مستحيل.
الاستقرار هو أن نبني حياتنا بحيث لا تتحول خسارة طريق إلى خسارة كل الطرق، ولهذا فشبكة البدائل في الحياة لا تعني أن يكون لدينا بديل احتياطي لكل إنسان أو علاقة أو تجربة. وإنما تتوزع مصادر قوتنا بين المهارة والعلاقات والمعرفة والأسرة والعمل والإيمان والمجتمع والقدرة على التعلم وإعادة بناء الذات.
وهنا تكتسب عبارة "الاستقلال الاستراتيجي" معنى إنسانياً جديداً، فليس الاستقلال عن الناس، ولا الاستغناء عن العلاقات، ولا العيش بلا اعتماد متبادل. وإنما الاستقلال عن الطريق الواحد، لا الاستقلال عن الطرق.
هرمز الوظيفة
لكن نقطة الاختناق قد تكون أقرب بكثير، قد تكون راتباً يدخل حسابك في نهاية كل شهر، وظيفة واحدة، مهارة واحدة، شركة واحدة، شخصاً واحداً يعرف كل شيء.
وما دامت الوظيفة مستقرة، يبدو النظام ممتازاً، تماماً كما كان هرمز قبل الأزمة فالسفن تعبر بانتظام، والمشكلة لا تظهر في الأيام الطبيعية، وإنما تظهر عندما يتوقف الطريق، وهنا يصبح السؤال الشخصي شبيهاً بالسؤال الذي طرحته أزمة هرمز على دول الخليج:
إذا توقف هذا المصدر، فما الطريق الثاني؟
أهو مهارة أخرى؟ أم مصدر دخل إضافي؟ أو شبكة علاقات مهنية؟ أم قدرة على الانتقال إلى قطاع آخر؟
والاستقلال المهني لا يعني ألا تحتاج إلى وظيفة، كما أن الاستقلال الاستراتيجي هنا يعني ببساطة: ألا تصبح الوظيفة الوحيدة هي مضيقك الوحيد.
هرمز المعرفة
وقد يكون المضيق داخل الرأس جراء مصدر واحد نقرأ منه أو منصة واحدة تخبرنا بما يحدث، أو لغة واحدة نرى من خلالها العالم أو شخص واحد نثق بتحليله أو خوارزمية واحدة تقرر ما سيظهر أمامنا.
المشكلة هنا أكثر خفاءً، لأننا لا نشعر بالاختناق، بل نشعر أن المعلومات لا تنتهي، لكن كثرة المعلومات لا تعني تعدد الطرق، فقد تشاهد ألف منشور لكنها كلها وصلت إليك عبر البوابة نفسها.
وهنا، يصبح الاستقلال المعرفي شبيهاً بالاستقلال الاستراتيجي: ليس أن تعرف كل شيء، بل أن تستطيع الوصول إلى الحقيقة عبر أكثر من طريق ومن خلال مصدر مؤيد وآخر ناقد، ولغة أولى ولغة ثانية، وخبر وتحليل، بيانات ورأي، كتاب وخوارزمية.، فالخريطة التي نملكها عن العالم ليست العالم نفسه، وكلما كان المصدر واحداً، ازدادت احتمالات أن يتحول إلى هرمز معرفي.
هرمز الإبداع
حتى النجاح يمكن أن يصبح مضيقاً، فقد ينجح منتج، فنكرره. وقد تنجح فكرة، فنحوّلها إلى وصفة، وفد ينجح أسلوب، فنرفض الخروج منه.
في البداية يكون الطريق الواحد دليل خبرة، ثم يتحول تدريجياً إلى قيد. وهنا تظهر مفارقة الإبداع: فأحيانًا لا يكون أكبر عدو للفكرة الجديدة هو الفشل القديم، بل النجاح القديم.
فالنجاح يقول لنا: لماذا تبحث عن طريق آخر إذا كان هذا الطريق يعمل؟ وهو السؤال نفسه الذي يمكن أن يطرح على أي نظام يعتمد على مضيق واحد في زمن الاستقرار.
