في لحظة تاريخية حرجة يمر بها النظام الدولي، تتصدع فيها القواعد التقليدية للعلاقات الأممية وتتعاظم فيها نزاعات الاستقطاب، لم يعد التحدي الراهن مقتصراً على إدارة الأزمات العابرة، بل امتد ليطال صياغة هندسة استراتيجية جديدة تُعيد رسم خريطة النفوذ العالمي.
وعلى وقع تآكل الضمانات الأمنية التقليدية وتصاعد المخاطر الهيكلية، تبرز القوى الوسطى بوصفها الفاعل الأبرز القادر على كسر جمود الثنائيات القطبية، مستندةً إلى مزيج فريد من الدبلوماسية الذكية، والتشابك الاقتصادي العابر للحدود، والمرونة التكنولوجية التي تحصن الاقتصادات الناشئة ضد صدمات الجيوسياسة المعاصر، وفي ختام النسخة الثالثة من "منتدى هيلي 2026"، سلطت الجلسة الختامية تحت عنوان "دور القوى الوسطى في نظام عالمي ممزق" الضوء بعمق على الدور المحوري الذي تضطلع به هذه الدول في ترسيخ ركائز الأمن الإقليمي.
وحول مفهوم الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع الاتصالات وعلاقات الثقة وأهميتها، أشار فوك ييريميتش، وزير خارجية صربيا الأسبق، إلى أن تطورات الأشهر القليلة الماضية من عام 2026 أثبتت أنه يمكنك الوثوق بأصدقاء معينين أكثر من غيرهم، وأن ليس كل ضمان أمني كان الناس يعتبرونه أمراً مُسلَّماً به يعمل في ظل الظروف الجديدة، والتقنيات الجديدة، والجيوسياسة الجديدة، وما إلى ذلك.
وأضاف ييريميتش: "أعتقد أنه من الحيوية لأي منطقة في العالم، بما في ذلك هذه المنطقة، أن تجعل تحقيق السلام أولوية قصوى ومطلقة. وكما تعلمون، ليست هذه بالمهمة السهلة، ولا سيما عندما يتعرض السلام للتحدي عن طريق شن حرب أحادية الجانب لست طرفاً فيها، لكنك تجد نفسك في النهاية ضحية لها. لذا، وأنت تفكر في كيفية بناء الاستقلال الاستراتيجي –ولا أقصد هنا دولة الإمارات فحسب، بل الجميع تقريباً ممن يبنون استقلالهم الاستراتيجي في ظل ظروف عالم لا يزال مندمجاً وسيبقى مندمجاً– أظن أن أول ما يجب فعله هو محاولة تجنب التورط في حروب الآخرين؛ فت ليست فكرة جيدة أبداً، لا سيما إذا لم تكن قوة عظمى؛ فلا تكن جزءاً من حروب الآخرين، وضع نفسك في موقع الحياد تجاه التحركات الأحادية التي ستستمر في طابعها خلال عقود الركود الجيوسياسي القادمة".
وفيما يتعلق بالمرونة وبناء قدراتك الذاتية، مثل القضاء على نقاط الضعف المحلية، وجعل الدول أكثر كفاءة عبر توسيع شبكة الصداقات والتقنيات والتعاون في مجالات أخرى، يقول ييريميتش: "من المهم جداً أن تكون على علاقات جيدة مع جيرانك، وهناك أجزاء من العالم يُعد فيها هذا الأمر مطلباً صعب المنال للغاية. أنا أتي من جزء كهذا من العالم؛ فأن يكون لديك جيران جيدون في منطقة البلقان يعد طلباً شاقاً للغاية. وهذه المنطقة من العالم تتبادر إلى الذهن أيضاً عندما يريد المرء أن يضرب مثالاً على جوارٍ صعب. ولكن، لديك جيران وبعضهم قوى إقليمية، تماماً مثلما أنتم قوة إقليمية في دولة الإمارات العربية المتحدة، لذا فإن تحسين وإصلاح العلاقات مع جيرانك –ويُفضل مع جميعهم، ولكن ابدأ واحداً تلو الآخر– هو أمر يجب وضعه في الاعتبار وأنت تنظر إلى المستقبل، وتضمن معالجة تحديات المستقبل بأفضل طريقة ممكنة لشعبك".
شراكات مصغرة
وحول ما إذا كانت القوى الوسطى، أياً كانت تعريفاتها، قادرة على إنشاء شراكات مصغرة مستدامة دون تدخل من القوى الكبرى، وهل يمكن لهذه الشراكات حقاً تحقيق الاستقرار في النظام الدولي؟ أكد فوك ييريميتش أنه خلال فترات الركود الجيوسياسي، يُعد السلام أحد أبرز الضحايا إلى جانب المنظمات الدولية متعددة الأطراف التي تتأثر بتغير التوزيع الواقعي للقوة حول العالم، تماماً كما تتأثر الحروب التي لا تسير دائماً وفقاً للخطط المرسومة وما يترتب على ذلك من تداعيات تخص القوى الكبرى.
