أكد مشاركون في الجلسة الرئيسية بعنوان «البيانات والمسيرات: معركة النفوذ في النظام الجيوتكنولوجي الجديد»، التي عقدت ضمن فعاليات اليوم الثاني من النسخة الثالثة لـ«منتدى هيلي» السنوي، أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية باتا عنصرين أساسيين في جاهزية الدول وتعزيز أمنها وقدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
وشدد المشاركون على أهمية بناء منظومة متكاملة تقوم على التقييم والمشاركة والتعاون ونقل المعلومات والتكامل، مؤكدين أن التطور المتسارع في التقنيات، ولا سيما الأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي، يتطلب تعزيز الشراكات وعدم اعتماد الدول على قدراتها منفردة.
تطور متسارع
وأشار المشاركون إلى أن العنصر البشري سيظل محورياً رغم التطور المتسارع للتكنولوجيا، مؤكدين ضرورة تمكين الشباب وتأهيل الجيل الجديد للاستفادة من التقنيات الحديثة وتوظيفها بالشكل الأمثل.
جاهزية
وأشاد المشاركون بالتجربة الإماراتية في بناء الجاهزية الوطنية، مؤكدين أن الإنجازات التي حققتها دولة الإمارات لم تأتِ من فراغ أو خلال فترة زمنية قصيرة، وإنما كانت نتيجة قرارات استراتيجية ورؤية بعيدة المدى تم تنفيذها على مدى سنوات.
وأشاروا إلى أن الاستثمارات التي نفذتها الدولة في قطاعات استراتيجية، من بينها الطاقة النووية والموانئ والبنية التحتية الرقمية، أسهمت في تعزيز جاهزيتها وقدرتها على مواجهة المتغيرات، لافتين إلى أن هذه القرارات اتخذت قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي محوراً رئيسياً في النقاش العالمي.
وأكد المتحدثون أن التجربة الإماراتية تمثل نموذجاً لكيفية بناء القدرات الوطنية على أساس التخطيط المسبق والاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا والموارد البشرية.
الابتكار
وقال الدكتور محمد الكويتي، رئيس مجلس الأمن السيبراني في دولة الإمارات، إن النقاشات التي شهدها المنتدى أكدت أهمية وجود نموذج متكامل في مجالات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، إلى جانب القدرة على التكيف مع التطورات التكنولوجية المتسارعة.
وأوضح أن دولة الإمارات باتت تتبوأ مركزاً متقدماً في مجالات التكنولوجيا المتطورة، مع التركيز على الاستخدام الآمن للتقنيات وتعزيز منظومة الأمن السيبراني، لافتاً في الوقت نفسه إلى أهمية دور الشركات خلال الأزمات، خصوصاً في الحد من ممارسات تزييف المعلومات والاستخدامات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، حيث أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الحكومات والقطاع الخاص.
وأضاف أن استراتيجية الأمن السيبراني في دولة الإمارات تقوم على عدد من الركائز، أبرزها الحوكمة، والشراكات، والابتكار والسيادة، مشدداً على ضرورة حماية الأصول الرقمية، وبناء القدرات الوطنية وتعزيز التعاون الدولي.
وأكد أهمية تمكين الشباب والجيل القادم باعتبارهم أحد الأعمدة الرئيسية لضمان الاستخدام الصحيح والآمن للتكنولوجيا، وتعزيز مكانة الدولة في المجالات التقنية المتقدمة.
تصنيف
وفيما يتعلق بإدارة دول الخليج للتقنيات الحديثة والتعامل مع البيئة الأمنية المرتبطة بها، أوضح الكويتي أن البيانات تمثل أحد أهم عناصر القوة في العصر الرقمي، وأن تصنيفها وإدارتها بصورة صحيحة يشكلان أساساً لبناء الاستراتيجيات المناسبة، مشيراً في الوقت نفسه، إلى أهمية الأطر القانونية والتنظيمية التي اقرتها دولة الإمارات والمتعلقة بحرية البيانات وتشفيرها، ووضوحها بما ساهم في دعم الشركات العاملة في القطاع وتمكينها من تطوير حلول آمنة وفعالة.
وشدد على أهمية وجود استراتيجية للردع السيبراني، إلى جانب المرونة في التعامل مع التطورات التقنية، قائلاً :"إن زيادة الاستثمار في التكنولوجيا يجب أن تترافق مع أهداف واضحة وقدرة على التكيف مع المتغيرات.
كما أشار إلى أهمية الاتفاقات الدولية، ومن بينها ما طرحه المشاركون بشأن اتفاق جنيف، في تعزيز الشراكات ووضع أطر للتعامل مع الهجمات السيبرانية، بما يسهم في دعم الابتكار والتعاون الدولي.
الدفاع
من جانبه، قال دانيال موتون، نائب الرئيس والرئيس التنفيذي لشركة «لوكهيد مارتن» في الشرق الأوسط، إن الذكاء الاصطناعي سيكون له دور متزايد في تطوير أنظمة الدفاع، خصوصاً مع تنامي التداخل بين المجالات السيبرانية والصناعية والعسكرية.
وأوضح أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الدول يتمثل في حماية بنيتها التحتية وقدراتها الدفاعية في ظل احتمالات تعرضها لهجمات سيبرانية، مشيراً إلى أن التعامل مع هذه التحديات يبدأ بتحديد الأصول والأنظمة الأكثر أهمية وحمايتها وفق أولويات استراتيجية واضحة.
وأشاد موتون بالتجربة الإماراتية، مشيراً إلى أن البنية التحتية المتطورة للدولة ساعدتها على مواجهة آلاف الهجمات السيبرانية، مؤكداً أن وجود قرار استراتيجي مسبق للتعامل مع الأزمات المحتملة كان عاملاً مهماً في تحقيق هذه النتائج.
