لبنى القاسمي: الثقة والتمكين والدعم ثلاثية صنعت قصة نجاح الإماراتية

أكدت معالي الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي وزيرة سابقة في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة أن وصول المرأة الإماراتية إلى مواقع صنع القرار وتوليها مسؤوليات قيادية في قطاعات حيوية لم يكن مجرد انتقال إلى منصب جديد بل جاء ثمرة منظومة وطنية متكاملة قامت على الثقة بقدرات المرأة وتمكينها وتوفير الدعم اللازم لها لتحقيق النجاح والإنجاز مشددة في الوقت ذاته على أن استدامة هذه المكتسبات تبدأ من الأسرة ومن قدرتها على صناعة أجيال تحمل الهوية الإماراتية وقيمها ومسؤوليتها تجاه الوطن

جاء ذلك خلال جلسة حوارية بعنوان «بنحلم الأقوى والأفضل» ضمن أعمال النسخة الثانية من منتدى المرأة الإماراتية حاورها خلالها حامد بن كرم رئيس تحرير صحيفة «البيان» حيث استعرضت معاليها محطات من تجربتها المهنية والوزارية ومسيرة تمكين المرأة الإماراتية ووصولها إلى مواقع قيادية في قطاعات كانت تعد في السابق حكراً على الرجال في العديد من المجتمعات إلى جانب دور المرأة والأسرة في نقل القيم الوطنية إلى الأجيال القادمة

وتطرقت معالي الشيخة لبنى القاسمي إلى تجربتها عند تولي حقيبة وزارة الاقتصاد عام 2004 باعتبارها محطة مهمة لم تقتصر دلالتها على دخول المرأة إلى العمل الوزاري وإنما ارتبطت بتوليها حقيبة اقتصادية ذات ثقل ومسؤولية كبيرة وهو ما أسهم في كسر صورة نمطية كانت سائدة إقليمياً وعالمياً بشأن قدرة المرأة على قيادة الملفات الاقتصادية

وقالت إنها عملت في حكومة دبي لنحو 12 عاماً وتنقلت خلال مسيرتها بين عدد من المسؤوليات من بينها الحكومة الإلكترونية قبل أن يصدر القرار في عام 2004 بتوليها حقيبة وزارة الاقتصاد مشيرة إلى أن ردود الفعل خارج دولة الإمارات حملت قدراً من الدهشة والتساؤل حول تولي امرأة مسؤولية قطاع اقتصادي بهذا الحجم بينما كان الأمر داخل الإمارات انعكاساً طبيعياً لمسيرة متراكمة من الثقة بالكفاءات النسائية

وأضافت أن النظرة العالمية بدأت تتغير عندما تعرف الآخرون إلى خبراتها وإنجازاتها السابقة ونشاطها في مجالات التكنولوجيا والإدارة لتتحول التجربة من موضع تساؤل إلى محطة تعكس قدرة الإمارات على تقديم نماذج قيادية نسائية في مجالات نوعية

وأكدت معاليها أن سر نجاح التجربة الإماراتية يعود في الأساس إلى منظومة القيادة في دولة الإمارات موضحة أن البداية كانت من «الثقة» إذ آمنت القيادة على مختلف مستوياتها بدور المرأة وقدرتها على المشاركة والإنجاز في أي مجال دون وضع حدود لطموحاتها أو قدراتها

وأوضحت أن العنصر الثاني يتمثل في «التمكين» مشيرة إلى أنه لم يبدأ مع دخول المرأة إلى الحكومة أو العمل السياسي بل انطلق منذ مراحل مبكرة عندما فتحت أمام الإماراتيات أبواب التعليم والعمل والتخصصات المهنية المختلفة ومن بينها الهندسة وغيرها من المجالات التي كانت المرأة الإماراتية حاضرة فيها منذ سنوات طويلة

وأضافت أن دخول المرأة المجال السياسي شكل مرحلة جديدة في مسيرة التمكين امتدت بعد ذلك إلى المجلس الوطني الاتحادي ومختلف مواقع صنع القرار لتتسع مساحة المشاركة النسائية وتتحول إلى عنصر أصيل في منظومة العمل الوطني

وشددت على أن الثقة والتمكين وحدهما لا يكفيان من دون العنصر الثالث وهو «الدعم» مؤكدة أن وصول المرأة إلى منصب رفيع يجب أن يترافق مع بيئة تساعدها على أداء مسؤولياتها وتفتح أمامها المجال وتيسر لها سبل الإنجاز حتى تتحول تجربتها إلى قصة نجاح تمهد الطريق أمام أجيال جديدة من القيادات النسائية

واستعادت معاليها مشاعرها خلال الأسبوع الأول من توليها المسؤولية الوزارية قائلة إنها جاءت من بيئة عمل مختلفة وكانت أمام مسؤولية كبيرة ما ولد لديها شيئاً من الخوف والقلق بشأن قدرتها على الإنجاز والنجاح في المهمة إلا أنها سرعان ما أدركت حجم الدعم الذي يحيط بها من القيادة الرشيدة

