جيل إماراتي يقرأ العالم ويحاور ثقافته بلغة الدبلوماسية

في عالم يشهد تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية متسارعة، تزداد أهمية إعداد جيل من الشباب يمتلك المعرفة والوعي والمهارات اللازمة للتفاعل مع القضايا الدولية، ويكون قادراً على الحوار والتواصل مع مختلف الثقافات، والمساهمة في بناء جسور التفاهم وتعزيز قيم السلام والتنمية المستدامة.

ومن هذا المنطلق، تأتي مشاركة طلبة قسم الحكومة والمجتمع في جامعة الإمارات العربية المتحدة في برنامج ومؤتمر السلام والدبلوماسية، الذي تستضيفه جامعة إسطنبول آيدن في مدينة إسطنبول بجمهورية تركيا، باعتبارها تجربة تعليمية ودولية تتيح للطلبة الانتقال من المعرفة الأكاديمية إلى الممارسة العملية، والانفتاح على تجارب ورؤى متنوعة، والتفاعل مع نخبة من الأكاديميين والخبراء والطلبة من مختلف دول العالم.

وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لما تطرحه من موضوعات ترتبط بالدبلوماسية والسلام، والاتصال الدولي متعدد الثقافات، وتمكين الشباب، والقيادة، وحقوق المرأة ودورها في التنمية وصنع القرار، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا والتحديات الإقليمية والدولية المعاصرة، بما يسهم في تعزيز الوعي السياسي والدبلوماسي لدى الطلبة وتنمية قدرتهم على التحليل والحوار وتبادل الرؤى.

كما تعكس المشاركة اهتمام دولة الإمارات العربية المتحدة بالاستثمار في الإنسان، وتمكين الشباب وإعدادهم للمستقبل، وتطوير قدراتهم القيادية والدبلوماسية بما يعزز حضورهم في المحافل الإقليمية والدولية. وفي الوقت ذاته، تبرز التجربة الإماراتية في تمكين المرأة باعتبارها جزءاً أصيلاً من مسيرة التنمية وبناء الدولة، انطلاقاً من النهج الذي أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، واستمر ليترسخ في حضور المرأة الإماراتية في مواقع القيادة وصنع القرار والعمل البرلماني والدبلوماسي والعلمي.

وسجّل الوفد الإماراتي خلال البرنامج حضوراً لافتاً، حيث حصل حميد البلوشي ومحمد الشحي، عضوا الوفد الإماراتي، على جائزة أفضل المناظرين، تقديراً لما قدماه من أداء متميز في جلسات المناظرات، وما أظهراه من قدرة على بناء الحجج وطرح الأفكار ومناقشة القضايا المطروحة بوعي وموضوعية، إلى جانب مهارات الحوار والإقناع والتفاعل مع وجهات النظر المختلفة. ويعكس هذا التميز مستوى التأهيل الذي يتمتع به الشباب الإماراتي وقدرته على الحضور والمنافسة في البيئات الدولية متعددة الثقافات.

وتنسجم هذه المشاركة كذلك مع رسالة جامعة الإمارات العربية المتحدة في إعداد خريجين يتمتعون بالكفاءة والجاهزية للمنافسة عالمياً، من خلال إتاحة تجارب دولية نوعية تعزز التفكير النقدي، وتنمي مهارات التواصل والعمل في البيئات متعددة الثقافات، وتمنح الطلبة فهماً أعمق للقضايا التي تشكل مستقبل العلاقات الدولية والمجتمعات.


د. أحمد الملا 
رئيس الوفد المشارك
د. أحمد الملا رئيس الوفد المشارك

وفي تصريحات خاصة لصحيفة «البيان» قال د. أحمد الملا، رئيس قسم الحكومة والمجتمع في جامعة الإمارات العربية المتحدة رئيس الوفد المشارك: «إنه في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، وما يصاحبها من تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية عابرة للحدود، لم يعد إعداد الشباب للمستقبل مقتصراً على تزويدهم بالمعرفة الأكاديمية، بل أصبح يرتبط بقدرتهم على فهم المتغيرات الدولية، واستيعاب تعقيدات العلاقات بين الدول والمجتمعات، وامتلاك أدوات الحوار والتفاوض والتواصل الدولي متعدد الثقافات. ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية الاستثمار في بناء جيل واعٍ يمتلك المعرفة والمهارات الدبلوماسية والقدرة على تمثيل وطنه والتعبير عن مواقفه وقيمه بكفاءة ومسؤولية».