وطرح ييريميتش التساؤل الجوهري حول كيفية التصرف عندما لا تعكس آليات عمل المنظمات والمؤسسات التي استثمرت فيها الدول لعقود -واعتادت العمل من خلالها لمعالجة قضاياها الوطنية- واقع العالم المتغير بسرعة من حيث توزع القوة، مؤكداً أن هناك ثلاثة مسارات متاحة ستكون قيد التنفيذ والتفاعل في آنٍ واحد؛ يتمثل المسار الأول بوضوح في إصلاح وتغيير المنظمات الدولية القائمة لكي تعكس بشكل أفضل واقع اللحظة الراهنة، وتصبح أكثر تجهيزاً لخدمة الإنسانية والدول في مواجهة تحديات العصر الحالي.
أما المسار الثاني فيتمثل في بناء منظمات جديدة، أو مضاعفة الانخراط والاهتمام بالمنظمات البديلة التي ليست بالضرورة عالمية النطاق، ولكنها توفر قدراً أكبر من التفاهم والأطراف المتشابهة في التفكير، سواء كانت دولاً صغيرة أو كبيرة للعمل معاً. وفيما يخص المسار الثالث، أشار إلى أنه إذا فشلت كل السبل الأخرى، فيمكن للمرء أن يمضي ويفعل الأمور بشكل أحادي للقيام بما يجب فعله، مع ضرورة الإدراك بأن التحركات الأحادية لا تسير دائماً وفق الخطط، حتى بالنسبة للدول شديدة القوة فما بالك بغيرها.
وأكد ييريميتش أن كل هذه الأمور تحدث بالتوازي؛ فهناك جهود شجاعة لتغيير وإصلاح وتحسين المنظمات الدولية، وهو أمر يجب أن تستمر الدول الصغيرة أو القوى الوسطى في فعله وألا تتخلى عن منظمات مثل الأمم المتحدة حتى وإن بدت قليلة الكفاءة في هذه اللحظة. كما تتواصل عملية بناء منظمات جديدة ومضاعفة الانخراط في أخرى في ظل التوجه الحالي لإنشاء منظمات بديلة وأمنية جديدة في المنطقة، وصولاً إلى خيار إنجاز الأمور بمفردك ولكن بحذر شديد، إذ إن العمل الفردي ليس بالضرورة أمراً غبياً أو هداماً، بل قد توجد أشياء إيجابية وبناءة يمكنك محاولة إنجازها بمفردك، وهو الخيار الذي أبدى تأييده الكامل له بكل وضوح.
وقال ييريميتش: "خدمت في الأمم المتحدة، وقبل عشر سنوات قمت بطرح جريء جداً للترشح لمنصب الأمانة العامة للأمم المتحدة خلال فترة زمنية مختلفة (كان ذلك في عام 2016، عندما كان العالم يبدو مختلفاً نوعاً ما، ولم تكن كل هذه الأمور التي ذكرها كارل بيلت تبدو وكأنها تحت التهديد في ذلك الوقت، أما الآن فهي كذلك)، وعندما يتعلق الأمر بالحفاظ على ما لدينا، والعمل على تحسين وإصلاح ما هو ليس رائعاً حالياً (مثل مجلس الأمن في نيويورك بالتأكيد). ولكن، وعند الحديث حول التكنولوجيا، وكيف تعيد تشكيل علاقات القوة، وبالعودة إلى مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي" الذي تحدث عنه معالي الدكتور أنور قرقاش صباح أمس، فمن بالغ الأهمية –خاصة بالنسبة للقوى الوسطى والدول الصغيرة التي لا تندرج في فئة القوى العظمى– ألا تقع في فخ بناء علاقات تكنولوجية حصرية، وخاصة في التقنيات المرتبطة بالطاقة المستدامة المستقبلية، لذا فإن عدم اختيار جانب حصري وشريك واحد أعتقد أنه جزء من الإجابة حول كيفية بناء الاستقلال الاستراتيجي، لا سيما في قطاع التكنولوجيا".
قوة مسؤولة
وعن تميز دول آسيا الوسطى بخاصية فريدة تتمثل في مجاورتها لاثنين من أعظم قوى العالم، وكيف تتعامل دول المنطقة مع المسألة الدقيقة المتمثلة في تحقيق التوازن بين القوى الكبرى مع تنويع شراكاتها في الخارج بالتزامن مع حالة الفوضى المتزايدة في النظام الدولي ودورها في التخفيف منها؛ أوضح زاندوس شيمردانوف، مدير معهد كازاخستان للدراسات الاستراتيجية التابع لرئيس جمهورية كازاخستان، أن المكون الأساسي والأهم بالنسبة لكازاخستان يرتكز على مفهوم "القوة الوسطى المسؤولة".