وقالت إن وجود هذا الدعم منحها الثقة للمضي قدماً وتحمل المسؤولية مؤكدة أن المرأة عندما يتم اختيارها لمنصب قيادي في وزارة أو هيئة أو مؤسسة فإن توفير الدعم وفتح المجال أمامها وتيسير مهمتها يمثل جزءاً أساسياً من صناعة نجاحها

أبناؤنا أكبر قوة للوطن

وفي جانب آخر من الجلسة أكدت معالي الشيخة لبنى القاسمي أن الحفاظ على الهوية والقيم الإماراتية ونقلها من جيل إلى آخر يمثل مسؤولية مشتركة تبدأ من القيادة وتمتد إلى الأسرة والمجتمع والمؤسسات مشددة على أن الدور الأول في التربية وصناعة الأجيال يبدأ من البيت.

وقالت إن الحديث عن نقل القيم الإماراتية إلى الأجيال المقبلة يرتبط بمنظومة متكاملة في دولة الإمارات تبدأ بالقيادة ثم الأسرة والمجتمع والمؤسسات مؤكدة أن تكامل هذه الأدوار يمثل الضمانة الأساسية لاستمرار الهوية الوطنية والمحافظة على القيم الأصيلة في ظل المتغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وأوضحت، أن أجيال الإمارات تربت على قيم انتقلت بصورة طبيعية من الأمهات والجدات وتحولت مع مرور الوقت إلى موروث متجذر في الشخصية الإماراتية وفي تفاصيل تعاملها وسلوكها وحضورها مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في ضمان انتقال هذا الإرث إلى الأجيال القادمة بالقدر نفسه من القوة والارتباط بالوطن.

ولفتت إلى أن دولة الإمارات انفتحت على مختلف الجنسيات والثقافات وقدمت نموذجاً متميزاً في التعايش والتواصل الإنساني الإيجابي إلا أن هذا الانفتاح يجعل مسؤولية الحفاظ على الخصائص والقيم الإماراتية ونقلها من جيل إلى آخر أكثر أهمية حتى يظل الأبناء مرتبطين بهويتهم وموروثهم الوطني وهم يتفاعلون بثقة وإيجابية مع العالم.

وأكدت أن التعليم يؤدي مسؤولية كبيرة في بناء شخصية الأبناء وإعدادهم للمستقبل إلا أن التربية لا يمكن أن تكون مسؤولية المدرسة والمؤسسات التعليمية وحدها لأن نقطة البداية الحقيقية تبقى داخل الأسرة.

وقالت، إن الطفل يحتاج إلى بيئة أسرية تقوم على الثقة والتواصل بحيث يشعر بالقدرة على العودة إلى والديه وأسرته في كل صغيرة وكبيرة محذرة من أن غياب هذه الثقة قد يؤدي مع مرور الوقت إلى حدوث خلل في انتقال القيم والموروث الوطني بين الأجيال.

وشددت معاليها على أن أبناء الوطن يمثلون أعظم عناصر قوته وأن حماية وعيهم وفكرهم وهويتهم وانتمائهم مسؤولية وطنية لا يمكن التهاون فيها في ظل عالم يشهد تغيرات فكرية وثقافية متسارعة مؤكدة أن الاستثمار الحقيقي في المستقبل يبدأ من الإنسان ومن بناء جيل يعرف هويته ويدرك مسؤوليته تجاه وطنه.

ووجهت معالي الشيخة لبنى القاسمي رسالة إلى الأمهات والأسر أكدت فيها أن المسؤولية الأساسية تبدأ من المنزل داعية إلى تعليم الأبناء تحمل المسؤولية وترسيخ الانتماء وحب الوطن في نفوسهم منذ الصغر وعدم الاعتماد بصورة كاملة على المدرسة في أداء الدور التربوي.

ولفتت إلى أن قوة النموذج الإماراتي وقيم المجتمع جعلت حتى أبناء العديد من المقيمين الذين نشأوا في الدولة يرتبطون بالإمارات وثقافتها ويتحدث بعضهم باللهجة المحلية ويحملون مشاعر محبة وانتماء للمجتمع الذي عاشوا فيه وهو ما يعكس التأثير الإنساني العميق للبيئة الإماراتية.

واختتمت معاليها بالإعراب عن فخرها بما وصلت إليه المرأة الإماراتية اليوم من حضور واسع في مختلف الهيئات والمؤسسات وبما قدمته القيادات النسائية الإماراتية من نماذج أثبتت كفاءتها في مواقع المسؤولية مؤكدة أن الحفاظ على هذه المسيرة لا يتوقف عند صناعة قيادات ناجحة اليوم بل يمتد إلى صناعة أجيال قادرة على حمل القيم والهوية والمسؤولية غداً.

وقالت مخاطبة المرأة الإماراتية "لا تنسون دوركم في البيت علموهم المسؤولية والانتماء وحب الوطن ولا تهملون أهم دور عندكم أنتن صانعات الأجيال.