وأضاف الملا: «إنه في إطار دعم وتأهيل الشباب الإماراتي وتمكينه من اكتساب هذه الخبرات، يشارك طلبة قسم الحكومة والمجتمع في جامعة الإمارات العربية المتحدة في برنامج السلام والدبلوماسية، الذي يُقام في مدينة إسطنبول بجمهورية تركيا، باستضافة جامعة إسطنبول آيدن، وبمشاركة نخبة من الطلبة والأكاديميين والخبراء من مختلف دول العالم، في تجربة دولية تجمع بين المعرفة الأكاديمية والتفاعل المباشر والحوار حول عدد من القضايا المرتبطة بالدبلوماسية والسلام والعلاقات الدولية».

وفي هذا السياق، يصبح إعداد الشباب القادر على قراءة المشهد الدولي وتحليل المتغيرات والتفاعل مع الثقافات المختلفة استثماراً استراتيجياً في المستقبل، لأن قوة الدول في عالم اليوم لا تُقاس بمواردها وإمكاناتها الاقتصادية فحسب، وإنما كذلك بنوعية رأس مالها البشري، وقدرته على المعرفة والابتكار والتأثير وبناء الشراكات والتواصل مع العالم.

ومن هنا، تمثل مشاركة طلبة جامعة الإمارات في البرنامج امتداداً لنهج دولة الإمارات العربية المتحدة القائم على الاستثمار في الإنسان، والانفتاح على العالم، وتعزيز قيم الحوار والتسامح والتعايش والسلام، وترسيخ مفهوم الدبلوماسية بوصفها أداة لبناء الثقة والشراكات وتحقيق المصالح المشتركة، وليس فقط وسيلة لإدارة العلاقات السياسية التقليدية.

كما تنسجم هذه المشاركة مع مستهدفات الأجندة الوطنية للشباب 2031، التي تضع تمكين الشباب الإماراتي وبناء قدراته في صميم أولوياتها، وتسعى إلى إعداد جيل يتمتع بالمهارات القيادية والمعرفة والوعي العالمي، وقادر على الحضور والمنافسة وتمثيل دولة الإمارات بكفاءة في المحافل الإقليمية والدولية.

وتعكس هذه التجربة كذلك رؤية جامعة الإمارات العربية المتحدة ورسالتها الوطنية في إعداد خريجين لا يمتلكون المعرفة الأكاديمية فحسب، وإنما يتمتعون بالجاهزية الفكرية والقيادية للتعامل مع عالم سريع التغير. وتأتي البرامج والتجارب الدولية باعتبارها مساحة مهمة لتحويل المعرفة النظرية إلى خبرة عملية، وتعزيز التفكير النقدي، وتنمية مهارات الحوار والتفاوض والتحليل وصناعة القرار والعمل في بيئات متعددة الثقافات.

وتنبع أهمية هذه التجربة أيضاً من إتاحة الفرصة أمام الطلبة الإماراتيين للتفاعل المباشر مع نظرائهم من مختلف دول العالم، والاستماع إلى رؤى متعددة تجاه القضايا الدولية، ومناقشة الاختلافات في بيئة أكاديمية تقوم على الحوار واحترام التنوع. فالدبلوماسية الحديثة لا تقوم فقط على معرفة المواقف، وإنما على القدرة على فهم الآخر، وإدارة الاختلاف، والبحث عن المصالح المشتركة، وتحويل التباينات إلى فرص للحوار والتعاون.

وفي هذا الإطار، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى جامعة إسطنبول آيدن على حسن الاستضافة والتنظيم المتميز، وعلى ما وفرته من بيئة أكاديمية ودولية ثرية أتاحت لطلبتنا فرصة التعلم والحوار والتفاعل مع خبراء وأكاديميين ومشاركين من مختلف دول العالم. ونثمّن مثل هذه الشراكات الأكاديمية التي تسهم في تعزيز التواصل بين المؤسسات التعليمية والشباب من مختلف الثقافات، وترسخ دور الجامعات بوصفها فضاءات للحوار وإنتاج المعرفة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.

وننظر إلى هذه المشاركة باعتبارها استثماراً في جيل إماراتي أكثر وعياً بالعالم وأكثر قدرة على التعامل مع تحولاته، جيل يحمل هويته الوطنية بثقة، وينفتح على الثقافات والتجارب المختلفة بوعي ومسؤولية، ويمتلك الأدوات التي تمكنه من الإسهام في تعزيز مكانة دولة الإمارات وحضورها الدولي، والمشاركة بفاعلية في صناعة مستقبل يقوم على الحوار والتعاون والتنمية والسلام المستدام.