وفي هذا السياق، أعلن رئيس جمهورية كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، أن بلاده تُعد قوة وسطى مسؤولة خلال خطابه في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكداً أن القوى الوسطى التي تتحلى بالمسؤولية قادرة تماماً على الاضطلاع بدور الجسور الحيوية، والمساهمة الفاعلة في بناء الثقة، فضلاً عن أداء دور الوسيط النزيه في أوقات استعار الاستقطاب وانقسام القوى الكبرى.
وتبعاً لذلك، يتضح جلياً من خلال نقاشات اليوم أن هذه المسؤولية لا تنفصل بحال من الأحوال عن مفهوم "الاستقلال الاستراتيجي"، الذي يُعد في تقديرنا المصطلح الأكثر حداثة وتداولاً في المشهد السياسي الدولي الراهن. ولدى الحديث عن ركائز ودعائم الاستقلال الاستراتيجي، أود التركيز على أبعاد رئيسية متعددة ومترابطة:
البعد الأول: ينطلق بالنسبة لكازاخستان من عمق استقلالنا الداخلي أو المحلي؛ فعلى مدار السنوات الأخيرة، تركزت جهودنا الحثيثة على تعزيز وتطوير مؤسساتنا الوطنية كخطوة أساسية للحفاظ على استقلالنا الاستراتيجي. ومؤخراً جداً، وتحديداً في شهر مارس من هذا العام، اعتمدت كازاخستان دستوراً جديداً أرسا دعائم مؤسسات حديثة تضفي مزيداً من المرونة والصلابة على نظامنا السياسي. وبموجب ذلك، بات لدينا برلمان أحادي الغرفة، ومؤسسة مستحدثة لمنصب نائب الرئيس، إضافة إلى مجلس الشعب بوصفه أعلى هيئة استشارية كفيلة بضمان المشاركة المدنية الفاعلة.
البعد الثاني: يتمثل فيما نرصده على أجندتنا الدولية من توجه متصاعد نحو تعزيز أطر التكامل الإقليمي داخل منطقة آسيا الوسطى. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى مفارقة أو تناقضاً، غير أن الواقع يؤكد أنه كلما تعمق اندماجنا مع بعضنا البعض، كلما حزنا قدراً أكبر من الاستقلال الاستراتيجي، نظراً لأن ذلك يفتح أمامنا آفاقاً أوسع وخيارات أكثر تنوعاً. ومن منظور تحليلي، حين تتوافر لديك خيارات متعددة، فإنك تلقائياً تصبح أقل عرضة للمخاطر والتهديدات؛ وتقليص حجم المخاطر يعني بالضرورة تعزيز استقلالك وسيادتك. وهذا بالضبط ما لمسناه خلال السنوات الأخيرة في إقليم آسيا الوسطى، لا سيما من خلال الاجتماعات الاستشارية المنتظمة لرؤساء دول المنطقة، والتي شهدت هذا العام تطوراً نوعياً بانضمام أذربيجان إلى الدول الخمس الأعضاء. إن هذا التنسيق الإقليمي المشترك يؤدي دوراً بالغ الأهمية في إيصال أصواتنا وجعلها مسموعة بقوة لدى القوى الكبرى. وكما أشار كارل بيلت إلى خيارات بديلة للمضي قدماً، فإن العمل الأحادي بمعزل عن الآخرين لا يمثل خيارنا ولا خيار القوى الوسطى المسؤولة، بل إن حاجتنا ملحة لابتكار وطرح خيارات جديدة تعزز من مسؤوليتنا ومرونتنا.
البعد الثالث: يتعلق بمسألة الاتصال والربط الإقليمي والدولي، وهو البعد الثالث المكون لاستقلالنا الاستراتيجي، إذ لا يقتصر هذا الارتباط على البعد الدبلوماسي فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية واللوجستية بأكملها. فنحن نعمل باستمرار على ربط مختلف المناطق ببعضها البعض، ونظراً لخصوصية موقعنا الجغرافي الذي يضعنا في جوار مباشر مع قوتين عالميتين كبريين مثل الصين وروسيا، فإننا نحرص على بناء شراكات وثيقة وقوية مع كافة هذه الأطراف. إلى جانب ذلك، نضمن توفير الاتصال المادي الموثوق؛ إذ لا يمكن الركون إلى طريق أو مسار واحد، ومن هذا المنطلق نعمل بكثافة على تطوير ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، فضلاً عن تطوير الممر الأوسط (الممر العابر للقارات)، وهو ما يزودنا بخيارات استراتيجية متعددة أعتبره عنصراً جوهرياً وبالغ الأهمية لضمان استقلالنا الاستراتيجي.
