أشاد مشاركون في الجلسة الرئيسية لليوم الأول من فعاليات «منتدى هيلي»، التي عقدت تحت عنوان واقع جيواقتصادي جديد: الخليج والعالم في عصر التحولات، بجاهزية المنظومة الاقتصادية في دولة الإمارات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات والأزمات، مؤكدين أن مرونة الاقتصاد الإماراتي، إلى جانب البنية التحتية المتطورة والتشريعات الواضحة، عززت مكانة الدولة مركزاً موثوقاً للاستثمار والطاقة والبيانات والتكنولوجيا.
وأكد المشاركون أن التطورات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية أعادت التأكيد على الدور المحوري لمنطقة الخليج في الاقتصاد العالمي، ليس باعتبارها مصدراً رئيسياً للطاقة فحسب، وإنما باعتبارها مركزاً متقدماً للبنية التحتية والاستثمار والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وأشاروا إلى أن الإمارات نجحت في ترسيخ الثقة الدولية باقتصادها من خلال تطوير بنية تحتية موثوقة، ووضع أطر وتشريعات واضحة تحمي الاستثمارات، إلى جانب تبني سياسات استباقية عززت قدرتها على مواجهة الأزمات والحفاظ على استمرارية الأعمال والتدفقات التجارية والاستثمارية.
ثقة
وقال عبدالعزيز العبيدلي، المدير العام للشؤون التنظيمية في دائرة الطاقة ابوظبي، إن مرونة المنظومة الاقتصادية الإماراتية وقدرتها على التكيف مع المتغيرات أسهمتا في تعزيز ثقة العالم بالدولة، مشيراً إلى أن الشركات والمؤسسات العاملة في الإمارات تؤدي دوراً مهماً في الحفاظ على هذه الثقة وترسيخها.
وأكد أن أمن المنطقة يرتبط بصورة وثيقة بمرونة الأنظمة والبنية التحتية، موضحاً أن تصميم البنية التحتية يجب أن يأخذ في الاعتبار استمرارية الأعمال والقدرة على الاستجابة السريعة في حال حدوث أي تغيرات أو أزمات.
وأشار إلى أن دولة الإمارات تعمل على تعزيز استقطاب الاستثمارات من خلال تطوير منظومات المياه والكهرباء، لافتاً إلى استثمارات تصل إلى نحو 300 مليار درهم في هذه الأنظمة، مع توقعات باستقطاب نحو 10 مليارات درهم من الاستثمارات الأجنبية سنوياً.
مركز
وأوضح العبيدلي أن الخليج يمثل مركزاً رئيسياً للطاقة العالمية، مؤكداً أن مستقبل منظومة الطاقة لا يرتبط فقط بإنتاج النفط، وإنما بامتلاك البنية التحتية القادرة على دعم مختلف مصادر الطاقة وضمان استمراريتها.
وأشار إلى أن الإمارات بدأت منذ عام 2006 الاستثمار في الطاقة المتجددة، في إطار رؤية تهدف إلى الانتقال من كونها دولة منتجة للهيدروكربونات إلى مركز عالمي للطاقة المستدامة والمتنوعة.
وشدد على أن الاستمرارية ووضوح التشريعات يمثلان عاملين رئيسيين في تعزيز القدرة على استقطاب الاستثمارات، مؤكداً أن الإمارات تمتلك بنية تحتية موثوقة ومستدامة، إلى جانب تشريعات واضحة توفر الحماية للاستثمارات، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانتها مركزاً دولياً للبيانات والاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا.
الحقيقي
من جانبه، قال الدكتور سمير ساران، رئيس مؤسسة أوبزرفر للأبحاث في الهند، إن الأزمة الأخيرة كشفت بصورة أكثر وضوحاً عن الدور المحوري الذي تؤديه منطقة الخليج في الاقتصاد العالمي.