سعيد المرزوقي باحث في الشؤون السياسية عضو الوفد المشارك
سعيد المرزوقي باحث في الشؤون السياسية عضو الوفد المشارك

أكد سعيد المرزوقي، عضو الوفد الإماراتي المشارك، أن تجربة دولة الإمارات في تمكين المرأة تمثل نموذجاً تنموياً وسياسياً متكاملاً، تأسس على رؤية استراتيجية بعيدة المدى وضع أسسها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي آمن منذ قيام الاتحاد بأن المرأة ليست شريكاً في التنمية فحسب، بل ركيزة أساسية في بناء الدولة واستدامة نهضتها. وأوضح أن الشيخ زايد كان ينظر إلى المرأة باعتبارها نصف المجتمع، وأن المجتمع الذي لا يستثمر في نصف طاقاته البشرية لن يكون قادراً على تحقيق التنمية أو المنافسة أو بناء مستقبل مستدام، ولذلك جاءت سياسات الدولة منذ البدايات قائمة على توفير التعليم، وإتاحة الفرص، وإزالة العوائق أمام مشاركة المرأة في مختلف القطاعات، باعتبارها شريكاً كاملاً في مسيرة الاتحاد.

وأضاف المرزوقي أن ما يميز التجربة الإماراتية أنها لم تتعامل مع تمكين المرأة بوصفه استجابة لضغوط دولية أو محاولة لتحسين المؤشرات العالمية، وإنما باعتباره خياراً وطنياً أصيلاً نابعاً من فلسفة الدولة في بناء الإنسان. فمنذ تأسيس الاتحاد، ارتبط مشروع التنمية في الإمارات بالاستثمار في رأس المال البشري، رجالاً ونساءً، باعتباره المورد الاستراتيجي الأكثر قيمة، وهو ما جعل سياسات التمكين جزءاً من عملية بناء الدولة الحديثة، وليس برنامجاً مرحلياً أو ملفاً منفصلاً عن بقية السياسات العامة.

وأشار إلى أن هذه الرؤية تُرجمت على أرض الواقع من خلال منظومة متكاملة من التشريعات والمؤسسات والسياسات الحكومية التي ضمنت تكافؤ الفرص، وفتحت المجال أمام المرأة للمشاركة في التعليم، والاقتصاد، والقطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والقضاء، والعمل البرلماني، والدبلوماسية، والعلوم، والتكنولوجيا، والفضاء، مؤكداً أن نجاح أي سياسة عامة يقاس بقدرتها على إنتاج نتائج ملموسة، وهو ما تحقق بصورة واضحة في التجربة الإماراتية التي أصبحت اليوم محل اهتمام العديد من المؤسسات والمنظمات الدولية.

وأوضح المرزوقي أن أحد أبرز النماذج التي تعكس نجاح هذه الرؤية يتمثل في أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، حيث أصبحت المرأة تشكل النسبة الأكبر من منتسبي الأكاديمية، وهو ما يعكس الثقة الكبيرة التي توليها دولة الإمارات للكفاءات النسائية في مجال السياسة الخارجية والعمل الدبلوماسي. وأضاف أن هذه النسبة ليست مجرد مؤشر رقمي، وإنما تعبر عن تحول نوعي في فلسفة إعداد الكوادر الدبلوماسية، إذ تؤمن الدولة بأن الدبلوماسية الحديثة تتطلب تنوعاً في الخبرات والرؤى، وأن المرأة الإماراتية أثبتت قدرتها على تمثيل الدولة بكفاءة في مختلف المحافل الإقليمية والدولية، والمشاركة في ملفات التفاوض، والحوار، وبناء الشراكات الدولية.

وأكد أن هذا الحضور لم يأتِ نتيجة قرارات آنية، بل هو حصيلة عقود من الاستثمار في التعليم النوعي، والقيادة، وبناء الشخصية الوطنية، وتأهيل الكفاءات الشابة، حتى أصبحت المرأة الإماراتية اليوم تشغل مواقع قيادية في الوزارات، والهيئات الاتحادية، والبعثات الدبلوماسية، والمؤسسات الدولية، الأمر الذي يعكس نضج النموذج الإماراتي في إدارة رأس المال البشري.

وأضاف أن القرار التاريخي برفع نسبة تمثيل المرأة في المجلس الوطني الاتحادي إلى 50% عام 2019 شكل علامة فارقة في مسيرة التطور السياسي للدولة، مؤكداً أن هذه الخطوة لم تكن تهدف إلى تحقيق توازن عددي فحسب، وإنما جاءت لتعكس إيمان القيادة بأن مشاركة المرأة في صنع القرار والتشريع تمثل ضرورة وطنية تسهم في تعزيز جودة السياسات العامة، وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة، وتوسيع قاعدة المشاركة الوطنية في صناعة المستقبل.