وأشار إلى أن إدارة التكلفة تمثل عاملاً مهماً في العمليات الدفاعية، موضحاً أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهما في تحليل كميات ضخمة من البيانات وتحويلها إلى معلومات تساعد صناع القرار على التحرك بسرعة وكفاءة.
تحديات تكنولوجية
وأكد موتون أن التعامل مع التحديات الأمنية والتكنولوجية لا يزال يعتمد على النهج التشاركي والتعاوني، مشيراً إلى أن الدبلوماسية تلعب دوراً مهماً في تحديد طبيعة المعلومات والبيانات التي يمكن للدول مشاركتها.
وأوضح أنه في ظل وجود تصميم للتعاون بين الدول، يمكن تحديد البيانات التي يمكن تبادلها وتلك التي ينبغي حمايتها، مشيراً إلى أن بعض البيانات، مثل الصور التي توفرها الأقمار الصناعية، قد يكون من المفيد تبادلها لتعزيز قدرة الدول على حماية أمنها.
وشدد على ضرورة استمرار وجود العنصر البشري في الأنظمة العسكرية، مؤكداً أن الهدف من الذكاء الاصطناعي ليس إغراق البشر بالبيانات، وإنما مساعدتهم على استخلاص المعلومات المهمة منها واتخاذ القرارات في الوقت المناسب.
الاستقلالية
من جانبه، قال طلال القيسي، الرئيس التنفيذي لشركة «كود 42» والرئيس بالإنابة للشؤون العالمية في مجموعة «G42» في دولة الإمارات، إن الاستقلالية الاستراتيجية تمثل أهمية كبيرة لدولة الإمارات، مشيراً إلى أن التحديات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية أكدت أن استمرار عمل المؤسسات الوطنية، يرتبط بصورة وثيقة بقوة البنية التحتية الرقمية.
وأوضح أن الكابلات البحرية ومراكز البيانات وأنظمة الذكاء الاصطناعي أصبحت مكونات أساسية في منظومة الأمن الوطني، نظراً لدورها في إيصال البيانات إلى صناع القرار وتمكينهم من اتخاذ القرارات المناسبة.
وأكد القيسي أن مفهوم السيادة في مجال الذكاء الاصطناعي لا يمكن فصله عن البيانات والبنية التحتية الرقمية، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضراً في مختلف المجالات، وأن الدول مطالبة بتعزيز قدراتها بما يخدم مصالحها الوطنية.
وفي الوقت نفسه، شدد على أن تحقيق الاستقلالية لا يعني أن تقوم كل دولة بكل شيء بمفردها، مؤكداً أهمية الاستفادة من التكنولوجيا وبناء الشراكات مع مختلفة دول العالم، بما يضمن تعزيز القدرات الوطنية من دون الوقوع في العزلة.
وأشار إلى أن دولة الإمارات تمتلك مراكز وبنى تحتية متطورة ومحمية بشكل فعال، مؤكداً إمكانية الاستفادة من هذه التجربة ونقل بعض جوانبها إلى دول أخرى، خاصة وان دولة الإمارات، نجحت في حماية أصولها الحيوية بفضل امتلاكها بنية تحتية رقمية قوية ومتقدمة.
وأكد القيسي أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً مهماً من قدرات الدول الدفاعية، الأمر الذي يتطلب وضع أطر مشتركة للتعامل مع الأنظمة والتقنيات المرتبطة به، مشدداً على أهمية التعاون الدولي والاتفاقات المنظمة، ومن بينها اتفاق جنيف.
أهداف مشتركة
بدوره، قال السفير يو جيه سونج، سفير جمهورية كوريا السابق لدى دولة الإمارات، إن الدبلوماسية يمكن أن تسهم في خلق ثقافة مشتركة وأهداف مشتركة بين الدول، شريطة وجود رغبة حقيقية في تحقيق التعاون.
وأوضح أن البيانات والتعاون السيبراني يصبحان أكثر فاعلية عندما يقومان على تبنٍ مشترك ورؤية واضحة، مشيراً إلى أهمية بناء «قاموس مشترك» بين الأطراف المتعاونة، بحيث تكون هناك تعريفات متفق عليها للمفاهيم والمعلومات والبيانات.
وأشار إلى ضرورة وجود الثقة في البيانات، وتحديد آليات واضحة لمنع الازدواجية في تبادل المعلومات، إلى جانب بناء نظام بيئي يضمن استمرارية الأعمال والبرمجيات والصيانة بصورة مشتركة، مضيفاً بأن "الدبلوماسية تمثل شبكة أمان مهمة، خصوصاً في ظل قدرة الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات وتحويلها إلى معلومات خلال ثوانٍ، الأمر الذي يفرض على الدول تطوير آليات تعاون أسرع وأكثر فاعلية".
عمليات سيبرانية
وأوضح السفير يو جيه سونج أن الردع التقليدي يقوم على مجموعة من العناصر، فيما أصبحت العمليات السيبرانية والذكاء الاصطناعي والمعلومات المرتبطة بالطائرات المسيرة عوامل مؤثرة بصورة مباشرة في عملية صنع القرار.
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يؤدي دوراً في تحديد الأهداف وتحليل المعلومات، لكنه شدد على ضرورة ألا تواجه دولة بمفردها هذه التحديات والهجمات، مؤكداً أهمية تطوير حلول جماعية وأكثر كفاءة وأقل تكلفة.
ودعا إلى الاستفادة من التجارب والاستراتيجيات الدولية، ومن بينها التجربة الأميركية، مع مراعاة خصوصية كل دولة واحتياجاتها الأمنية والاستراتيجية.