وأوضح أن هذا الدور كان معروفاً بصورة عامة، إلا أن تداعيات الأزمة أظهرت مدى اتساع تأثير الخليج في الاقتصاد العالمي، بما يشمل الطاقة والاستثمارات وسلاسل الإمداد ومشروعات التنمية في مناطق مختلفة من العالم، ومنها أفريقيا وقطاعات صناعية متعددة.
وقال إن الأزمة أظهرت أيضاً أن هناك «أكثر من خليج»، في إشارة إلى تعدد العلاقات والتحالفات والشراكات التي تربط دول المنطقة بمختلف القوى العالمية.
وأشار إلى عمق العلاقات بين الهند والإمارات وحرص قيادات البلدين على ترسيخها على كافة الأصعدة والمستويات، موضحاً أن دول الخليج ترتبط في الوقت نفسه بعلاقات وتحالفات متنوعة، وأن الأزمة الحالية ستقود على الأرجح إلى ظهور ترتيبات إقليمية مختلفة عن تلك التي كانت قائمة قبلها.
الطاقة
وأكد ساران أن أمن الطاقة يتطلب وجود موردين موثوقين وممرات آمنة ومستقرة تضمن استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.
وأوضح أن الهند، شأنها شأن العديد من دول العالم، لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الوقود الأحفوري، مشيراً إلى أن الأزمات والحروب يمكن أن تؤثر في سلاسل الإمداد، ما يستدعي تطوير حلول انتقالية وتعزيز مرونة الاقتصادات.
وقال إن الثقة والترابط والتطوير المحلي ستكون عناصر أساسية في تشكيل المرحلة المقبلة، مؤكداً أن كل صراع كبير يؤدي إلى تغييرات مهمة في خريطة العلاقات الاقتصادية العالمية.
وأضاف: «هذه الحرب ستغير خريطة الترابطات العالمية»، مشيراً إلى أن الدول ستعيد تقييم مدى مرونة اقتصاداتها وقدرتها على الصمود أمام الأزمات.
وأكد أهمية النظر إلى استدامة الاستثمارات على المدى البعيد، وتعزيز المرونة الاقتصادية والسياسية، لافتاً إلى أن إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية قد تفتح المجال أمام خيارات أكثر تنوعاً للدول والأسواق في المستقبل.
الذكاء الاصطناعي
وأشار ساران إلى أن منطقة الشرق الأوسط ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاقتصاد العالمي، باعتبارها مورداً رئيسياً للطاقة وعنصراً مهماً في نمو الاقتصاد العالمي، مؤكداً في الوقت نفسه أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، الامر الذي يتطلب إنشاء مراكز متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتأمين البنية التحتية اللازمة لحماية البيانات واستدامة العمليات الرقمية.
وقال إن التحولات الحالية في الاقتصاد العالمي تشير إلى وجود اتجاه متزايد لنقل جزء من الفرص الاستثمارية من الغرب إلى الشرق، معتبراً أن امتلاك الإمارات بنية تحتية متقدمة للذكاء الاصطناعي يجعلها وجهة جاذبة للاستثمارات في هذا القطاع.
عالمية
من جانبه، قال روبرت فاس، مؤسس ورئيس «جلوبسيك» في سلوفاكيا، إن الصراعات الراهنة لا يمكن النظر إليها باعتبارها صراعات إقليمية منفصلة، وإنما هي أزمات ذات أبعاد عالمية وتداعيات إقليمية، موضحاً بأن جميع الصراعات الأخيرة أثبتت أن العالم أصبح مترابطاً بصورة وثيقة، فأمن الخليج لا يمكن التعامل معه باعتباره مسألة إقليمية فقط، وإنما قضية ذات أهمية عالمية.
وأشار إلى أن التحولات الحالية تشهد تغييراً واسعاً في الأنظمة الاقتصادية والسياسية العالمية، وفي نماذج عمل الشركات والتحالفات، وهو ما يفتح في الوقت نفسه فرصاً جديدة للتعاون بين أوروبا والإمارات ودول الخليج.