وأشار إلى أن هذه الخطوة لاقت تقديراً واسعاً من المؤسسات الدولية، لأنها قدمت نموذجاً عملياً لكيفية الانتقال من مرحلة تمكين المرأة إلى مرحلة الشراكة الكاملة في إدارة الشأن العام، وهو ما عزز صورة دولة الإمارات باعتبارها دولة تستثمر في الكفاءة والقدرة والجدارة، بعيداً عن النظرة التقليدية التي تحصر دور المرأة في مجالات محددة.

وأوضح المرزوقي أن ما طرحته الدكتورة ناديا أيوب خلال محاضرتها حول حقوق المرأة وواجباتها في منظومة الأمم المتحدة يعكس توجهاً دولياً متنامياً يربط بين تمكين المرأة والسلام والأمن والتنمية المستدامة، مؤكداً أن التجربة الإماراتية تتقاطع بصورة كبيرة مع هذه الرؤية، بل إنها سبقت كثيراً من المبادرات الدولية في تحويل هذه المبادئ إلى سياسات عملية وبرامج تنفيذية أثمرت عن نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وأضاف أن الأمم المتحدة تنظر اليوم إلى تمكين المرأة باعتباره أحد المرتكزات الرئيسة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز السلم المجتمعي، وبناء مؤسسات أكثر استقراراً، وهو المفهوم ذاته الذي تبنته دولة الإمارات منذ تأسيسها، عندما ربطت بين الاستثمار في الإنسان، وبين بناء الدولة القادرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

وأكد أن المرأة الإماراتية أصبحت اليوم شريكاً فاعلاً في الاقتصاد الوطني، وفي بناء القوة الناعمة للدولة، وفي تمثيلها خارجياً، وفي قيادة المبادرات الإنسانية والتنموية، وهو ما يعكس نجاح الرؤية الإماراتية في توظيف جميع الطاقات الوطنية لخدمة أهداف التنمية الشاملة.

وأشار إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي تستثمر في المرأة تحقق مستويات أعلى من الاستقرار السياسي، والابتكار، والتنافسية الاقتصادية، وجودة الحياة، لأن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق إذا بقي نصف المجتمع بعيداً عن المشاركة الكاملة في صناعة القرار والإنتاج والابتكار.

واختتم المرزوقي مداخلته  بالتأكيد على أن تجربة دولة الإمارات أصبحت نموذجاً تنموياً يحظى باهتمام متزايد في المحافل الدولية، لأنها تقدم مثالاً عملياً على أن تمكين المرأة ليس مجرد استجابة لمطالب حقوقية أو التزامات دولية، بل هو خيار استراتيجي يعكس رؤية قيادة آمنت منذ البداية بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن، وأن الاستثمار في المرأة هو استثمار في أمن الدولة، واستقرارها، وقدرتها على المنافسة، وحضورها الإقليمي والدولي. وأضاف أن ما تحقق خلال أكثر من خمسة عقود من مسيرة الاتحاد يؤكد أن بناء المجتمعات القوية يبدأ ببناء الإنسان، وأن الشراكة الحقيقية بين الرجل والمرأة كانت، وما زالت، أحد أهم أسرار نجاح النموذج الإماراتي في التنمية، وهو ما يجعل هذه التجربة جديرة بالدراسة والاستفادة منها في النقاشات الدولية المتعلقة ببناء السلام، وتعزيز الاستقرار، وتحقيق التنمية المستدامة.

حميد البلوشي باحث في الشؤون السياسية عضو الوفد المشارك
حميد البلوشي باحث في الشؤون السياسية عضو الوفد المشارك

وفي حديث خاص لـ«البيان» من إسطنبول، أكد حميد البلوشي، عضو الوفد الإماراتي المشارك في مؤتمر السلام والدبلوماسية، أن جلسات المؤتمر والنقاشات التي جمعت نخبة من الأكاديميين والدبلوماسيين والخبراء من مختلف دول العالم، أجمعت على أن التعليم لم يعد يُنظر إليه بوصفه قطاعاً تنموياً فحسب، بل أصبح إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية، وركيزة أساسية في بناء السلام وتعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

وأوضح البلوشي أن المتحدثين في المؤتمر ركزوا على أن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وما يرافقها من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، تتطلب إعادة تعريف مفهوم الدبلوماسية، بحيث لا يقتصر على العمل السياسي التقليدي، وإنما يمتد ليشمل الدبلوماسية التعليمية والثقافية والعلمية، باعتبارها أدوات فاعلة في بناء الثقة بين الشعوب، وتعزيز التفاهم المتبادل، والمساهمة في معالجة مسببات النزاعات قبل تفاقمها.