حوكمة عالمية
وأكد شيمردانوف أن ما نشهده الآن هو أن التوتر الجيوسياسي الحالي يعمل أيضاً على تسريع المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى، وبالطبع لا يمكن للقوى الوسطى تجاهل هذه العمليات. ما يمكننا القيام به هو الاستثمار بشكل مكثف في البحث والتطوير، وفي رأس المال البشري محلياً. أما على الأجندة الدولية، فما يمكننا فعله بشكل مشترك هو طرح مسألة "الحوكمة العالمية" لهذه التقنيات – مثل الذكاء الاصطناعي، والطائرات بدون طيار، والروبوتات، وغيرها الكثير – لأننا بحاجة لأن تكون هذه التقنيات آمنة وتخدم المصلحة العامة للجميع.
ويقول شيمردانوف: "الجغرافيا فرض واقع نملكه ويجب علينا تحويله من مجرد قيد إلى أصل استراتيجي. وفي هذا الصدد، نحتاج إلى تعظيم كافة مواردنا. وما نراه، على سبيل المثال، بالنسبة لدول الخليج، هو أنها تمتلك رؤوس أموال ودبلوماسية للطاقة، والطريقة الأكثر كفاءة لا تتمثل في استخدامها بشكل منفصل، بل في كيفية دمجها ضمن سياسة واحدة".
فعندما نفكر في التعاون بين آسيا الوسطى ودول الخليج، يجب ألا نفكر من منظور فرص الاستثمار فحسب، بل يجب اعتبار الأنشطة الحالية من منظور جيوإقتصادي شامل. وفي هذا السياق، ينبغي أن ننظر إلى الأمر باعتباره حزمة متكاملة تجمع بين رأس المال الخليجي، وموارد آسيا الوسطى، والربط الاقتصادي الأوراسي، إلى جانب الدبلوماسية والتكنولوجيا.
بهذه التركيبة، أتقدّم باعتقاد أننا قد نوفر منصات حوار أكثر أماناً. وكما تعلمون، اتبعت كازاخستان ما يُعرف سابقاً بسياسة الشد متعددة العوامل، والتي أود تسميتها اليوم بـ "الارتباط متعدد الأبعاد مع الاستقلال الاستراتيجي" في سياقنا الراهن، وهو ما يمنحنا خبرة طويلة في توفير منصات مختلفة للحوار. على سبيل المثال، قدمت كازاخستان في عام 2024 منصة لحوار وزراء خارجية أذربيجان وأرمينيا، دون أن نُملي عليهم التسوية، بل قدمنا الفضاء السياسي اللازم للحوار.
والمنطق والفلسفة ذاتهما تَمّ تطبيقُهما خلال "عملية أستانا" بشأن سوريا ومبادراتنا السابقة. إذن، ما يمكن أن تقدمه القوى الوسطى هو هذا الفضاء السياسي ومساحة الحوار؛ فكما نرى من النقاشات السابقة، عندما يتوقف الحوار، قد يتصاعد الصراع بشكل أكبر، وهذا ما يمكن أن تقدمه القوى الوسطى للقوى الكبرى وللأطراف المتصارعة الأخرى، وأعتقد أن هذه السياسة يمكن توسيعها لتشمل مناطق أخرى أيضاً.
وأضاف شيمردانوف: "كقوى وسطى، بالكاد يمكننا المنافسة في هذا السباق التكنولوجي، ولكن ما يمكننا فعله أيضاً هو ضمان التكيف السريع مع هذه التقنيات. فكل دولة في المنطقة وعلى مستوى العالم تحاول أن تصبح أكثر تقدماً في مجال الذكاء الاصطناعي اليوم، وبات ذلك يمثل إحدى الأولويات للسيادة التكنولوجية للعديد من الدول. ولكننا بحاجة إلى تنظيم عالمي وحوكمة عالمية لهذه التقنيات بالغة الأهمية، تماماً كما حدث في منتصف القرن العشرين عندما بدأ تنظيم الأسلحة النووية"، وكما قال رئيس وزراء كندا، مارك كارني، في مؤتمر دافوس: "إما أن تكون على الطاولة أو أن تكون وجبةً على الطاولة"، وعليه، بصفتنا قوى وسطى، يجب أن نكون على الطاولة لنناقش هذه الأدوات التكنولوجية وتنظيمها المستقبلي وتكييفها ضمن سياساتنا الآمنة.