وقال فاس إن أوروبا أدركت أن اعتمادها على النفط والغاز الروسيين كان أكبر مما ينبغي، مشيراً إلى أن القارة كانت تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة من روسيا قبل اندلاع الأزمة الأوكرانية.
وأوضح أن أوروبا تعمل حالياً على إعادة تقييم منظومة أمن الطاقة لديها، وبناء مسارات وخطوط إمداد جديدة، مؤكداً أن دولة الإمارات يمكن أن تلعب دوراً مهماً في دعم هذه التحولات وتعزيز أمن الطاقة الأوروبي.
وأشار إلى أن موقع الإمارات وقدراتها في مجال الطاقة والبنية التحتية يجعلها شريكاً مهماً في منظومة الطاقة العالمية الجديدة.
أثبتت
بدوره، أكد الدكتور رالف فيجرت، رئيس فريق التنبؤات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في قسم الاقتصاد ومخاطر الدول بوكالة «إس آند بي جلوبال» في ألمانيا، أن الاقتصاد الإماراتي أظهر مستويات لافتة من المرونة خلال الأزمات الأخيرة.
وقال إن المؤشرات والاستطلاعات الاقتصادية العالمية تؤكد قوة أداء الاقتصاد الإماراتي، مشيراً إلى أن الأرقام أظهرت تحسناً في مؤشرات الاقتصاد الإماراتي وهو ما يعكس، بحسب رأيه، أهمية الثقة في دعم الأداء الاقتصادي.
وأضاف أن ثقته كبيرة في استمرار نمو الاقتصاد الإماراتي خلال العام المقبل، مؤكداً أن الدولة بنت نموذجها الاقتصادي على المرونة والقدرة على التكيف مع المتغيرات.
شريك
وأكد فيجرت أن الإمارات تمثل شريكاً موثوقاً في توفير الطاقة وبناء العلاقات الاقتصادية مع مختلف الدول، مستفيدة من امتلاكها بنية تحتية متطورة وقدرات لوجستية متقدمة.
وأشار إلى أن الخليج سيظل مصدراً موثوقاً للطاقة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى مواصلة تطوير مستويات الاعتمادية والمرونة، بما يبعث برسالة واضحة إلى الأسواق العالمية بأن المنطقة ستواصل أداء دورها في توفير الطاقة بصورة مستقرة وموثوقة.
وقال إن الإمارات كانت من أفضل الدول في التعامل مع تداعيات الأزمة، مرجعاً ذلك إلى امتلاكها بنية تحتية قادرة على التكيف مع مختلف التحديات، إلى جانب منظومة اقتصادية وتشريعية عززت قدرتها على الاستمرار وجذب الاستثمارات.
نموذج
وأجمع المشاركون في الجلسة على أن التجربة الإماراتية خلال السنوات الماضية تعكس نموذجاً اقتصادياً يقوم على المرونة والاستباقية والثقة، مؤكدين أن البنية التحتية المتطورة، ووضوح التشريعات، وتنوع الاقتصاد، والاستثمار المبكر في الطاقة المتجددة والتكنولوجيا، أسهمت في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة المتغيرات.
كما أكدوا أن التحولات الراهنة في الاقتصاد العالمي ستعيد تشكيل خريطة الطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد، وأن دول الخليج، وفي مقدمتها الإمارات، تمتلك فرصة لتعزيز دورها العالمي من خلال الجمع بين موارد الطاقة التقليدية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، والبنية التحتية الرقمية، والذكاء الاصطناعي.
وأشاروا إلى أن الثقة ستظل عنصراً حاسماً في الاقتصاد العالمي الجديد، وأن قدرة الدول على توفير بيئة مستقرة وتشريعات واضحة وبنية تحتية موثوقة ستكون من أهم العوامل المحددة لتدفقات الاستثمار والشراكات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.