وأضاف أن إحدى أبرز الرسائل التي خرج بها المؤتمر تتمثل في أن الاستثمار في التعليم هو استثمار مباشر في السلام، لأن بناء الإنسان الواعي والقادر على التفكير النقدي والحوار واحترام الآخر يشكل الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات مستقرة وأكثر قدرة على مواجهة التطرف والاستقطاب والانقسام والصراعات.

وأشار إلى أن المشاركين أكدوا أن الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات الأكاديمية أصبحت اليوم جزءاً مهماً من منظومة الدبلوماسية الحديثة، من خلال إنتاج المعرفة، ودعم صناع القرار، وتعزيز الحوار بين الثقافات، وإعداد قيادات شابة تمتلك فهماً عميقاً للقضايا والتحولات الدولية، الأمر الذي يجعل التعليم شريكاً أساسياً في صناعة السياسات وبناء جسور التعاون بين الدول والمجتمعات.

وبيّن البلوشي أن المؤتمر ناقش كذلك مفهوم القوة الناعمة، مؤكداً أن النفوذ الدولي لم يعد يقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل أصبح يرتبط أيضاً بقدرة الدول على الاستثمار في التعليم والبحث العلمي والثقافة والابتكار، وبناء شراكات دولية قائمة على المعرفة والثقة والمصالح المشتركة.

وأوضح أن المشاركين شددوا على أن العالم يمر بمرحلة تتطلب تعزيز مفهوم الدبلوماسية الوقائية، انطلاقاً من أن معالجة الأزمات لا تبدأ لحظة اندلاعها، وإنما من خلال العمل المبكر على بناء مجتمعات أكثر وعياً وقدرة على الحوار، والاستثمار في التعليم، وترسيخ ثقافة التسامح واحترام التنوع، وتنمية القدرة على إدارة الاختلاف بالوسائل السلمية.

وأكد البلوشي أن المؤتمر أولى اهتماماً خاصاً بدور الشباب، باعتبارهم شركاء في صياغة مستقبل العلاقات الدولية وليسوا مجرد متلقين للسياسات، مشيراً إلى أن تمكين الشباب بالعلم والمعرفة والمهارات القيادية والدبلوماسية يمثل استثماراً استراتيجياً طويل الأمد في الأمن والاستقرار والسلام العالمي.

وعلى صعيد مشاركته في فعاليات المؤتمر، حقق البلوشي حضوراً متميزاً في جلسات المناظرات، واختير ضمن قائمة أفضل المناظرين المشاركين في البرنامج، في إنجاز يعكس مستوى الكفاءة التي أظهرها في عرض الأفكار وبناء الحجج وإدارة الحوار والتفاعل مع وجهات النظر المختلفة ضمن بيئة دولية متعددة الثقافات.

وأكد البلوشي أن تجربة المناظرات شكلت جانباً مهماً من مشاركته، لما وفرته من مساحة عملية لتطوير مهارات الحوار والإقناع والتفكير النقدي والاستماع إلى الرأي الآخر، مشيراً إلى أن المناظرة في السياق الدبلوماسي لا تقوم على الانتصار للرأي بقدر ما تقوم على القدرة على تقديم الموقف بحجة واضحة، وفهم المواقف المختلفة، والبحث عن مساحات مشتركة يمكن البناء عليها.

واعتبر أن اختياره ضمن أفضل المناظرين يمثل حافزاً لمواصلة تطوير مهاراته في الحوار والاتصال الدولي، ومسؤولية في الوقت ذاته لتمثيل الشباب الإماراتي بصورة تعكس ما يحظى به من تأهيل وثقة وفرص للمشاركة في المحافل الدولية.

واختتم البلوشي تصريحه بالتأكيد على أن أبرز ما خرج به من المؤتمر هو أن السلام لم يعد مسؤولية المؤسسات السياسية وحدها، بل أصبح مشروعاً تشارك فيه الجامعات والمؤسسات التعليمية ومراكز الفكر ومنظمات المجتمع المدني والشباب، وأن التعليم يمثل اليوم أحد أهم مرتكزات الدبلوماسية الحديثة، لأنه يصنع الإنسان القادر على بناء الجسور بدلاً من الحواجز، وترسيخ التعاون بدلاً من الصراع، وتحويل الاختلاف إلى مساحة للحوار والتفاهم، وهي الرسالة التي أكد عليها المؤتمر في مختلف جلساته ونقاشاته.