والجواب لا يظهر إلا عندما تتغير الظروف، فالإبداع إذن ليس مجرد القدرة على ابتكار فكرة فقط ، بل القدرة على مغادرة الطريق الذي أثبت نجاحه قبل أن يتحول نجاحه إلى اعتماد.
هرمز النمو الذاتي
فماذا يحدث للمدير عندما يفقد منصبه؟ وللرياضي عندما يتوقف جسده؟ ولصاحب المشروع عندما يفشل مشروعه؟
إذا كانت قيمة الإنسان كلها تمر عبر دور واحد، يصبح فقدان ذلك الدور أشبه بإغلاق مضيق.
والنمو الذاتي هنا ليس جمع مهارات وتحسين الإنتاجية فقط، وإنما يمتد ليشمل توسيع عدد الطرق التي نستطيع من خلالها أن نفهم أنفسنا ونبني قيمتنا.
أنا لست وظيفتي فقط، ولست نجاحي فقط، ولست فشلي فقط، ولست الصورة التي اعتدت أن أراها في المرآة، فهذه أيضاً صورة من صور الاستقلال.
هرمز الوجدان
حتى المشاعر يمكن أن تمتلك نقطة اختناق، فشخص واحد يصبح مصدر الأمان كله باعتبار علاقة واحدة تحمل معنى الحياة كله، أو يصبح رأي الآخرين الطريق الوحيد للشعور بالقيمة كما عند غالبية الكثيرين اليوم عبر تقييمات ومتابعات ولايكات السوشيال ميديا.
وحين يختفي مصدر تقييمنا، لا نخسر شيئاً واحداً فقط؛ بل يبدو لنا أن النظام كله انهار. ليس المطلوب أن نعيش بلا اعتماد على الآخرين، فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، وإنما المطلوب هو ألا نحمل علاقة واحدة وزن الحياة كلها.
فالمرونة الوجدانية ليست برودًا، وإنما تعدد مصادر المعنى والانتماء والأمان عبر الأسرة، الأصدقاء، العمل، المعرفة، الإيمان، المجتمع، الذات فكل طريق من هذه المصادر يحمل جزءاً من الحياة، حتى لا يحمل طريق واحد الحياة كلها.
من "هرمز" إلى الاستقلال الاستراتيجي
وهنا نعود إلى أبوظبي. ففي منتدى هيلي، قال معالي الدكتتور أنور قرقاش إن صادرات الإمارات من الطاقة، وكذلك تجارتها ونشاطها الاقتصادي، لن تبقى رهينة اضطرابات هرمز.
ولهذا تعمل دولة الإمارات العربية المتحدة على توسيع قدرات موانئ الساحل الشرقي وتطوير خطوط الأنابيب والسكك الحديدية والممرات التجارية البديلة.
الفكرة المهمة ليست التخلص من هرمز، فهرمز سيظل مهماً، والفكرة هي التخلص من الارتهان لهرمز. وهنا يكمن الفارق بين الاستقلال والعزلة، فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني أن تغلق أبوابك أمام العالم، بل أن تتصل بالعالم عبر عدد من الطرق بحيث لا يستطيع تعطل أحدها أن يعزلك عنه.
وهذه الفكرة يمكن نقلها من الدولة إلى الإنسان، فالاستقلال المهني: ألا تكون مهارة واحدة هي كل قيمتك.
والاستقلال المعرفي: ألا يكون مصدر واحد هو كل حقيقتك.
والاستقلال الإبداعي: ألا يكون نجاح سابق هو كل مستقبلك.
والاستقلال الوجداني: ألا يكون شخص واحد هو كل استقرارك.
والاستقلال العقلي: ألا يكون تفسير واحد هو كل ما تستطيع رؤيته.
والاستقلال الشخصي: ألا تكون هوية واحدة هي كل ما تستطيع أن تكونه.
الاستقلال لا يعني الاستغناء، لكن هناك خطراً في كلمة "الاستقلال"، فقد نفهمها على أنها الاستغناء، والدول لا تستطيع الاستغناء عن بعضها.
وكذلك الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الناس، ولا المعرفة تستطيع الاستغناء عن المصادر، ولا التجارة تستطيع الاستغناء عن الممرات.
لذلك، ربما تكون الكلمة الأدق هي: الاستقلال عن الطريق الواحد، لا الاستقلال عن الطرق. أن تعتمد…ولكن على شبكة. أن تثق… ولكن دون أن تلغي قدرتك على السؤال.
أن تحب… دون أن تلغي ذاتك. أن تعمل دون أن تختصر نفسك في وظيفتك. أن تنجح… دون أن يصبح نجاحك السابق سجنًا لنجاحك القادم.
قوة الاستقرار
في افتتاح منتدى هيلي، وصف نيكولاي ملادينوف مفارقة عصرنا بصورة لافتة: العالم لم يكن أكثر ترابطًا مما هو عليه اليوم، لكنه في الوقت نفسه يشهد مزيدًا من الانقسام وتراجعًا في القدرة على حل النزاعات، ثم وضع التحدي أمام الخليج في قدرته ليس فقط على الصمود في عصر التشرذم، وإنما على أن يظل مصدرًا للتواصل، وبناء العلاقات والمؤسسات والثقة عبر الانقسامات. وهذه ربما تقودنا إلى تعريف مختلف للاستقرار. فالاستقرار ليس الجمود، وليس أن تمنع كل صدمة، وليس أن تضمن ألا يغلق طريق أبداً.
الاستقرار هو قدرة النظام على الاستمرار عندما يغلق الطريق.
في الدولة، يعني موانئ وأنابيب ومخزونات وتحالفات ومؤسسات.
في غزة، يعني بقاء طريق سياسي قابل للحياة إلى جانب معالجة الاحتياجات المادية والأمنية والإنسانية.
في المؤسسة، يعني ألا تتوقف عندما يغيب شخص.
في الوظيفة، ألا تنهار حياتك عندما يتغير منصب.
في المعرفة، ألا تنهار رؤيتك عندما تكتشف أن مصدرك أخطأ.
في الإبداع، ألا تتوقف عندما تفشل الوصفة التي نجحت بالأمس.
وفي الحياة، ألا تصبح خسارة طريق واحد نهاية لكل الطرق.
ربما لهذا لا يكفي أن نبني طريقاً ثانياً، فالطريق الأول هو الكفاءة ونستخدمه لأنه الأقصر والأسرع والأفضل.
والطريق الثاني هو المرونة ونحتاج إليه عندما يتوقف الأول.
لكن هناك مستوى ثالث: ألا يصبح الطريق الثاني نفسه هرمزاً جديداً، وهذا هو الطريق الثالث: شبكة من البدائل، مصادر متعددة، مهارات متعددة، علاقات متعددة، طرق مختلفة للمعرفة، ومساحات متعددة للمعنى. ليس لأننا نتوقع انهيار كل شيء، بل لأن الأنظمة الأكثر استقراراً ليست الأنظمة التي لا تتعرض للصدمات، وإنما الأنظمة التي تستطيع امتصاص الصدمة دون أن تفقد قدرتها على الحركة.
لكل منا هرمزه
في النهاية، ربما يكون أهم سؤال كشفه المضيق في 2026 ليس سؤالًا عن النفط، بل سؤالًا يمكن توجيهه إلى دولة أو شركة أو إنسان: ما الشيء الذي يمر عبره الكثير من حياتك بحيث لو توقف… توقف معه كل شيء؟
هذا هو هرمزك. قد يكون مضيقًا، وقد يكون وظيفة، أو شخصاً، أو فكرة، أو مصدر معرفة، أو مهارة، أو تعريفاً قديماً لنفسك.
السؤال ليس كيف نتخلص منه، بل: أين الطريق الثاني؟
ثم السؤال الأصعب: هل بنينا نظاماً يملك من الطرق ما يكفي لكيلا يصبح أي طريق منها أقوى من النظام نفسه؟
لأن قوة هرمز جاءت من أن الكثير كان يمر عبر القليل، وربما تبدأ قوة الإنسان والمؤسسة أو الدولة من المعادلة المعاكسة:
أن نملك من الطرق ما يكفي حتى لا يستطيع طريق واحد أن يحتجز المستقبل.



